نار البوعزيزي «تُلهب» فقراء لبنان.. والطب النفسي يدق ناقوس الخطر!

حرق نفسه في بيروت

من آمن يوماً بالربيع العربي أو لم يؤمِن، لا يمكنه أن ينسى شُعلة الثورة محمد البوعزيزي، بائع الخضروات والفواكه التونسي الذي أقدم على حرق نفسه في الساحة العامة ببلدة سيدي بوزيد وسط تونس، هو نفسه الذي بات رمزاً للإنتفاضة والإنقلاب عل الفقر والذُل، الذي رفض أمر مفتشة بلدية بحرمانه من مصدر رزقه، ليحرق جسده على ما اعتبره إهانة لكرامته، التي لا يمكن لأحد أن يحرقها.

إقرأ أيضاً: لم تعطه المدرسة إفادة لابنته فأحرق نفسه ومات

البوعزيزي الذي سيخلّده التاريخ بات مثالاً مؤلماً لكل فقير ومظلوم في هذه الدنيا، والخيار الأصعب أمام كل من يريد أن يُحصّل حقه من مصرف احتجز أمواله، أو من شركة هضمت حقه، او من مدرسة رفضت إستقبال أبنائه بسبب قسط لم يدفعه.

ضحايا الإنتحار حرقاً

البوعزيزي الذي علّم في تاريخ تونس الحديث، وأشعلت نيران جسده الثورات في تونس والعالم العربي، بالرغم من إنقلابها الى ثورات دموية في عدد من الدول الأخرى، بات نموذجاً متكرراً في لبنان، الى أن بات غريباً على اللبنانيين إن لم يسمعوا بين الحين والآخر، عن حادثة إحراق شخص لنفسه، وكان آخرها النازح السوري بسام حلّاق الذي أشعل بجسده النيران منذ بضعة أيام بسبب وضعه الإقتصادي الصعب.

حلّاق كان قد سبقه الى درب الجلجة في لبنان، المواطن جورج زريق، الأب لطفلة رفضتها إحدى مدارس الكورة بسبب عدم دفع القسط المدرسي وتمنّع الممدرسة أيضاً عن إعطاء زريق إفادة لينقلها الى مدرسة أخرى.

إقرأ أيضاً: بالفيديو: لم يملك مالاً ليعالج ابنته.. فحرق نفسه!

كما وشهدت الفترة التي إندلعت فيها ثورة 17 تشرين في لبنان، عدداً من مظاهر إحراق الأفراد لأنفسهم، ومن بينهم ثوّار أقدموا على الإعتراض عن الوضع المادي المزري الذي وصلوا اليها من خلال حرق أنفسهم، ومن ضمنهم الواطن الطرابلس هيثم النيز (مواليد 1977) الذي أقدم على بسكب مادة البنزين على جسده ثم اضرم النار بنفسه، بسبب عدم توافر المال لديه لمعالجة ابنته.

لتأتي الأزمة الصحية المتمثلة بفايروس “كورونا” التي أجبرت اللبنانيين على إلتزام بيوتهم والتوقف عن العمل، مما دفع بمواطن في مدينة صيدا، التهديد بإحراق نفسه في داخل سيارته في ساحة النجمة في المدينة، احتجاجًا على الأوضاع المعيشية التي يعانيها، بظل فترة التعبئة العامة، ولكن تمكنت القوى الأمنية من منعه.

أمّا سياسات المصارف التعسفية، فكانت سبباً إضافياً لإقدام عدد من المودعين على التهديد بحرق أنفسهم في حال لم يأخذوا اموالهم وآخرها كانت اليوم، حيث أقدم المدعو ن.ر من بلدة شبعا وسكان القليعة على رمي مادة البنزين على نفسه وعلى بوابة مدخل أحد المصارف في جديدة مرجعيون وهدد بإشعال النار على خلفية عدم السماح له بالإستحصال على مبلغ ٥٠٠ دولار من حسابه البالغ مئتي الف دولار.

الطب النفسي يدق ناقوس الخطر

من جهته، إعتبر الطبيب النفسي عادل إستيفان أن من يقدم على خطوة حرق النفس “يصل اليها بسبب اليأس المدقع وفيها نوع من التطهير النفسي، وعوضاً من أن يقدم على الانتحار سقوطاً عن بناية او في برصاصة بالرأس أو من خلال تناول جرعة زائدة من الدواء، ولكن عملية الحرق وحدها تدخل في خانة التنظيف والتوعية للآخر، وكأن الشخص يقوم بتذويب نفسه، انطلاقا من التذويب الشعوري والعاطفي والاحساسي، ليقول للعالم أنه حتى جسدي لم يبقَ له وجود وبالتالي التوقف عن العذاب واليأسالذي يتعرض له”.

أضاف ستيفان لموقع “جنوبية”: “ما يقوم به المنتحر حرقاً، له معنى ورساله، فهو توقفعن تقديم أي شيء لنفسه وبات كل ما يقدمه هو لغيره من خلال إعطاءه الحياة التي كان يملكها، كجورج زريق مثلاً الذي وصل لحدود اليأس والعذاب الداخلي ورأى انه لم يعد قادراً على أن يكون سنداً لغيره (أولاده مثلاً)، فأقدم على حرق نفسه علّه يستطيع لفت نظر المسؤولين الى حالة أولاده وبالتالي يُسعفهم إن لم يتسطع إسعاف نفسه”.

وعمّا إن كان قد مرّ على لبنان تاريخياً مرحلة كالتالي يمر بها لبنان اليوم حيث تكثر حالات الإنتحار، يقول ستيفان: “لا يوجد دراسة تاريخية عن الموضوع، ولكن اليوم بات هناك إضاءة إعلامية أكبر على هذه الحالات، ولا شك ان الأزمات تراكمت على لبنان مما راكم كمية الالم على جميع المستويات والطبقات الإجتماعية”.

ليدق ستيفان ناقوس الخطر قائلاً: “حالات الإنتحار قد تزيد في الأيام القادمة، وسط الأزمات التي تعصف باللبنانيين، وعلى المسؤولين رفع منسوب المسؤولية والاحساس لديهم والتعالي عن الاستهتار لأنه هناك أشخاص تخسر حياتها بسبب الأزمات التي تعجز الدولة عن حلّها”.

السابق
الحكومة العراقية.. الزرفي يعتذر لُيكَلَّف الكاظمي!
التالي
الإجراءات ساعدت على خفض عدد مصابي «كورونا».. وعون يدعو لمزيد من الالتزام!