هل خُدِعنا؟

كورونا لبنان

هل خُدِعنا؟
هذا السؤال لا أحتكر طرحه. كثيرون يفعلون. لم أكن السبّاق في رسم علامة الاستفهام هذه، بعدما هزّ فيروس “كورونا” ثوابت كنّا نتبنّاها ونروّج لها وندافع عنها وبعضنا يستشهد من أجلها.

ولا ينطلق هذا السؤال من الخوف، ولّاد الهواجس والأوهام، بل من الوقائع التي تستعرض نفسها في حياتنا، في إدراكنا، في مجتمعنا، وفي عالمنا.

وقائع تدفعنا الى الاعتقاد بأنّنا خرجنا، للتو، إلى حياتنا الطبيعية من قاعة سينما، حيث كنّا نشاهد فيلما طويلا عن عظمة البشرية وإبداعاتها واستثنائيتها.

الكمّامات

من منّا يستطيع أن يتحمّل مشهد هذه الدول الممتلئة بأخبار كبريات دور الأزياء وابتكاراتها وفنونها، وهي عاجزة أمام صناعة ما يكفي من كمّامات تقي الناس المرض والموت؟

كيف يعقل لمن هو قادر أن يبتكر هذا الكم الهائل إبرازا لجماليات الجسد، أن يقف مكتوف الأيادي، أمام صناعة كمامات، هي بالمقارنة مع أي فستان أو حذاء أو حزام أو قميص أو ربطة عنق أو حمّالة صدر، مجرد “رقعة”؟

من حقنا أن نسأل إذا كنّا قد خُدعنا، لأنّنا في عالم “ما بعد كورونا”، نحن من سوف يدفع الثمن الذي سيكون باهظا ومرهقا

كيف يعقل ألّا نصاب بدهشة سوداء، ونحن نقرأ أن الولايات المتحدة الأميركية وفرنسا، مثلا، يتنافسان في الصين، ويزايدان بعرض الأسعار، حتى ينتزعا كمية من الكمامات؟

ماذا يبقى من عبقرية لدى أي مصمم وخيّاط وحائك، إذا كانت لا تصلح إلّا لأزمنة الترف؟ ولماذا ترانا نراكم ثرواتهم من أجل الزينة، فيما هم، في اللحظة التي يتهدد فيها الجسد بالفناء، لا حول ولا قوة لهم؟

اقرأ أيضاً: هل يمكن لمن شفي من فيروس كورونا أن يصاب به مرة أخرى؟

أجهزة التنفّس

أمّا عن الحاجة إلى أجهزة التنفّس، فحدّث ولا حرج.

كيف لا نسأل عن الخديعة، ونحن نتلمّس، بأسى وذهول، التوقف عن معالجة كثير من المصابين بجائحة “كوفيد-19″، بسبب عدم القدرة على توفير هذه الأجهزة التي لا يحتاج تصنيعها لا إلى عباقرة ولا إلى عمالقة؟

ومن هم العاجزون عن ذلك، غير هؤلاء الذين يتبارون للوصول الى المريخ، لصناعة أكبر الطائرات مساحة، لابتكار أكثر الصواريخ تدميرا، ولتصميم أكثر السيارات سرعة؟

ماذا تنفع كل هذه المصانع، وهي العاجزة، في لحظة الحقيقة، عن “تدبّر أمرها” لصناعة أجهزة تنفّس، هي بالمقارنة، كغسل الوجه بالمياه؟

الحرب البيولوجية

ومن يلومنا على مناقشة الخديعة، ونحن كنّا نعتقد، بفعل ما قالوا وكتبوا وتفنّنوا وخططوا وناوروا، بأننا، فعلا، محميون من مخاطر أي “حرب بيولوجية”؟

ما أعظمها خدعة!

فيروس معروف أصله وفصله منذ سنوات، طوّر نفسه، وانتشر بيننا، فأُصِبنا بالهلع والإرباك والعشوائية، وهربنا نغلق على أنفسنا أبواب منازلنا، حيث اكتشفنا أن ما قيل لنا عن إنجاز الاستعدادات تصدّيا لأي حرب بيولوجية، لم يكن سوى مزحة سمجة، بسماجة العجز عن توفير الكمامات وأجهزة التنفس.

كأنّ الممسكين بأمر القوة والعظمة والسيطرة لم يدرسوا أن الضربة التي قصمت ظهر الإمبراطورية الرومانية جاءت من تدمير الطاعون لجيشها وقتل ربع سكانها، وكأنهم لم يتعلّموا أن طريق نابليون إلى “واترلو” عبّدها وباء “التيفوس” الذي أصاب جيشه العظيم في روسيا.

كانوا قد أوهمونا أنهم فعلوا.

النظام الطبي

وماذا ترانا نقول عن النظام الطبي؟

الحديث هنا لا يتصل بهؤلاء الأطباء والطبيبات والممرضات والممرضين والمسعفين والمسعفات الذين يبذلون أقصى ما عندهم من طاقة لأجلنا، ولا يتمحور حول النقص الاستشفائي الهائل في العدة والعديد حتى قبل حلول الوباء، بل في دخول كبار العلماء والاختصاصيين، في صراع استعملت فيه كل وسائل الدعاية وخدع السياسة، حول مدى نجاعة أو خطورة هذا الدواء أو ذاك.

إن هؤلاء الذين يفترض بهم، في عالم الخديعة الذي خرجنا منه على عجل، أن ينطقوا باسم العلم فيحسموا كل جدل، انضموا إلى من ينطقون ليشتهروا، ومن يتجنّدون ليثروا خدمة لمكاسب هذا المختبر أو تلك الشركة.

وبتناقض توصيات هؤلاء، تبرر السلطات السياسية قراراتها المرتبكة في مواجهة “كورونا فيروس”.

علماء الاقتصاد

وتصل مشاعر الخديعة التي تجتاحنا إلى علماء الاقتصاد وآلاتهم الحسابية وقواعدهم الإحصائية ونسبهم التعجيزية وفوائدهم الربحية، ونحن نرى المدن ميدان أشباح والمطارات متاحف طائرات، ونحن نسمع أنين المصروفين من العمل وندب المزارعين الذين يتلفون نتاجهم، ونحن نقرأ نبوءات الكارثة الآتية وأرقام الخسائر المتراكمة.

كل العظمة التي أحاط بها هؤلاء أنفسهم، بعدما أتحفونا كتبا ومقالات وندوات ومحاضرات وجوائز وأوسمة، لم تنتج إلا توصية واحدة: الإقفال التام.

الإقفال التام نفسه الذي اعتمدته المجتمعات، في مواجهة الأوبئة، منذ قديم الزمان، أي في الزمن الذي لم تكن فيه لا مختبرات ولا جامعات، ولا أدوية، ولا مستشفيات ولا لقاحات، ولا إحصاءات، ولا ذكاء صناعيا، ولا جائزة نوبل، ولا أوسمة رئاسية.

هؤلاء الذين اصطحبناهم في رحلة سحرية إلى عالم “الإنسان-الإله” وإلى عالم “ما بعد الحداثة”، لم تتفتّق عبقريتهم إلا باللجوء إلى حلول اعتمدها “إنسان ما قبل الأبجدية” و”ما قبل الرياضيات” و”ما قبل الفيزياء” وما “قبل ابن خلدون وآدم سميث وتوماس مالتوس وكارل ماركس”.

المتديّنون والأوبئة

وفي المقلب الآخر، لا يبدو السؤال عن الخديعة أقلّ مشروعية، عندما نقارن بين الوقائع المحققة من جهة وبين تحليلات المتديّنين وتفسيراتهم وشروحاتهم وحلولهم، من جهة أخرى.

وجد هؤلاء في جائحة “كوفيد-19” ملاذهم، فراحوا ينسبون ما حصل إلى غضب الله على “الكفّار” و”الشذّاذ” و”الخطأة” و”المرتدين” و”المنحرفين”.

جميعهم، على رغم هذا الإبحار في عالمي اللاهوت والناسوت، لم يروا أن الفيروس كان قبل أن يكون الإنسان، وأنه هو أيضا، صنيعة الخالق، ولا يعدو كونه عاملا إضافيا من عوامل الموت الطبيعي للإنسان، بل وجدوه لعنة حلّت على من لا يتبعهم.

كان كل ما ذهبوا اليه ليستقيم، لولا أن الوقائع أظهرت أن الفيروس، إذا كان فعلا لعنة إلهية، فتكون هذه اللعنة قد حلّت على المتديّنين أنفسهم، لأنّه حلّ عليهم، وانتشر فيهم وعبرهم، وبهم ارتفعت أعداد ضحاياه.

ماذا تنفع كل هذه المصانع، وهي العاجزة، في لحظة الحقيقة، عن “تدبّر أمرها” لصناعة أجهزة تنفّس

ماذا نقول، والحالة هذه، عن استفادة “كورونا فيروس” من قم الإيرانية، معقل المدارس الدينية الشيعية، و”بناي براك” الإسرائيلية معقل اليهود الأرثوذكس ومدارسهم التوراتية، و”مولوز” الفرنسية حيث التقت وفود “إنجيليي” العالم، ولقاءات أديرة إيطاليا الكاثوليكية، والاحتفال الديني الحاشد في أحد مساجد ماليزيا، واجتماعات مسيحية مزدحمة في كوريا الجنوبية؟

والأهم، ما الذي يميّز هؤلاء المتديّنون، حاملو لواء اللعنة، عن مشجعي المباراة بين “أتالانتا برغام” الإيطالي و”فالنسيا” الإسباني، طالما أن الفيروس توسلهم، بالتساوي، لينشر نفسه على أوسع نطاق؟

أمام كل هذه الوقائع، من حقنا أن نسأل إذا كنّا قد خُدعنا، لأنّنا في عالم “ما بعد كورونا”، نحن من سوف يدفع الثمن الذي سيكون باهظا ومرهقا.

ولأنّ هذا الثمن سيقع على عاتقنا، من واجبنا أن نطرح الأسئلة المناسبة، وأن نعيد النظر في المفاهيم المكتسبة، حتى لا يتم تهميشنا في بناء المستقبل كما تمّ تهميشنا في بناء هذا الحاضر.

من حقنا أن نسأل لنعرف من هم الأغبياء الذين وصفناهم بالعباقرة، ومن هم الاستغلاليون الذين اقتنعنا بهم منقذين، ومن هم الطفيليون الذي وضعناهم في مقدمة المجتمع، ومن هم السفلة الذين ارتضينا بهم مرشدين، ومن هم السخفاء الذين نصبناهم حكّاما…

نعم، من حقنا أن نعرف من هو مخرج هذا الفيلم الطويل الذي كاد، لو لم يرمنا فيروس كورونا خارج قاعة السينما، أن يقنعنا أن ما نشاهده هو حقيقة فعلية وليس مجرد أسطورة تضاف إلى أساطير التاريخ.

السابق
تشظت الحكومة فطارت التعيينات..باسيل خسر الرهان!
التالي
«أيام كورونية سوداء» في أميركا..275 الف اصابة و1480 وفية خلال 24 ساعة!