على هدير «الفان» من بيروت إلى صيدا!

الفانات

كان يوما من خارج نص الحياة وعند حافة العمر، اوقفت فيه فانا فارغا من الركاب متوجها الى صيدا، صعدت الى جانبه وقبل التحية اعلمني ان الغلاء وسوء الاحوال ينذران بالبلاء، دقائق قليلة وامتلأ الفان بالتعساء، الى الرميلة الى وادي الزينة الى الناعمة، حَمدالله على نعمته ونظرَ لي بنظرة امتنان معربا لي ان وجهي فاتحة رزق وخير عليه وان شاء الله على كل لبنان.

اقرأ أيضاً: لكم حجركم وكماماتكم.. ولنا جوعنا وبؤسنا!

“لا بدي أمي ولا بدي بيي”

ما إن دخلنا الخط السريع من خلدة حتى تبدلت الاحوال والاقوال، صدحت أغنية الدلعونا على اعلى مقياس الصوت، تغيرت سرعة الفان من سرعة عربة ارضية الى سرعة مركبة فضائية، صارت العربة تتسلل باحتراف عال لتتجاوز كل العربات صاحبة الارقام المزدوجة، كادت عربتنا العابرة والمقتحمة بشجاعة ان تلامس شاحنة كبيرة عن يميننا، ممتلئة بالبحص المتناثر خلفها على زجاج السيارات كطلقات رصاص بالكاد تسير نحو الامام  وان تحتك بسيارة بورش فضية اللون على يسارنا، ما ان نجح قبطان مركبتنا بتجاوزهما حتى التفت نخوي مفتخرا بقيادته وصائحا “ههههه لقد تم قصف الجبهة يا حاج” ليعود للغناء مع المطرب ابن عمه السيء الصوت والموسيقى وما ان وصل لمقطع “لا بدي أمي ولا بدي بيي، بدي حبيبي اسمر اللونا”حتى كنت قد تمسكت بيدي اليمنى بالقبضة الموجودة اعلى النافذة قربي ومستندا بيدي اليسرى على لوح السيارة الامامي لأن صاحبنا لم يكتف هنا بالغناء انما بدأ بالرقص ايضا على انغام الدلعونا، كان كلما تمايل جسده يمينا راحت العربة بنا الى اقصى يمين الجادة الى حد شعرت فيه بسقوطي الاكيد من النافذة المفتوحة وان مال صاحبنا القبطان يسارا راحت العربة بنا الى أقصى اليسار، لم يكن لدي اية فرصة لأرفع زجاج النافذة، نظرت خلفي لأتأكد إن كان الركاب من خلفي بخير فإذ بي ارى ويا لهول ما رأيت، عيون جاحظة الى الامام والى الأعلى كأنها امام مسهد جهنم، شفاه تتمتم بآيات ليست كالآيات، كل واحد منهم يمسك بالآخر وكل آخر ممسك بقلبه بالله.

لحظات قليلة وقفزت من النافذة من دون الحاجة لفتح الباب وركضت بعد ان رميت له الفين ليرة على المقعد من خلفي اما الركاب الآخرون فقد تناتشوا وتضاربوا عند باب العربة الوحيد الذي تحول لباب النجاة

ما إن غنى المغني “تحيّر حبيبا وين بدو يبوسا، إن باسا بخدا بيوقع دبوسا وإن  باسا بِتِما بيتغير لونا”حتى تأكدت وتيقنت ان الفان غدى يسير على الدولابين الخلفيين فقط بينما الدولابين الاماميين صارا على ارتفاع مترين عن زفت الطريق وصارت العربة المركبة تتراقص وتنحني لترتفع وتدور حول نفسها نصف دورة باتجاه الخلف ونصف دورة الى الامام، كان مشهدنا سورياليا بالغناء وبالرقص، بالعطف وبالحبّ، بالحنان وبالمودة في يوم القيامة، كل واحد منا ممسك بالآخر رغم انه جاهز ان يفرّ من امه ومن ابيه كأننا في دبكة بعلبكية متراصة ومتباعدة، تحمع الاضداد وتتحدى الاقدار.

اقرأ أيضاً: حلقة نقاش بيئية تتحول إلى مساءلة لبلدية صيدا

المازوت

فجاة ومن خارج نص الزمان والمكان سمعته وسط صخب الموسيقى والغناء وخفقات القلب السريع للركاب يقول لي”لازم عبي مازوت يا حاج”! لتنحرف بنا العربة من اقصى شمال الجادة الى اقصى اليمين باتجاه محطة الايتام في السعديات من دون اي حيطة او استعانة بمرآة جانبية ومن غير اكتراث باصوات زمامير السيارات المفجوعة من حولنا، لتقف مركبتنا الفضائية امام ماكينة ضخ المازوت. محطة الايتام كانت يسر بعد عسر و رحمة اكيدة بالعباد.

لحظات قليلة وقفزت من النافذة من دون الحاجة لفتح الباب وركضت بعد ان رميت له الفين ليرة على المقعد من خلفي اما الركاب الآخرون فقد تناتشوا وتضاربوا عند باب العربة الوحيد الذي تحول لباب النجاة والمعبر الأخير والحدّ الفاصل ما بين الموت والحياة: “مولخاً بقصّ ئيدي يا مولخا اذا ما كانوا لي عم يسوقو سفينة الدولة عم يسوقو متل صاحبنا هيدا شوفير الفان”.

السابق
بالوثيقة.. وزيرة تحتفظ بوظيفتها في وزارة المال طيلة مدّة تعيينها في منصبها!
التالي
عبد الهادي محفوظ: اسمي سلطة!