ألمانيا والعامليون.. والقطيعة مع حزب الله!

حزب الله
يعرف الشيعة في لبنان قبل نشوء حزب الله أنه كان لألمانيا علاقة خاصة بطائفتهم.

كانت المدارس التابعة للجمعية الخيرية الاسلامية العاملية (شيدت أول مدرسة عام 1928) تستعين ببروتوكول تعاون مع ألمانيا، بحيث أن مواد تعليمية وأجهزة مصدرها ألمانيا ظهرت كجزء من المشهد التعليمي داخل المدارس التقليدية والمهنية المتخصصة للجمعية، كما أن ألمانيا قدمت لطلاب تلك المدارس الجمعية وأساتذتها منحا دراسية وتدريبية كانت تجري في ألمانيا نفسها.

لم تكن علاقة بلد أوروبي بطائفة من طوائف لبنان أمرا غريبا على المشهد السياسي في لبنان. كثيرا ما تم الحديث عند تشكل الكيان اللبناني عن علاقة خاصة لفرنسا مع الموارنة، ولبريطانيا مع الدروز، ولروسيا مع المسيحيين الأرثوذكس.. إلخ.

وإذا ما كان لتلك العلاقات أجندات تتعلق بصراع هذه الدول في ما بينها على اقتسام ارث الدولة العثمانية، فإن هذا النوع من العلاقات فقد أجنداته الملتبسة لاحقا، وبات طقسا لا يحمل بالضرورة مرامي خبيثة دائماً. هكذا تماما كانت علاقة ألمانيا مع إحدى أهم الجمعيات الخيرية الشيعية في لبنان.

مدت ألمانيا سبل التعاون مع شيعة لبنان في العقود التي سبقت قيام الجمهورية الإسلامية في إيران وتفريخ فرعها في لبنان.

اقرأ أيضاً: «الأجنحة المتكسرة» لـ«حزب الله» بنسختها.. الألمانية!

ونجح حزب الله في الاستيلاء على الهوية الشيعية ومسخها إلى مفهوم البيئة الحاضنة لمشروع الولي الفقيه. كان شيعة لبنان مواطنين عاديين في سراء البلد وضراءه، منتشرين كما بقية اللبنانين في البلدان المجاورة والبعيدة. انتقلت صورة حزب الله من تنظيم مقاوم يفخر الشيعة به، إلى تنظيم يوضع على لوائح الإرهاب العربية والدولية وتدفع “البيئة” ثمن ذلك.

أنهت برلين عقودا مع حالة التسامح المتوارثة مع الشيعة في لبنان وتشكلاتهم السياسية والاجتماعية والدينية. قررت ألمانيا إحداث قطيعة مع “عصابة إرهابية” بات يمثلها حزب الله وفق القوانين الألمانية، بما يربك تلك “البيئة” في هجرتها الألمانية كما يفسد علاقة برلين بالشيعة لجهة الاشتباه المحتمل بولائهم لتنظيم إرهابي تداهم الشرطة الألمانية جمعياته في وتلاحق عناصره داخل ألمانيا.

دفع الشيعة غاليا ثمن ما قادهم إليه حزب الله من قطيعة مع الدول العربية، لا سيما الخليجية، ومن نزوع العالم إلى رفض نصرة الحزب في هذا البلد أو ذاك واعتباره انتصارا للإرهاب والإرهابيين. وفي ذلك أن الحزب الذي تطوّع لإعادة إنعاش شعار “هيهات منا الذلة” ووعد الشيعة بالكرامة والرخاء والنصر، يجر الشيعة وبقية اللبنانيين إلى أكثر مراحل لبنان سوداوية، ويقفل على الشيعة أبواب العالم باباً بعد آخر، فارضا على “أشرف الناس” وجهة إيران وحدها.

لا يهم حزب الله ما أقدمت عليه ألمانيا من اعتبار الحزب ارهابيا. كان الحزب قد زعم ذلك أيضا حين أعلنت بريطانيا نفس القرار وحين قررت الولايات المتحدة وعشرات الدول ذلك. لا يهم الحزب العقوبات التي تفرضها واشنطن على منظومته المالية، وهو سبق، على لسان أمينه العام السيد حسن نصر الله، أن سخر من المجتمع الدولي وقراراته، ولا يزال يكرر عدم اعترافه بالمحكمة الدولية الخاصة التي تحاكم عناصر من حزب الله متهمين باغتيال الرئيس رفيق الحريري وعدد من الشخصيات اللبنانية.

وإذا ما استندنا على منطق ألمانيا التي تعتبر حزب الله، بجناحيه السياسي والعسكري، عصابة إرهابية، فإن تلك “العصابة” سترتبك، لكنها، كأي عصابة، ستغير من تكتيكاتها ومن شبكاتها وبناها التحتية، وتنقل أنشطتها إلى بلدان أكثر أمانا. بيد أن الأمر محرج للحزب وللبنان.

فإذا ما استندنا على قرار برلين هذا، فإن ألمانيا، أقوى دول الاتحاد الأوروبي، باتت تعتبر نواب الحزب في لبنان ووزرائه أعضاء في منظمة إرهابية، وهي في قرارها، بعد بريطانيا وهولندا، تدفع القاطرة الأوروبية نحو موقف نهائي حازم وحاسم ضد الميليشيا التي تحكم الدولة في لبنان.

على أن حزب الله يعرف كل يوم أنه يفقد رصيده وأنه في حسابات المصالح الكبرى خاسر لا محالة. يدرك أن ألمانيا التي لطالما توسّطت بين الحزب وإسرائيل وامتلكت علاقات متميزة مع إيران، تقلب صفحة تنهي فيها مرحلة “غض الطرف” الملتبسة، دون أن يعني ذلك تبدلا في تميز العلاقة مع إيران.

برلين تنهي زمن العصابات وتعلن لطهران نفسها أن ملف حزب الله ليس خاضعا لأي تفاوض على الطاولة الحتمية التي تستعد لها طهران جيداً. يدرك حزب الله أن خياراته تضيق، وهو في المساحة الشرعية المتاحة داخل حكومة لبنان، أعاد، بهذه المناسبة للمفارقة، السماح لبيروت بطرق باب صندوق النقد الدولي بعدما وصفه نائب أمين عام الحزب، الشيخ نعيم قاسم، قبل أسبوعي فقط، بأنه أداة من أدوات الاستكبار.

لعبة الأمم ستزيل حزب الله يوما وهي التي أزالت دولا وأمما وحضارات. سيتحرر الشيعة قبل اللبنانيين من ظلال الولي الفقيه عليهم لتعود برلين صديقة للشيعة والعامليين.

السابق
عداد «كورونا» يتراجع في لبنان.. كم بلغ عدد الاصابات اليوم؟
التالي
«إعلاميون من أجل الحرية» يتضامنون مع «جنوببة»: المجلس الوطني يحارب الحريات بسيف السلطة