«كورونا» بعد تدمير الجسد.. عزلة قسريّة وأذى للصحّة النفسيّة

كورونا

مر شهران على الاعلان عن الاصابة الاولى رسمياً في الصين وفي ووهان تحديداً وحتى الساعة لم تكتشف اسباب نشوئه وتركيبته المعقدة وكيفية تغيره من جسم الى آخر وحتى اللقاح او العلاج لا زال في اطواره الاولى وقيد التجربة السريرية، رغم ان الاعراض والنتائج نفسها ضرب الجهاز التنفسي وانهاك نظام المناعة في الجسد فإما الشفاء بعد عنا وإما الموت المؤلم.

اقرأ أيضاً: الناشط نيبال إسماعيل لـ«جنوبية»: «كورونا» أثر على الحراك شكلاً لا مضموناً

معاينة الضرر النفسي لـ”كورونا”

واليوم ومع تسجيل أكثر من 300 الف اصابة في 175 دولة حول العالم ووفاة ما يقارب الـ20 الفاً معظمهم في اوروبا والصين وايران، بدأت الدراسات تنصب على معاينة الضرر النفسي لـ”كورونا” وما يمكن ان يسببه من اذى نفسي وفراغ عاطفي ونفسي في نفس المريض والمحجور قسرياً منه إما للاشتباه بالاصابة او للتوقي منها.
وبحسب معاينات اولية ومتابعتي المهنية، يمكن ملاحظة ان “كورونا” مع مخاطره المميتة، له مخاطر أيضاً على الصحة النفسية ايضاً، فهو ناهيك عن كونه مفاجئاً وغامضاً، عطّل ساعة الوقت وركّع الافراد والمجتمعات فارضاً عليها الإلتزام بالعزلة القسريّة.
وهذه العزلة تسبب الانقطاع عن الأحبة والرفاق والزملاء وأماكن العبادة وتمنع التَردٌّد الى الأندية الرياضية وصالات السينما والمسارح، أي عن كل وسائل التواصل الاجتماعيّة والمهنيّة والروحيّة والثقافيّة الجماعيّة.

من مضار هذه العزلة القسرية انها تفقد المرء حرية التنقل والإستسلام الى المَلل واضطراب التعاطي مع الوقت الذي بات جامداً بينما كان مٌتتالياً وسريعاً في ظل نمط حياتي مٌتشعّب وإستهلاكي

إنقطاع التواصل المباشر بين الناس وعدم تبادل النظرات وسائر ركائز التواصل الغير لفظية وتبادل الأفكار في ظل نقاشات حَيّة كما المشاركة في الطعام والنشاطات والصلاة التي هي كلّها تٌغذي وتٌحيي النٌموّ النفسي الفردي، والمِهني والاجتماعي والثقافي.
ومن مضار هذه العزلة القسرية انها تفقد المرء حرية التنقل والإستسلام الى المَلل واضطراب التعاطي مع الوقت الذي بات جامداً بينما كان مٌتتالياً وسريعاً في ظل نمط حياتي مٌتشعّب وإستهلاكي.
ويمكن ملاحظة استنادا الى دراسات نفسية ومعاينات عيادية، ان إحتمال اصابة اي فرد من العائلة ونقله الى الاهل والعائلة والاقارب، (بما أنّ عوارضه تتأخّر عن للظهور)، يٌولّد تخبٌّطاً بين مشاعر المسؤوليّة من جهة ومشاعر الخوف (من وعلى الشخص المٌقرّب) والذنب بنقل العدوى المٌفترضة اليه. وهذا يٌسبب شعور بزعزعة المقدرة الى اللجوء الى مراجع الأمان الأولية المألوفة التي هي عادة تحتوي الفرد في فترات حياته العصيبة سواءً كانت في مراحل المرض أو الصعوبات أو الضغوطات.

العزلة القسرية

ويؤدي عدم القدرة على تحديد دوام الفترة الزمنيّة المٌخصصة للعزلة القسرية وتحديد تاريخ انتهائها الى تعريض الفرد للمجهول المٌتّصل بقدرته الى العودة الى حياته بما كانت عليه من مشاريع شخصيّة وعائليّة ومهنيّة ما قبل زمن “كورونا”. فبات الفرد وكأنّه مسلوخ عن ذاته، في حالة جماد.
ومن بواعث القلق النفسي عند مرضى “كورونا” الفعليين والمحتملين، ان المراجع والسلطات المٌتخصصة والمٌنظّمات العالميّة والطَواقم الطبيّة والباحثين في المختبرات الطبيّة-الجامعيّة عن ابتكار علاج لوباء “الكورونا”. لا يمكن ان يتكل عليهم وعلى قدرتهم العِلميّة لشفائه.
هذه العوامل المذكورة اعلاه ستؤدي بالفرد الى عوارض نفسيّة- جسديّة وهي خير دليل على التفاعل والارتباط الوثيق بين الفرد ومحيطه.

النفس البشرية قادرة على التأقلم والتكيٌّف مع تبدٌّل المٌعطيات الحياتيّة بخاصة أن البيئة المألوفة الأوّليّة كالمنزل والعائلة والمحتويات الشخصيّة المتّصلة كلّها بجوانب من الهويّة الفرديّة ما زالت متوفّرة

وهذه العوارض تتمثل بالقلق والتوتّر والاضطراب العاطفي والاضطرابات في النوم (الأرق) وفي النظام الغذائي والوسواس والاحباط وعوارض ما بعد الصدمة.
تلك العوارض من حيث تفرٌّعها وشدتها، تختلف من فرد الى آخر، بحسب تركيبته النفسيّة والظروف الحياتيّة التي يتعرّض لها. كما ان تضخّم هذه العوارض أو اضمحلالها يرتبط كذلك بطول الأزمة وقدرة الفرد على التحمٌّل واذا ما مس الوَباء -لا سمح الله- بالشخص نفسه أو بأحد أحبائه.

إيجابيّات الصمود النفسي

النفس البشرية قادرة على التأقلم والتكيٌّف مع تبدٌّل المٌعطيات الحياتيّة بخاصة أن البيئة المألوفة الأوّليّة كالمنزل والعائلة والمحتويات الشخصيّة (الأغراض الخاصة، كتب المطالعة، الأفلام، واللغة المحكيّة، المتّصلة كلّها بجوانب من الهويّة الفرديّة ما زالت متوفّرة.

اقرأ أيضاً: عندما تدار البلاد والعباد بعقلية «الكورونا»!

ومن الايجابيات ايضاً ضرورة التفكير بأن هذه العٌزلة القسريّة ليست فقط مفروضة بل هي أيضا قرار اختياري اتّخذه الفرد بكامل إدراكه ووعيه ومن شعوره بالمسؤوليّة الفرديّة وواجبه التضامني الجماعي من أجل حصر انتشار الوباء بغية القضاء عليه، ما يساهم في تعزيز الثقة بالذات ويَحٌث الفرد على الحفاظ والتمتّع الدائم بالفكر النقدي.
ومن ايجابيات هذا الوباء، أنّه يحثّنا على المواجهة والاعتراف والقبول بحدودنا كبشر والتخلّي عن تمسّكنا بفكرة عظمتنا وقدرتنا على التحكّم بكل شيء، أكٌنّا دٌولاً عٌظمةً أو احزاباً سياسيّة أو ميليشيات أو رجال أعمال مقتدرين أو طواقم صحيّة أو أفراد.
فقد أعطى وباء كورونا العالم والبشريّة بأجمعها درساً بالتواضع والانسانيّة. لعلّه أخيراً دعانا جميعاً الى نزع الأقنعة والى العودة الى الذات والارتباط بالأساسيّات.

(اختصاصية في علم النفس العيادي ومعالجة نفسيّة)

السابق
فيروس الكورونا في أسبوعه الأول داخل الجسم.. تعرف على الأعراض!
التالي
محاسن «كورونا».. صفر حوادث سير في لبنان!