وجيه قانصو لـ«جنوبية»: «حزب الله» عزل المقاومة وحوّلها إلى مشروع طائفي

وجيه قانصو
٢٠٢٠.. ٢٠ عاما على تحرر "حزب الله" من لبنان! أعد موقع "جنوبية" ملفاً لمناسبة "عيد التحرير"، يقرأ فيه عبر سلسلة من الموضوعات والتحقيقات التغير في مفاهيم و أدبيات "المقاومة والعمالة" على مدى عقدين من الزمن، وتداعياتها على اللبنانيين والبيئة الشيعية.

وبمناسبة مرور 20 عاما على تحرير الجنوب واعلان يوم 25 ايار عيدا للتحرير، حملت “جنوبية” أسئلتها الى الدكتور وجيه قانصو ابن بلدة الريحان الجنوبية قضاء جزين التي كانت فيما مضى عاصمة للتشيع العاملي خصوصا في القرن الثامن للهجري، في عهد الشيخ شمس الدين مكي العاملي المعروف بالشهيد الأول.

الدكتور  قانصو هو باحث اكاديمي مختص بالتاريخ السياسي الاسلامي، أصدر مؤلفات بحثية فريدة عنت بتجديد التراث وتجديده، خصوصا التراث الشيعي الاسلامي تحديدا، فأعاد ترتيب منهجيته وأحداثه مزيلا الغموض حول عدد من المسائل، وكاشفا عن حقائق جديدة تستسيغها العقول، ليقدمها في سياقها التاريخي المنطقي دون مبالغة ولا مواربة.

اقرأ أيضاً: لبنان.. «كنْ مع المقاومة وانهب ما شئت»

انقسام اللبنانيين بعد التحرير

حول مناسبة التحرير واشكالية استمرار المقاومة، لاحظ ان “المقاومة باتت محتكرة برسم طائفة واحدة وحزب واحد يعتبر ان التحرير ما زال غير منجز بسبب بقاء مزارع شبعا ضمن الاحتلال وان الخطر الاسرائيلي ما زال قائما، وبالتالي لا بد من الاحتفاظ بالسلاح الحزبي الخارج عن سيطرة الدولة لغاية استكمال التحرير”.

برأي الدكتور قانصو ان ” تحرير لبنان من الاحتلال الاسرائيلي كان حدثاً تاريخياً، ولكن استثمار التحرير استغل لصالح أيديولوجيات خاصة ومآرب سياسية، فلم يجرِ تحرير الإنسان، في حين انه كان يجب التفرغ لبناء الدولة والمشاريع التنموية، مع الأسف فإن لبنان ما زال كما كان أيام الوصاية السورية، وكأننا أمام تسويغ احتلال آخر، مع العلم أن الوجود السوري كان عبئاً على الجميع حتى على حرب الله نفسه”.

تحرير لبنان من الاحتلال الاسرائيلي كان حدثاً تاريخياً، ولكن استثمار التحرير استغل لصالح أيديولوجيات خاصة ومآرب سياسية

ويضيف  انه “كان مطلوباً بعد التحرير عدم الاعتماد على المواجهة فقط، وإنما كان يجب بناء الدولة، مع ملاحظة أن من طالب ببناء الدولة من 14 آذار لم يرتقوا بطلبهم إلى تأسيس مشروع حقيقي بل بقي شعاراً فقط”.

ويلفت الى انه “في عام 1985 الذي حرر حوالي 70 بالمئة من الجنوب وكانت المقاومة حينها وطنية شاملة وقدمت مئات الشهداء، فلا ذكر “جبهة المقاومة الوطنية” التي انطلقت في البداية، وضمت لاحقا  الفصائل اليسارية والقومية وحتى حركة امل، في حين يظهر حزب الله فقط محتكرا المقاومة؟

ويستدرك ان “حزب الله” عندما سعى إلى احتكار المقاومة فهو بذلك يعزلها ويفصلها عن السياق الوطني، وهذا ما أدى الى  فشل حزب الله بتحويل المقاومة إلى مشروع وطني، فتحولت إلى مشروع حزبي طائفي إقليمي، أو مشروع أيديولوجي يتلبّس بلباس المقاومة.

ان مشروع المقاومة الحقيقي برأي الدكتور قانصو غير موجود حالياً، ف”المقاومة الحقيقية عابرة للطوائف ووطنية ومتناغمة مع العمق العربي، في حين أن من يحتكر المقاومة حالياً يستخدمه كشعار، فقط خالٍ من الشروط الموضوعية للمقاومة الوطنية الشاملة، فحزب الله وان ظل وجها من وجوه المقاومة وجزء منها، ولكنه لا يتطابق مع مشروع المقاومة.وبالتال في الثمانينات من القرن الماضي، كنا نشاهد مشهد المقاومة الحقيقي مكون من كل الشرائح في لبنان، في حين أن حزب الله بتكوينه واتجاهه الحالي غير مفوّض حالياً بالدفاع عن لبنان من كافة فئات الشعب”.

السيادة المنقوصة

وحول التشرذم والفرقة التي حلّت باللبنانيين بعد التحرير بدلا من التوحّد، يقول الدكتور قانصو ‘ان مشكلة حزب الله أنه أراد أن يفصل سيادة السلاح عن سياسته الدولة، فأصبح للسلاح سيادة مستقلة، وأصبحت المقاومة عقيدتها الدينية المذهبية، تستلهم من ولاية الفقيه أنظمتها، وبالتالي بدل من ان تراكم رصيدا وطنيا، أصبحت المقاومة تساعد على انتهاك سيادة الدولة، ودولة ضمن دولة، ومعروف ان السيادة لا تقبل التجزئة، هي ليست مجموع سيادات، هي سيادة واحدة. الأمر الآخر أن الثقافة الطائفية المنفصلة عن الهوية الوطنية التي سادت بعد التحرير جعلت من المقاومة حالة خاصة جزئية معزولة عن باقي مكونات الشعب اللبناني وأصبحت وجهة للانقسام بدل من التوحّد بين مكونات لبنان”.

ويلفت الدكتور قانصو انه “منذ يوم التحرير بدأ الجدل داخل لبنان حول الأولويات، جهة تريد أن تبني، وجهة تريد أن تتوجّه للخارج لمجابهة معسكرات خارجية. وبدل أن يشكّل التحرير حالة وطنية عامة، بدأت الانقسامات، ليتوّج بانفجار بدأ مع اغتيال الشهيد رفيق الحريري، لينتهي الى الوضع الكارثي السياسي والاقتصادي الذي نحن فيه”.

“حزب الله” عندما سعى إلى احتكار المقاومة فهو بذلك يعزلها ويفصلها عن السياق الوطني

سلاح المقاومة واسترجاع شبعا

قوات العدو الاسرائيلي
قوات العدو الاسرائيلي

وبالنسبة لتحرير مزارع شبعا، يلاحظ الدكتور قانصو “أن عدم استرجاع شبعا لاحقاً بعد 20 عاما من التحرير معناه أن لا يمكن تحريرها عسكرياً، لا يوجد إمكانية حالياً لاقتحام المزارع وتحريرها خصوصاً مع وجود قوات اليونيفيل، ومع وجود وقف إطلاق نار بعد عام 2006، وحتى أن مرور عشرين سنة على التحرير يؤكد هذا المنطق، فلو كانت الإمكانية قابلة لكان حزب الله تمكن من تحريرها، وبالتالي أصبح تحريرها من مهام الدولة. وكذلك ذريعة حماية الوطن التي يتذرع فيها حزب الله، فالدولة هي المسؤولة، لا نريد أداء خارج أداء الدولة، فالتجربة أثبتت أن بقاء السلاح خارج الدولة يولّد أزمات سياسية وأمنية واقتصادية، أوصلتنا إلى ما نحن فيه حالياً من كوارث ومآس”.

اقرأ أيضاً: مصارف المقاومة

ويخلص الدكتور قانصو ان “خطاب المقاومة ينطلق خارج مصلحة الوطن، فمشكلة سلاح المقاومة هي مشكلة بنيوية، ولا ينفع الإنكار فيها، ويجب أن تحل بعقلانية على أساس منطق الدولة والهوية الجامعة في لبنان لا يحتمل أيديولوجيات عابرة للأوطان، وكل الضخ المعنوي الذي بدأ لتغليب منطق الانتصارات على منطق الدولة يجب إعادة النظر فيه، فحدث التحرير يجب أن يكون مناسبة لانطلاق نقد ذاتي من أجل إصلاح ما يمكن إصلاحه قبل فوات الأوان، اذ أن وضعية نشاط حزب الله الإقليمي جعلت الدولة في حالة تخبط، بسبب ما يسبّبه من تشتت في الهوية الوطنية”.