كورونا.. «إلى أقرب الأجلين»!

كورونا لبنان

أفضت بي الكورونا الى عطلة قسرية في الضيعة، التي لم أكن أتردد اليها إلا في الإجازات الموسمية والصيفية.لكن التجربة هذه المرة كانت مختلفة.مشيت لساعات في وديان مخضرة برفقة عدد قليل من الأقارب والاصدقاء ممن عزلوا أنفسهم مثلي بعيداً عن الوباء. كانت رحلة استكشاف نادرة بالنسبة إلي، أنا التي عشت الطبيعة عن بعد وكانت مرافقتي لها متفاوتة بحكم سكني وعملي في العاصمة.

اقرأ أيضاً: «كورونا» وفرصتنا إلى المستقبل

دعسة الفرس

رحت أمشي برفقة فريال، وكانت بمثابة المرشدة البيئية، تقطف وتجمع الهليون والزعتر البري والخبيزة، وتطلب إليّ أن آكل من نباتات لم أرها في حياتي، ولربما مررت بها أو سمعت عنها ولم تستوقفني، كدعسة الفرَس وقرص العني والجليبيني والحماميضة وغيرها من أسماء صعُب حفظها من تجربة أولى. قالت فريال: “هون الطبيعة بعليّة كلي وما تسألي وما تمسحي بإيديكي، كلي لأنو الطبيعة كريمة ونظيفة، هون الأرض ما شوهتها البشر”.

في زمنك هُزمت آلة الحرب وسُمع صوت الفقراء وتلاشت أكاذيب العرافات واختفت المساومات. صحيح أنك لعبت أيتها الكورونا دوراً استبدادياً في قبض أرواح من لا ناقة لهم ولا جمل، لكنك أخرجت في الوقت عينه القوة الكامنة في داخلنا لاكتشاف ذواتنا وعائلاتنا وأولادنا والحياة من حولنا

رحت أمشي وأتحدث الى الزهر والشجر والصخر وأستنهل من ثقافة فريال القروية التي كانت تتحرك بحيوية فائقة وابتسامة عارمة وتقنية مدروسة في تعاملها مع مقطوفها؛ فالخبيزة مفيدة للإلتهابات وزهر الزعرور للكليتين والطيون مُضمد للجروح أما هذا العيزقان فيضاف الى مجموعة الزهورات لما له من فوائد كثيرة.سرت وكأنني في غربة إنسانية شدَدتُ خلالها الأحزمة لأستنبط أسلوباً جديداً للحياة ملؤه الصفاء والسكينة والبساطة، رحت أقرأ ما أراه من لوحات طبيعية تخفي قسوةً وليناً خلف جمالها.فالأرض تعطي دون مقابل وأكثر مما نطلب وربما أكثر مما نستحق.بعد رحلة استغرقت ساعات عدت الى البيت منتشية بسكينة الشجر وفنون الطبيعة وقوانينها.

شبح كورونا

مرّ وقت ليس بوجيز لأستفيق من نشوتي على أهوال شبح الكورونا. أنت أيتها الفيروسة اللعينة، أصبحت حدثاً تاريخياً في حياتنا، وكما بعدك لن يكون كما قبلك.صرتِ مفصلاً نردده في أحاديثنا عندما نسرد الحكايات، فبتنا نقول قبل الكورونا حدث كذا وبعدها صار كذا، وكأنك انضممت الى مفاصل التاريخ من الحروب العالمية والأهلية وأفعال بني البشر على مر العصور والأزمان.لقد وضعتِنا يا كورونا في غربة إنسانية وأجبرتنا على التعاطي مع ذواتنا والحديث اليها ومراجعة الحسابات والأفكار والمشاريع والأخطاء والصداقات والعلاقات والإنجازات والإخفاقات، ولعلك تُشكرين على ذلك، فهذه الغربة كانت ضرورية لكل نفس وسط ضجيج الحركة من حولها.أنت أيتها الفيروسة فيك من الخير والشر هذا المزيج الحاذق. فتارةً تضربين لتختبري، وتارةً تصوبين لتقتلي. وفي كل تارة ترمين الى تكوين منظوماتك الجديدة في التعامل مع الأرض والسماء وما عليهما وبينهما. ففي زمنك عادت الطبيعة الى قوانينها، فعلاً صوت الأرض، واستعادت طبقة الأوزون عافيتها بعد مرض عضال، فنظُف الغلاف الجوي وتنفست الأشجار وسبحت الأسماك بحرية ولفظت البحار زرقتها من جديد وعادت الحيوانات لتلهو بعبثية في الأرجاء.

جئت لأذكركم بتقاسم الحياة مع الفقراء ومع الضعفاء والمرضى. جئتُ أذكركم بالإنسانية التي ضاعت وراء عناوين الطموح والنجاح والتطور

أكاذيب العرّافات

في زمنك هُزمت آلة الحرب وسُمع صوت الفقراء وتلاشت أكاذيب العرافات واختفت المساومات. صحيح أنك لعبت أيتها الكورونا دوراً استبدادياً في قبض أرواح من لا ناقة لهم ولا جمل، لكنك أخرجت في الوقت عينه القوة الكامنة في داخلنا لاكتشاف ذواتنا وعائلاتنا وأولادنا والحياة من حولنا. وبعد كدّ الأذهان، منا من سجل اختراعاً ومنا من تعلم فنون الطبخ أو الرسم أو الرقص أو الكتابة، فأردتِ باسلوبك الراديكالي هذا تصويباً لاستعمال فائض قوتنا في الخير وفي التغيير.بعد طول شرح وتساؤلات أجابتني كورونا:هل تعتقدين أنني أديت قسطي للعُلى؟ فوالله ما بَرِحْتُ تجوالاً لأنظف ما اقترفته أيادي البشر، ممن استسلموا لهجمة المال بحجة بناء الإنسان والأوطان والتطور الفكري والتكنولوجي والتجارب العلمية. فلم يتركوا أرضاً إلاّ استباحوها، ولا فضاءاً إلا اقتحموه، ولا بحراً إلا لوّثوه، ولا كائناً إلا روضوه.وهل جئت للانتقام؟نعم، جئت بهيئة شبح غير مرئي للاقتصاص للنظام الكوني، ولأذكركم يا بني البشر بأن كوكب الأرض ليس ملككم وعليكم تقاسمه مع الكائنات كافة.

اقرأ أيضاً: علي حيدر (كوزو) لـ«جنوبية»: السلطة تضع الناس بين خياري.. الموت جوعاً أو وباءً!

جئت لأذكركم بتقاسم الحياة مع الفقراء ومع الضعفاء والمرضى. جئتُ أذكركم بالإنسانية التي ضاعت وراء عناوين الطموح والنجاح والتطور. جئتُ لأقتص للطبيعة من أسلحتكم وأدويتكم وأسمدتكم ومن كذبكم ونفاقكم وإنسانيتكم المزيفة.وهل تعتقدين أنك أصبتِ؟ رميتُ رميتي هذه المرة، طرحتُ الامتحان الأقسى والأسئلة الأصعبلعلكم تتعظون وتستجيبون.عدتُ بعدها الى مطبخي لأُحضر لعائلتي وجبة الغداء مع طبق من الخضار فحواه ما جمعته أنا وفريال من الأرض.

السابق
لبنان بين لبنانين.. أي «دينامية» نريد؟!
التالي
100 ألف دولار من جنبلاط لـ«مؤسسات محمّد خالد»!