حكومة حزب الله من إطلاق الفاخوري إلى تصفية معاونه!

عامر الفاخوري

صحيح أن لا صوت يعلو فوق صوت “كورونا” في العالم كما في لبنان الذي يقترب من شفير انتشار هذا الفايروس اللعين، إلا أن حدثا أمنيا قضائيا سياسيا خطف بعض الأضواء ولفترة قصيرة من اللوثة الوبائية، تمثل بالإفراج عن العميل عامر الفاخوري وتهريبه إلى الولايات المتحدة وارتباك حزب الله على ما بدا جليا من خلال خطاب التبرير والتنصّل و”التمسكن” للأمين العام للحزب حسن نصرالله، الذي أشعل عاصفة من المواقف المنددة بسكوته وبيعه لعذابات الأسرى وهدره لدماء المقاومين، وما أعقبه من تطور أمني يتفرع عنه بتصفية اليد اليمنى للفاخوري بالرصاص في وضح النهار.

ترسم هذه الأحداث خطا بيانيا لخبايا القصة الكاملة للفاخوري التي بدأت تتكشف مع حكومة “اللون الواحد” لعهد الرئيس ميشال عون وصهره جبران باسيل، والتي يهيمن عليها حزب الله بشكل مباشر وغير مباشر، وتجيب عن أسئلة كثيرة على صلة بالموقف الأميركي “المحابي” لها خلافا لكل التوقعات.

إذا وإزاء هذه الجائحة التي تجتاح العالم، بدا لبنان أمام “جائحة سياسية” أطلقتها الموافقة على إخلاء سبيل الأميركي، اللبناني الأصل، الفاخوري (مطلع الأسبوع الماضي)، بقرار قضائي صادر عن المحكمة العسكرية في لبنان، على الرغم من تقدم قرار المحكمة العسكرية وصدور قرار بمنع سفره عن قاضي العجلة، لكنه استطاع أن يصل إلى السفارة الأميركية عبر مروحية أميركية، ومن ثم مغادرته الأراضي اللبنانية.

الفاخوري أوقف في لبنان قبل ستة شهور إثر قدومه من واشنطن، في ظروف ملتبسة بسبب ما تردد عن علاقات وطيدة له مع التيار الوطني الحر، وصلات وثيقة بمسؤولين رسميين قريبين من رئيس الجمهورية، علما أن الرجل كان متورطا في التعامل مع إسرائيل ويحمل الجنسيتين الإسرائيلية والأميركية، وكان مسؤولا عن معتقل الخيّام الشهير في حقبة التسعينات من القرن الماضي، وغادر لبنان عبر إسرائيل إلى واشنطن التي استقر بها عام 1998.

لم يكن قدوم الفاخوري إلى لبنان ليتم بمعزل عن تنسيق مسبق مع المسؤولين في السلطة اللبنانية، خصوصا أن إشارات التعقب كان جرى سحبها من المعابر الحدودية اللبنانية، وتم استقباله من قبل أحد الضباط العسكريين المقربين من فريق رئيس الجمهورية، وهذه العملية كانت تعبيرا سياسيا عن العلاقة الوثيقة بين حزب الله والتيار الوطني الحر، الذي كان الأخير يقوم من خلالها وغيرها من العمليات الشبيهة، لتثبيت قدرته على أنه الطرف المسيحي القادر على طيّ ملفات لمتهمين مسيحيين تورطوا في التعامل مع إسرائيل، ولتبرير التغطية السياسية لحزب الله باعتبارها السبيل لمعالجة ملفات مسيحية عالقة ولا يمكن حلّها دون هذه العلاقة التبعية للحزب كما يصفها الكثيرون في لبنان وخارجه.

خرج الفاخوري من السجن بقرار قضائي وبتغطية سياسية، قال نصرالله إنها تمّت من دون علمه، وسمع بالقرار من خلال وسائل الإعلام، متهما جهات سياسية متعددة بأنها لعبت دورا في إخراجه دون أن يسميها، وإن كان ألمح لفريق رئيس الجمهورية، واتهم القضاء، لكن دون أن يحملهما المسؤولية، التي أحالها أيضا إلى ضغوط أميركية، معتبرا أنّ صمود القضاء ستة أشهر في وجه هذه الضغوط هو “النقطة المضيئة في كل ما جرى”.

لم يكن نصرالله مقنعا في خطاب الجمعة في تبرير عملية إطلاق الفاخوري ووقوف حزبه متفرجا كما عبّر الكثير من مناصريه. صحيح أن نصرالله كان قادرا أن يتحدث عن صفقة تبادل جرت، أو أنه اضطر لتمرير عملية خروج عميل إسرائيلي من لبنان، مقابل ما ناله حزبه أو لبنان من مكاسب عموما، لكنه أقرّ أن “لا وجود لصفقة”، وزاد على ذلك بأنه ليس صاحب قرار في هذا الشأن، وأن ما تم جرى دون موافقته ودون علمه، وهذا بحد ذاته كان مصدر تشكيك، حتى من القريبين من حزب الله الذين يعرفون قوة الحزب وتأثيره على مؤسسات الدولة، بل قدرته على التحكم بقرارات المحكمة العسكرية، التي يشرف هو وحركة أمل على تعيين رئيسها فعليا.

صبيحة يوم الأحد خرجت وسائل الإعلام لتتحدث عن قتل أنطوان الحايك في بلدة المية ومية قرب صيدا، وقيل إن الحايك كان مرافقا للفاخوري حين كان مسؤولا عن معتقل الخيام، وهو أي الحايك، كانت جرت محاكمته قبل نحو ربع قرن وتم الإفراج عنه.

اغتيال الحايك بعد يوم من كلمة نصرالله، لم تتبناه أي جهة، في وقت لاقى اغتياله استنكارا لاسيما لدى بعض القيادات المسيحية ومن رموز في الكنيسة لكن ظلّ محدودا كحال استنكار الإفراج عن الفاخوري. وتأتي عملية الاغتيال لتلقي الضوء على مسار عملية الإفراج عن الفاخوري وعودته إلى واشنطن، وإلى الشكر الذي وجهه الرئيس الأميركي للحكومة اللبنانية على الإفراج عنه.

الثابت في وعي اللبنانيين هو أن خروج الفاخوري من لبنان، لا يمكن أن يتمّ دون موافقة حزب الله. هذه حقيقة نفاها نصرالله لكنها لم تقنع معظم اللبنانيين، لاسيما أن تاريخ نفوذ الحزب في مؤسسات الدولة، وتحديدا المحكمة العسكرية التي تتولى قضايا الإرهاب والتعامل مع إسرائيل، يظهر خلال عقد ونصف العقد أن دور حزب الله وسطوته في هذه القضايا حاسم وبإقرار جميع من في السلطة، والشواهد كثيرة في هذا المجال، ليس أقلّها أن الحزب كان الجهة الوحيدة التي يكفي أن يمنح ورقة لأي متهم بالعمالة تفيدُ أنه كان مكلفا من قبله، لينال البراءة دون أي مساءلة، وهذا ما استفاد منه المئات من الشيعة المتعاملين مع إسرائيل بعد التحرير عام 2000.

اغتيال أنطوان الحايك، جاء ليكشف جوانب مما جرى، وأظهر أنّ عملية إطلاق الفاخوري لم تتم بصفقة كان حزب الله طرفا فيها، وأكدّ ما قاله نصرالله في هذا المجال وما أكده المسؤولون الأميركيون. فواشنطن منذ البداية رفضت المبادلة، إذ طرح حزب الله أو من توسطوا من مسؤولين لبنانيين، أن تقوم الإدارة الأميركية بالإفراج عن معتقلين لحزب الله في واشنطن.

حزب الله وافق أخيرا على الخضوع للإدارة الأميركية في هذا الشأن، بعدما تأكد أن واشنطن تصرّ على إطلاق الفاخوري دون قيد أو شرط. حزب الله أذعن للمطلب الأميركي وقدم موافقته كورقة دعم للعهد الذي أشار نصرالله في كلمته إلى تهديدات طالت مسؤولين لبنانيين من قبل واشنطن بوضعهم على لائحة العقوبات، هذا هو التبرير الوحيد الذي ربما فسّر موافقة حزب الله أو غضّ نظره عن إطلاق الفاخوري.

الثمن لم يكن هيّنا على حزب الله، لا على مستوى بيئته الحاضنة أو بعض حلفائه وأصدقائه، خصوصا أن عنوان المقاومة هو ما تبقى من عناوين لا يزال حزب الله يستثمرها للقيام بخطوات عسكرية وأمنية في الداخل والخارج، وإطلاق الفاخوري شكل إحراجا كبيرا له اضطر نصرالله أن يوجه رسالة قاسية لمن سمّاهم “بعض الحلفاء والأصدقاء”، من الذين عبّروا عن استيائهم من هذه الخطوة، ووجهوا لوما للحزب بسبب السماح بحصولها، حيث طالبهم نصرالله بالسكوت وعدم التشكيك أو الابتعاد عنه وعن حزب الله.

جاء اغتيال الحايك ليكشف عن حجم الاستياء في بيئة حزب الله حيال ملف الفاخوري المهين، ورغم عدم تبني أي جهة لعملية الاغتيال فإنها تنطوي على رسالة واضحة أن عدم معاقبة العملاء سابقا لا يعني أن الملف جرى طيّه، وأن ذلك يمكن أن يحصل مجددا، واغتيال مسيحي وليس مسلما، هو رسالة إلى التيار الوطني الحر بأن كلفة الإفراج عن الفاخوري ليست حدثا بسيطا، وبالتالي هي رسالة تحذير بأن إطلاق الفاخوري لن يكون بلا ثمن كما أراده الأميركيون، بل ثمة تعويض معنوي لا بد منه وهو هذا الاغتيال.

يبقى أن حزب الله الذي يدرك أنه معني بدعم العهد الذي يمثله الرئيس ميشال عون، ويدرك الإحراج الذي سببته عملية الإفراج عمّن يعتبره قاتلا للمقاومين لإسرائيل، يعرف أيضا أن الإدارة الأميركية لم تكن عدائية تجاه حكومة اللون الواحد التي أشرف على تشكيلها بأنامل رئيس الجمهورية والوزير السابق جبران باسيل. ففي الوقت الذي اعتقد الكثيرون أن سيل العقوبات الأميركية سيطال هذه الحكومة التي خرج منها من يوصفون بحلفاء واشنطن، بدا أنّ الأخيرة لم تكن سلبية تجاهها، وإنْ لم تكن مقبلة على الترحيب والاحتفاء بها، لكن هذا الموقف الأميركي ينطوي على استعداد واشنطن للتعامل مع حكومة اللون الواحد، وهو ما يدركه حزب الله، بأنّ إعادة تسويق حلفائه في واشنطن، أمر ضروري لحماية قاعدته الإستراتيجية في لبنان، وحماية النفوذ الإيراني. وبالتالي فإنّ تمرير عملية الإفراج عن الفاخوري، كان أكثر من حاجة وضرورة لدرء المزيد من العقوبات التي تطال حلفائه. هذا القبول كان يجب أن يُترجمَ أيضا الإحراج والضّيق الذي كان ثمنه اغتيال الحايك، بما هو رسالة بالدم للحلفاء وليس للأعداء ولا الخصوم. إن “العهد” اللبيب من الإشارة يفهم.

اقرأ أيضاً: السؤال الذي طرحته سهى بشارة

السابق
كيف يمكن للمدن الكبرى أن تمنع إنتشار فيروس كورونا؟
التالي
بعد تغريدة ترامب.. وفاة أميركي تناول «كلوروكين» للوقاية من كورونا!