سباق الرغيف في سوريا.. حكاية كل يوم في زمن الحجر الصحي!

سوريا
بينما تخلو شوارع المدن الكبرى في العالم من المارة بسبب كورونا، تزدحم شوارع دمشق ليس حباً للاستجمام، بل لأن عوز العيش لا يعرف كورونا أو يفهم ما معنى "حجر صحي"!
اعلان

كثيرة هي أشكال المعاناة التي عاشها السوريون خلال سنوات الحرب، حتى غدت المعاناة جزءاً من قوتهم اليومي، تتعدد المعاني والمصطلح واحد وسط عاصفة من الأزمات التي صنع النظام معظمها لإبقاء الشارع تحت ضغط الحياة اليومية وبالتالي تنفيس غضبه ومنعه من التفكير خارج السرب، فإما العيش في مناطق النظام بقوانين الغاب التي يحكم بها التجار أو الخروج من الغابة وعدم التفكير بالعودة نهائياً.

هكذا بدت أيام السوريين متشابهة ولم يغير الحجر الصحي من فرضياتهم اليومية، خاصة أنهم اضطروا من قبل إلى التزام بيوتهم في موجات القذائف والاشتباكات، فلم يأتِ حظر التجول بالغريب خاصة أنه لا يتسق مع متطلبات الحياة اليومية والتي تفرض على جزء كبير من أبناء الطبقتين الوسطى والفقيرة إلى نزول الشارع بغية الحصول على متطلباتهم اليومية.

لا خدمات توصيل

تغيب في المدن السورية خدمات التوصيل المعروفة بالـ”ديلفري” كون النظام السوري لم يسمح لمواطنيه الإحساس بالرفاهية، لذا يتطلب من المواطن النزول إلى الشارع لالتقاط احتياجاته من وسط الجموع والإحساس بالتدافع والركل يأتيه من كل حدب وصوب، فجزء من سيمفونية الصباح التزاحم على باصات النقل الداخلي، ومن مقطوعة الظهر الموسيقية الوقوف في طابور الخبز والأيادي متلاحمة في أعلى كوة الفرن تتزاحم من يصل إلى يد الفران أولاً، وليس انتهاءً في المساء ببعض الترنيمات مع عودة الأب إلى بيته يجر أذيال الخيبة كونه لم يحصل على جرة غاز.

إقرأ أيضاً: بسام الحلاق.. رواية دامية لم ترحم «عزيز قوم ذل»!

التذاكي على المواطن

ومع اتجاه العالم للنظام الإلكتروني في الدفع والتعامل، كان النظام السوري يطلق الخدمة بما تصب في صالحه، فحين وضع الصرافات الآلية لكي تسهل للموظف سحب راتبه من خلالها، علم المواطن مسبقاً أنها ستتحول إلى صرافات للتندر حيث ستعمل مرة في الشهر أو اثنتين، وإذا ما وصلت إليها الكهرباء سيعلو الشاشة الإلكترونية جملة مثل “الصرّاف خارج الخدمة مؤقتاً”.

تقاعس النظام في تأمين قوت الشعب دون انتقاص للكرامة

وقبل عامين وفي ظل سعي الحكومة لإيهام المواطن بالتعافي التدريجي الذي يصيب البلاد ولتخفيف عبء التجمعات نظراً للأزمات الاقتصادية الهائلة، اتجهت حكومة عماد خميس لإطلاق مشروع “البطاقة الذكية” التي بدأتها بتوزيع المحروقات وانتقلت لتشمل قطاعات عديدة لتصل في النهاية إلى شكل من أشكال ذل المواطن عبر منحه الرز والسكر والشاي عبر البطاقة وبسعر “مخفض” عن السعر الخرافي في السوق الغير النظامية.

ولكي يحصل المواطن على كم من حبات الأرز وقبصات الشاي لا بد له أيضاً من التوجه للمؤسسة الاستهلاكية والانتظار في طابور جديد حتى يصل إلى دوره، لأنه إذا فكر بالمغادرة وعدم تسلم حصته في وقتها فلن يحصل عليها مجدداً.

رسالة SMS يا ابني

حين تعاملت الحكومة السورية مع المواطن عبر رسائل الجوال، اتجهت له بطريقتين الاولى كانت عبر بث الذعر في إرسال رسائل مذيلة بأحرف “ج.ع.س” أي اختصاراً للـ”الجيش العربي السوري” وكانت تحث المواطن على تسليم نفسه إن كان مطلوباً أو إلقاء السلاح والاستفادة من مراسيم العفو وعدم الانصياع وراء الأخبار المضللة وقنوات “التحريض والفتنة”، وفي الصيغة الثانية جاءت الرسائل ضمن عملية غسل الدماغ التي يتفنن بها النظام منذ السبعينات عبر إيهام المواطن أن الحكومة تقف لجانبه والدولة هي ملجأه الوحيد وحتى عبر رسائل الترحيب به عند الدخول عبر الحدود وتمني السلامة له عند المغادرة.

هم الذين لهثوا خلف المصارف سنوات لشراء بقرة، وبات استئجار غرفة لديهم حلم يحتاج لتصاريح أمنية أكثر من عدد سنواتهم

لكنّ الرسالة القصيرة أخذت بعداً جديداً حين اتجهت لإعلام المواطن بموعد استلامه جرة الغاز، وهي أبسط احتياجاته، باتت معنونة برقم ومكان تسليم وموعد وتاريخ، وعلى المواطن البسيط وبلغة الحكومة “المرضي” أن ينتظر دوره بكل مسالمة ويتجه إلى المكان والتاريخ المحددين لاستلام جرته بطريقة حضارية، ولكن الموعد المفروض أن يأتي كل 21 يوم مرة قد يمتد لخمسة وستة أشهر، فيضطر المواطن للهبوط إلى الشارع مجدداً واللهاث خلف قنينة الغاز للاحتفال بحضورها موسمياً إلى منزله بزفة وزلغوطة.

الأيام مع”كرونة”

يتندر السوريون على حالهم، يسخر ببعضهم بلغة الشارع من فيروس “الكورونا” ويجدونه صغيراً امام ما تحملوه من أعباء حياة جمة، هم الذين لهثوا خلف المصارف سنوات لشراء بقرة، وبات استئجار غرفة لديهم حلم يحتاج لتصاريح أمنية أكثر من عدد سنواتهم، فكيف سيلتزمون المنزل وقد أجبروا على العيش في سباق مستمر لتحصيل احتياجاتهم كونهم لا يثقون بحكومة تكذب عليهم منذ عقود.

ولعل النظام شعر بالسعادة حين أطبق على الشوارع خالية وهو ما تمناه لسنوات عبر تطبيق حظر التجول، لكنه تقاعس في أولى مهامه وهي تأمين قوت الشعب دون منية، وبدون اقتناص للكرامة، الكرامة التي من أجلها ثار السوريون قبل الجوع والفقر والكورونا.

السابق
وسط أزمة «كورونا».. دياب يشدد على أهمية الأمن الإستباقي!
التالي
بعد تهديد وزير الصحة.. المستشفيات تطالب بـ«تأمين المستلزمات الطبية»!