فضيحة الكهرباء تهدد المساعدات للبنان

كهرباء لبنان
صندوق النقد سأل الحكومة عن إصلاح قطاع الطاقة.
اعلان

تستمر أحجية تأهيل قطاع الكهرباء في لبنان بإعاقة تصحيح الوضع الاقتصادي المالي، على الرغم من أن ما يسمى بفضيحة عجز الدولة اللبنانية عن إصلاح الكهرباء، شكلت ملفاً رئيساً من الملفات التي كانت مبرراً للانتفاضة الشعبية في 17 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، فضلاً عن أن إيجاد حلول عاجلة لها كانت في أولوية شروط المجتمع الدولي لمساعدة لبنان على النهوض من أزمته الحالية.

فالأزمة في هذا القطاع وسياسة الحكومة حياله، كانت واحدة من المواضيع التي أثارها وفد صندوق النقد الدولي مع وفد الحكومة المفاوض حول خطتها الإنقاذية للوضع الاقتصادي المالي، والتي يدقق الصندوق في تفاصيلها ليقرر بناء عليه البت في طلب لبنان الحصول على المساعدة المالية العاجلة التي يحتاجها لتسهم في تفادي الانهيار المالي الكامل. وقد عقدت 9 جلسات في هذا الإطار.

وفي وقت تشكل عبارة “الفضيحة” الأكثر لياقة لدى نشطاء الانتفاضة وثوار 17 تشرين، ويعتبر بعضهم أنها سرقة موصوفة، فإن الدبلوماسيين المعنيين بمتابعة شؤون لبنان الاقتصادية والمالية في السنتين الماضيتين يصفون، بلغة دبلوماسية، استمرار استنزاف خزينة الدولة جراء الهدر في قطاع الكهرباء بأنه “معيب” و”غير مقبول” لإدراكهم أن كلفته بلغت خلال أكثر من عقد من الزمن نحو 40 في المئة من الدين العام اللبناني البالغ 92 مليار دولار.

اقرأ أيضاً: الثوار يهزون العهد والحكومة..والأمر للسلاح المتفلت في بعلبك!

من أسباب المحاصصة في تقاسم الوزارات

وإذا كان هذا القطاع الحيوي في اقتصاد أي دولة، عانى من تخريب وحروب في حالة لبنان على مراحل، من الحرب الأهلية إلى الاعتداءات الإسرائيلية، وآخرها عام 2006، فإنه في الوقت نفسه مر بمراحل عدة من زاوية تولي قوى سياسية عدة حقيبة وزارة الطاقة والنقل والمياه التي تشرف عليه، في العقدين الماضيين.

وارتبط تولي بعض الأطراف السياسية تلك الحقيبة بتأمين مصالح فرقاء في إطار المحاصصة السياسية والنفعية التي واكبت توزيع مغانم السلطة في لبنان، اتسم تقاسمها لمواقع النفوذ في مؤسسات الدولة بخليط من الرغبة في تكريس موقعها في القرار السياسي، ومن الجشع في الحصول على مكاسب مالية في وزارات تدر أموالاً وأرباحاً نتيجة استثمار المال العام فيها.

وعلى سبيل المثل لا الحصر، اشتهرت المعادلة التي تتردد في الوسط السياسي، ومفادها بتولي حلفاء سوريا ومن ثم قوى 8 آذار الحليفة لحزب الله، والتيار الوطني الحر لاحقاً، حقيبة الطاقة والأشغال والنقل، مقابل تولي تيار “المستقبل” وحلفائه حقيبة الاتصالات.

وهذا النوع من المعادلات في شأن وزارات أخرى، لم يشذ عن القاعدة بالنسبة إلى القوى السياسية التي يتشكل منها المسرح السياسي، والتي تناوبت على حقائب فيها منافع وسلطة أيضاً، في إطار المحاصصة المقيتة التي طبعت الحكم اللبناني.

خطط باسيل والتأخير بالتحديث

في السنوات العشر الماضية، انفرد “التيار الحر” بتولي حقيبة الطاقة وبالتالي ملف الكهرباء، ووُضعت خطة لتأهيل الكهرباء في عهد حكومة الرئيس سعد الحريري الأولى عام 2009  –  2010، أسهم في إنجازها فريق الحريري الاقتصادي، يوم كان رئيس “التيار” جبران باسيل وزيراً، على أن تنفذ خلال سنتين لتعيد تغذية لبنان بالكامل بالطاقة خلال سنتين. وشملت الخطة إنشاء 3 معامل مع تنويع المحروقات لتشغيلها لتشمل الغاز بدلاً من الفيول الثقيل، الأكثر كلفة.

لكن التأزم السياسي الذي أدى إلى استقالة وزراء 8 آذار والموالين للجنرال ميشال عون في حينه، أجهض تنفيذ الخطة التي أعاد باسيل النظر فيها مع استمرار توليه حقيبة الطاقة في ظل حكومة الرئيس نجيب ميقاتي التي بقي “المستقبل” خارجها.

 كانت الخطة تقوم على تأهيل معملين لتوليد الكهرباء في دير عمار شمال لبنان، وفي الزهراني جنوباً. وكرّس باسيل فكرة إقامة معمل ثالث، حُدّد لاحقاً موقعه في بلدة سلعاتا الشمالية في قضاء البترون مسقط رأسه، وأصر على تمويل المرحلة الأولى (معمل دير عمار) من استدانة الحكومة من الأسواق المالية، بمليار و200 مليون دولار على الرغم من تمسك ميقاتي ووزراء آخرين بالتمويل من الصندوق الكويتي للتنمية بفائدة متدنية جداً مع فترة سماح وتسديده على 30 سنة.

لكن أكد باسيل أن هذا الخيار يأخذ وقتاً نتيجة البيروقراطية في الصناديق المالية بينما كان المطلوب العجلة في التنفيذ.

لم تنجح ضغوط الوزراء الذين عارضوا خيار باسيل وقام بعضهم، ومنهم وزير الاقتصاد آنذاك نقولا نحاس بدراسة كلفة المعمل مع شركة كهرباء فرنسا (EDF) بكلفة تصل إلى 900 مليون دولار، لكن الكفة رجحت لمصلحة خيار باسيل بتأييد من حلفائه.

عدم التنفيذ يبرر “الحل المؤقت”

عصفت الخلافات داخل الحكومة مع الشركة التي تعاقد معها باسيل، لا سيما لجهة الضريبة الواجب دفعها عن شراء المعدات التي ستستخدم في المعمل، والتي طلب الأخير أن تتولاها وزارة المال، (الوزير علي حسن خليل من حركة “أمل”) التي رفضت، لأن عقد التأهيل لا ينص على أن تدفع الدولة ضريبة القيمة المضافة التي ناهزت في حينه 50 مليون دولار.

تجمد المشروع وسط تبادل الاتهامات حول عمولات وسمسرات. وأصدرت كتلة “المستقبل” النيابية التي كانت في المعارضة وعلى خلاف مع “التيار الحر” في حينه، بياناً تضمن اتهامات خطيرة لخصمها اللدود الذي تحول بعد عام 2016 حليفاً، إثر التسوية التي عقدها الحريري مع عون على دعم انتخابه للرئاسة.

خضعت الخطة للتحديث 3 مرات جرى فيها تكريس قيام معمل سلعاتا، ولم تنفع معها النصائح من استشاريين دوليين ودول معنية بمساعدة لبنان على معالجة أزمة الكهرباء، بالاكتفاء بمعملي دير عمار والزهراني على الرغم من معارضة قوى سياسية محلية منها وزراء حركة “أمل”، وأُقحم الموضوع في سياق الخلافات السياسية الداخلية واضطر الحريري على الرغم من عدم اقتناعه، للموافقة على أن يتم إنشاء معمل سلعاتا لكن في مرحلة لاحقة، بحجة أن همه هو البدء في خطة التأهيل.

قد لا يتسع أي تقرير عن مشكلة الكهرباء في لبنان لسرد تناسل الخلافات في شأنها، لكن عرقلة مباشرة العمل بحجج مختلفة، أدى إلى اعتماد حل مؤقت يقضي باستئجار باخرتين تركيتين رستا على الشاطئ لتزويد لبنان بالطاقة في انتظار بناء المعامل الدائمة.

وهو ما زاد الريبة حيال عمولات وسمسرات تُقبض جراء التأخير في بناء المعامل الدائمة، إذ يقول رئيس لجنة الطاقة النيابية النائب نزيه نجم إن كلفة توليد الكهرباء من الباخرتين الراسيتين على الشاطئ (منذ 2017) تبلغ 14 سنتاً للكيلووات، فيما كلفته من المعامل التي كان يجب أن تكون أنجزت، لا تتجاوز 7 سنتات.

ويلغط الوسط السياسي اللبناني بأرقام بمئات ملايين الدولارات سنوياً، تشكل أرباحاً لفئات تتمتع بالحماية السياسية، جراء تأخير تأهيل الكهرباء: أصحاب المولدات التي انتشرت كالفطر لتزويد المواطنين بالطاقة في فترات التقنين نتيجة عجز كهرباء لبنان، مستوردو المازوت والديزل أويل لهذه المولدات الخاصة، ومستوردو الفيول أويل للمعامل القديمة (وقضية الفيول المغشوش مطروحة على القضاء)… فضلاً عن وكلاء للباخرتين التركيتين. وفي مرحلة معينة كانت 3 بواخر، تُبرّر الاستعانة بها تحت عنوان “الحل المؤقت” الذي صار شبه دائم.

تأجيل سلعاتا من الباب الحكومي ثم العودة إليه

لم تخجل الدول المانحة في مؤتمر “سيدر” في 5 أبريل (نيسان) 2018 في باريس، مع إقرار المبالغ الاستثمارية (11 مليار دولار)، من إبلاغ الحكومة اللبنانية في حينها أن الشرط الأول في الإصلاحات التي طلبتها لتبدأ في صرف الأموال، إزالة الالتباسات في شفافية التلزيمات والسياسات إزاء الكهرباء.

وحددت مطالبها بوضوح: تشكيل مجلس إدارة شركة كهرباء لبنان المنتهية مدته بسرعة وتعيين هيئة ناظمة للقطاع، بحيث لا تقتصر الصلاحيات على وزير الطاقة في إدارة القطاع كي لا ينفرد في التلزيمات والعقود والمشاريع وتنفيذها.

والشرط الثالث ضمناً كان الاستغناء عن فكرة سلعاتا لأنها “ليست خياراً مناسباً”، بحسب قول مصدر ديبلوماسي. فالقوى المحلية المعارضة له ترى أن كلفته عالية نظراً إلى الحاجة لاستملاك أراضٍ من أجل بنائه، (يتردد أن المطلوب تنفيع مالكيها الحاليين) فيما الأراضي للمعملين الآخرين هي ملك الدولة. ومشروع كل منهما يمكن أن يولد طاقة 900-1100 ميغاوات، ويكفيان الاستهلاك اللبناني.

وعلى الرغم من أن مجلس الوزراء أخذ قراراً بالبدء في تنفيذ معملين وتأجيل سلعاتا، بناء للإلحاح الدولي على مباشرة حل أزمة الكهرباء، اشترط الرئيس عون بناء لإلحاح من باسيل، العودة إلى التمسك بالمعمل الثالث. واختلط الخلاف حول مدى الحاجة إلى هذا المعمل تقنياً ومالياً، مع الخلافات السياسية.

فالعديد من السياسيين اتهم باسيل بأن هدفه قيام المعمل في منطقة مسيحية، ما دفع رئيس البرلمان نبيه بري إلى وصف الإصرار عليه بأنه يأتي في سياق التمهيد لإقامة نظام فيدرالي مع ارتفاع هذه النغمة في الآونة الأخيرة. وكاد الإصرار على سلعاتا يتسبب بتفجير الحكومة من الداخل، إذ هدد رئيسها حسان دياب بالاستقالة لكن عون لم يكترث للتهديد، وتدخل حزب الله لتقريب وجهات النظر، لأن هاجسه الإبقاء على هذه الحكومة لاستحالة تأليف غيرها.

وأتى المخرج على “الطريقة اللبنانية” بأن أعلن دياب أن سلعاتا جزء من خطة الحكومة، مع تفاهم ضمني بأن يجري تأجيله إلى مرحلة لاحقة.

في المقابل، تشير المعلومات إلى أن الإصرار على إنشاء سلعاتا دفع إلى إبلاغ الشركات التي تقدمت بعروض في مفاوضاتها مع وزير الطاقة المحسوب على “التيار الوطني الحر” ريمون غجر، أنه لن يتم توقيع عقد معها إلا إذا التزمت مسبقاً ببناء هذا المعمل.

وأوضحت مصادر نيابية أن هذا الإصرار اقترن مع الطلب من هذه الشركات أن توافق على البدء ببناء معمل سلعاتا، ما يعني تأخير الخطة مرة أخرى نظراً إلى أن الأرض التي ستبنى عليه غير جاهزة بعد.

بوادر أزمة مع باريس

تتجه الأمور إلى التسبب بمشكلة مع الدول المانحة، لا سيما فرنسا. فالخطة تقترن مع توجه لبناء 3 محطات لتحويل الغاز السائل إلى غاز قابل للاستعمال، في وقت تعتبر الدول الغربية أن لبنان ليس بحاجة إلى هذا القدر من المحطات، إذ إن مصر على كبر مساحتها تملك محطة تغويز واحدة.

ومعظم الشركات التي تقدمت بعروض (بينها جنرال إلكتريك بالتفاهم مع ألستوم الفرنسية، وغيرها…) عرضت بناء محطتين، فيما العرض الوحيد لبناء 3 محطات ومعامل التغويز هي قطر بتروليوم مع إيني الإيطالية، ما يعني استبعاد كافة الشركات الأخرى سلفاً، وهو أمر قد يتسبب بأزمة مع باريس.

السابق
لبنان… «17 تشرين» بين الثورة والسياسة
التالي
الصيارفة يعلّقون الاضراب.. والدولار بـ 4 آلاف رسميا!