حين «تعيش» نوار مولوي دور.. «زوجة رجل مهم»!

نوار المولوي

في الوقت الذي كان لبنان غارقا الأسبوع الماضي كالعادة بمشاكله بدءا من الإنتكاسة التي مني بها في مسألة فايروس كورونا إلى الملفات الساخنة التي طفت على السطح بقدرة قادر ودفعة واحدة من قضية الفيول المغشوش وتداعياتها على المشهد السياسي بفعل إنفجار الوضع على جبهة فرنجية – باسيل ومن وراءه سيد العهد، إلى قضية توقيف بعض الصرافين وعلى رأسهم النقيب ومن ثم توقيف مدير العمليات النقدية في مصرف لبنان، مرورا بقضية تهريب المازوت والطحين إلى سوريا وما تعنيه من تلاعب بلقمة الفقير أولا وبإقتصاد ومالية البلد ثانيا التي إستدعت تطرق أمين عام حزب الله لها في خطاب كان مخصصا كما بدا للشأن الأقليمي في معظمه ما يوحي بمدى إرتباطها بوضع العلاقات مع سوريا والتطورات فيها.

اقرأ أيضاً: «حزب الله».. سلسلة «إنتهاكات» لبنانية كرمى للعيون الإيرانية والسورية!

سابقة جديدة

في هذا الوقت صدر تصريح عن زوجة رئيس الحكومة حسان دياب الدكتورة نوار مولوي دياب في سابقة جديدة من نوعها على الحياة السياسية في لبنان، دعت فيه اللبنانيين واللبنانيات إلى الحلول مكان العمال الأجانب في أعمال الخدمة المنزلية وخدمة ” نواطير” المباني ومحطات الوقود فأقام الدنيا ولم يقعدها وإنشغلت شريحة غير قليلة من اللبنانيين بمضمونه عبر سجالات عنيفة في بعض الأحيان بين مؤيد ومعارض، وبين متفهم ورافض دون كثير إلتفات إلى المنبر الذي أطلقت منه السيدة دياب تصريحها ولا الصفة التي خولتها الإدلاء بهكذا تصريح وبثه عبر وسائل الإعلام الرسمية منها والخاصة سوى من قلة قليلة من المتابعين .كعادة اللبنانيين في تسييس كل أمر إنطلقت بعض الأصوات ولعلها الأكثرية في الحكم على التصريح من زاوية سياسية ضيقة من منطلق من مع الحكومة ومن ضدها على إعتبار أن التصريح صدر عن زوجة رئيس الوزراء، كما إنطلقت أصوات أخرى من منطلق الإعتراض على الدعوة نفسها بإعتبارها إهانة لمشاعر اللبنانيين الذين ذاقوا ويذوقون الأمرين من الطبقة السياسية التي من المفروض أنها موجودة لخدمة الناس وتنمية المجتمع وتحسين الوضع المعيشي للمواطن ولذلك إعتبروا الدعوة من زوجة مسؤول في هذه الطبقة نوع من الإملاء والتشاوف والتعالي عليهم.

قلة قليلة تناولت الموضوع بجدية ورصانة وناقشته بالشكل والمضمون بعيدا عن الشعبوية في التعاطي مع الأحداث وهذا ما نحاول مواكبته وملاقاته على الرغم من أن الدخول في نقاش هكذا مسائل جدلية، على إرتباطها بواقعنا اليومي المعاش وسط المشاكل التي نعيشها قد يراه البعض نوع من الترف الفكري. في الشكل كان هناك سابقة غريبة على الحياة السياسية اللبنانية وغير صحية حينما تقوم زوجة رئيس الوزراء بزيارة إلى إحدى الوزارات لتفقد سير العمل فيها من دون صفة رسمية سوى أنها نائبة رئيسة الهيئة الوطنية لشؤون المرأة وهو منصب شرفي أكثر منه عملي وتصريحها أن بوجودها في الوزارة والزيارة التي سخرت لها التغطية الإعلامية الواسعة إنما تشعر بالحنين على إعتبار أن والدها الإستاذ رضوان مولوي كان فيما مضى مديرا عاما لوزارة الإعلام وكأن الوزارات باتت إرثا عائليا وهذا فعل لا ينسجم مع وجود حكومة المفروض أنها حكومة إصلاحية، وما زاد الطين بلة هو البيان التوضيحي الصادر عن مكتب رئيس الحكومة بخصوص تصريحها المثير للجدل والذي هو موضوع الحديث الذي لو كان صدر عنها في سياق مقابلة صحفية مثلا لكان مقبولا ولما كان له نفس الأثر والوقع على اللبنانيين.

في المضمون فإن دعوتها اللبنانيين للحلول محل العمال الأجانب هو كلام جميل ومثالي في الشكل إلا أنه كالسراب الذي يحسبه الظمآن ماء، بعيد عن الواقع خاصة وأنه جاء في سياق محاولة إيجاد حلول للأزمة المالية في البلد على إعتبار أن الأموال التي يخرجها العمال الأجانب من لبنان نحن أولى بها وهذا كلام غير أنه بعيد كل البعد عن المنطق السائد بين الدول كي لا نقول أنه غير إنساني خاصة وأن لبنان من الدول التي تعتمد في ماليتها على المغتربين المنتشرين في كل أنحاء العالم فماذا لو طبقت دول العالم هذا المبدأ على اللبنانيين الموجودين على أراضيها مثلا، هذا عدا عن أن ظروف عمل الأجانب ومعاشاتهم  في لبنان لا يمكن أن تفي بالغرض وتقي اللبناني شر العوز نسبة للتضخم الموجود في البلد اللهم إلا إذا تم تنظيم هذه المهن كما ذكرت وباتت كغيرها من الوظائف لها حقوقها من حيث عدد ساعات العمل والضمان الصحي وغيرها من الحقوق وهذه تصريحات ووعود لا يمكن الركون إليها في دولة مثل دولتنا وسلطة فاسدة كالسلطة الموجودة.

صحيح بأن الشغل مش عيب والفقر مش عيب، ولكن هذه المهن قد لا يختلف إثنان على أنها لا تلبي ولا تناسب طموحات شباب متعلم – وهم شريحة واسعة في لبنان – أمضى سنين من عمره في تحصيل العلم كي يبني لنفسه مستقبلا أفضل

من جهة ثانية فإن هذه الدعوة في السياق الذي أتت فيه تعتبر إختزال وتسخيف للأزمة التي يعيشها لبنان إذ أن المشكلة ليست ناتجة عن وجود العمال الأجانب في البلد وتكاسل بعض اللبنانيين عن العمل – وهذا فيه شيء من الصحة – كما أن العكس ليس هو الحل لمشكلتنا وهكذا يبدو التصريح وكأنه كلام حق يراد به باطل ولو عن غير قصد والباطل هنا هو التعمية والتموية على الأسباب الحقيقية للأزمة المتمثلة في الفساد المستشري في كل مفاصل الدولة الناتج عن الفساد السياسي الذي تمارسه هذه الطبقة السياسية عبر المحاصصة وتقاسم المغانم والمناصب وعندما لا تفرق بين العام والخاص في تعاطيها مع الأمور في البلد وهو مسار لا يزال مستمرا مع هذه الحكومة للأسف ما جعل الناس تفقد الثقة بكل هذه الطبقة التي تشكل السلطة ولو عبر أقنعة ألبسوها لمن أطلقوا عليهم حكومة تكنوقراط ، من هنا نقول بأن هذا الطرح لا يقدم ولا يؤخر لأن المسألة أعقد من ذلك بكثير تبدأ في لبنان ولا تنتهي في أبعد نقطة في الإقليم حيث يتواجد لبنانيون يقاتلون تحت راية دولة أخرى وخدمة لإستراتيجيتها في المنطقة.

الشعارات الطبقية الرنانة

أما القول بأن اللبناني يعمل في الخارج في كل المهن التي يرفضها في لبنان فهذا القول هو لمصلحة اللبناني وليس ضده وهو يثبت بأنه لا يرفض العمل بهذه المهن في بلده تكبرا بل لأن حقوقه غير مؤمنة وظروف العمل غير مؤاتية واللبناني طموح بطبعه ونقولها صراحة للمزايدين وأصحاب الشعارات الطبقية الرنانة، صحيح بأن الشغل مش عيب والفقر مش عيب، ولكن هذه المهن قد لا يختلف إثنان على أنها لا تلبي ولا تناسب طموحات شباب متعلم – وهم شريحة واسعة في لبنان – أمضى سنين من عمره في تحصيل العلم كي يبني لنفسه مستقبلا أفضل وهذا حق من حقوقه بل هي مهن محصورة بشريحة معينة من الناس البسطاء الفقراء الذين قست عليهم ظروف الحياة ولم يكن لهم نصيب وافر من العلم ومع ذلك وفي ظل ظروف عمل ومعاشات ضئيلة كالموجودة في لبنان هي العيب بعينه لأنها لا تقيم أي وزن لإنسانية الإنسان وكرامته ولأبسط حقوقه في حياة عادية، لذلك فلنتوقف عن جلد أنفسنا كمواطنين وعلينا عدم تضييع البوصلة فالمسؤول الأول والأخير عن مآسينا هي هذه الطبقة السياسية الفاسدة التي وليناها أمرنا ولم تكن على مستوى المسؤولية الأخلاقية والوطنية لذا وجبت الثورة عليها وجلدها هي بكل ما أوتينا من عزم وقوة.

اقرأ أيضاً: المصارف تحترق بـ«شر» أفعالها.. مرتين!

كل هذا لا يعني الدفاع عن المجتمع اللبناني والإدعاء بمثاليته فنحن هنا نتحدث بموضوع معين ومحدد، فهذا المجتمع مليء بالنواقص والمثالب والمفاهيم الإجتماعية الخاطئة والبالية كغيره من المجتمعات وربما أكثر وهذا نتيجة طبيعية لحياة غير طبيعية عايشها ويعيشها هذا المجتمع منذ حوالي النصف قرن من حروب صغيرة وكبيرة مع ما تخلفه هذه الحروب من تداعيات على كل مناحي الحياة فكيف إذا تلازم مع وجود سلطة سياسية فاسدة ومجرمة لا ترعوي عن فعل شيء خدمة لمصالحها الشخصية، من هنا يبقى شعار كلن يعني كلن على شموليته هو الحل الوحيد ولو مرحليا حتى يعود لهذا الوطن وهذا المجتمع توازنه النفسي والأخلاقي وكذلك السياسي والإقتصادي بعيدا عن النظريات التي تحاول معالجة السرطان بالبنادول كما حاولت السيدة دياب أن تقول وتفعل وأثارت كل هذه الضجة لا لشيء سوى لأنها “زوجة رجل مهم” هو رئيس السلطة التنفيذية في الدولة مع كامل الإحترام لشخصها وشخص زوجها.        

السابق
في الضنية: اقتحموا محطة كهرباء وخلعوا بابها الرئيسي.. احتجاجاً على التقنين!
التالي
علاقات إسرائيل مع الصين تضرُّ بأميركا