لبنان.. «كنْ مع المقاومة وانهب ما شئت»

علي الأمين

ليس في لبنان دولة ولا مؤسسات دستورية تحكم بقواعد الدستور والقانون، وبالتالي لا مسؤولية على أحد من رموز هذه المؤسسات أو المتولّين المسؤولية التنفيذية أو التشريعية ولا حتى الأمنية والعسكرية. بهذه المقولة التي جرى ترسيخها في الوعي العام اللبناني وحتى العربي والدولي، جرت أكبر عملية تقويض للسيادة اللبنانية من قبل السلطة لصالح الحكم المافياوي والميليشيوي، أفضت إلى تحويل مؤسسات الدولة إلى هياكل يتم من خلالها تجيير السلطة إلى النظام المافياوي، وتحويل الخزينة العامة إلى مصدر لتمويل غير مشروع، لشبكة النفوذ والسيطرة لهذا “النظام” على مقدرات الدولة.

إقرأ أيضاً: «الدائرة الشيعية» تتوجس من خطاب دياب وتسأل: ماذا فعلتم لجمهور المقاومة؟!

حققت المافيا المسيطرة مكاسب كبرى من خلال ما يشبه نظام الامتياز الذي جعل تجارة النفط والغاز والفيول، على سبيل المثال، المقدر قيمتها بنحو ستة مليارات دولار في يد مجموعة تمثل أركان السلطة الفعلية، وقد أُتيح لها تحقيق أرباح غير مشروعة على حساب الخزينة العامة ومنها مادة الفيول التي شكلت عنوان العجز في مؤسسة كهرباء لبنان، والذي يبلغ اليوم ملياري دولار.

هذا ما جرى أيضا في قطاعات عدة، ومنها سندات الخزينة وما سمي الهندسة المالية التي كانت عبارة عن عملية ربا فاحش أدت إلى أن قام البنك المركزي بدفع نسب فوائد بلغت نحو 40 في المئة استفاد منها رجال أعمال قريبون من السلطة، ومنهم بنوك معروفة بعلاقاتها الوثيقة بأركان السلطة، في قطاعي الكهرباء والاتصالات وفي المرافئ الشرعية وغير الشرعية، وصولا إلى مافيا التهريب عبر الحدود البرية مع سوريا.

هذه نماذج من عمليات غير مشروعة وغير قانونية، أدت إلى زيادة نفوذ المافيا وتراجع دور الدولة وسيادتها، لصالح منظومة تمت إدارتها من قبل مشروع جعل لبنان خارج أي معادلة سلطة ترتبط بمفهوم الدستور والدولة.

من هنا كانت النتيجة إبقاء مقولة أن “ليس في لبنان دولة” هي الهدف الذي يتم من خلاله تغييب المسؤوليات وتغطية مصادرة السلطة وتزييف الوعي، وتفكيكه لصالح مشاريع تنمو وتتمدد بقوة المافيا، باسم الطائفة حينا وباسم المقاومة أحيانا أخرى، وعلى حساب الدولة والهوية الوطنية معظم الأحيان.

باختصار قامت انتفاضة 17 أكتوبر ولا تزال، ضدّ هذا الواقع القاتل للدولة، وفي وجه محاولة القضاء على الهوية الوطنية اللبنانية، وفي سبيل استنقاذ ما تبقى من الدولة ومؤسساتها، وضرب المافيا التي بات وجودها يعني نهاية لبنان. لذا ما فرضته الانتفاضة هو كشف زيف معادلة السلطة التي سيطر عليها حزب الله وبات يديرها منذ سنوات، فعبر الولاء له تتم شرعنة عملية النهب، على قاعدة “كن مع المقاومة وافعل ما شئت” من نهب للمال العام، من دون أن يعني ذلك أن الحزب كان خارج هذه العملية، بل في صلبها والأقدر على استثمارها في البعد المتصل بهدف “لا دولة في لبنان”.

وصل لبنان إلى مفترق طرق بات الاختيار بينها يقرر مسار لبنان الدولة والكيان. ففي الذكرى المئوية الأولى على تأسيس الكيان عام 1920، لم يسبق أن كان لبنان على هذا القدر من الخطر الذي بات يهدد هويته، بل وجوده كما عرفه اللبنانيون طيلة المئة عام الماضية، حتى أثناء الحرب الأهلية والحروب الإسرائيلية، لم تصل بلبنان رغم عنفها وتدميرها إلى هذا الحد الذي وصلت إليه دولة لبنان اليوم.

لبنان اليوم تحكمه مافيا يقوم وجودها على استمرار نفوذها على قطاعات الدولة، وعلى منع سيطرة سلطة الدولة فعليا عليها، ومنها القطاع العسكري أيضا الذي جعل من حزب الله ووجوده العسكري والأمني مرتبطا ارتباطا وثيقا بتغييب الدولة وغيابها، أي أن نظام مصالحه بات مرتبطا بعدم وجود الدولة أو بدوام ضعفها، وعلى هذا قِسْ في ما هو دون المستوى العسكري من قطاعات حيوية اقتصادية ومالية، قطاعات منفصلة ومافياوية ترى في الدولة مجرد هيكل تحتمي بشرعيته، لتنفيذ أكبر عملية نهب للمالية العامة والشعب اللبناني على وجه العموم.

ولأن لبنان في موازناته العامة، لم يكن يخضع لأي عملية ضبط للإنفاق بما يتناسب مع الواردات منذ عقد ونصف على الأقل، فإن عمليات الإنفاق بطرق غير شرعية ولا قانونية، أوصلت الدولة إلى عجز متنام وحجم من الديون لا يُحتمل، هي في مجملها عبارة عن قيمة الفوائد التي تراكمت منذ نحو ثلاثين عاما والتي تبلغ نحو تسعين مليارا.

لبنان أمام مفترق طرق، فهو بات عاجزا عن استقطاب أيّ من الدائنين سواء كانوا لبنانيين أو من خارج لبنان، وهو يرفض حتى الآن الاستعانة بصندوق النقد الدولي كما أعلن بالنيابة عنه حزب الله، وهو في الأساس افتقد ثقة المحيط العربي والدولي الذي بات يرفض تقديم أي مساعدة مالية للبنان، وبعضهم يشترط القيام بإصلاحات بنيوية في الدولة على الصعيد المالي والاقتصادي.

حقيقة إن كل ما يمكن أن يقدم للدولة اللبنانية من مساعدات مالية لم يعد يجدي، سببه المعروف هو حجم الهدر والفساد الذي يتيح ابتلاع أي مساعدات أو قروض مالية من دون أن يغيّر في واقع الدولة شيئا، لذا فإن الربط بين المساعدة والإصلاح يكتسب حجته القوية، من أن لا مفرّ من ضبط الإنفاق ومراقبته وتحديد وجهته، وهو ما لا يتناسب مع منطق المافيا الحاكمة في لبنان. ذلك أن الإصلاح في لبنان اليوم بات يرتبط ارتباطا وثيقا بتحجيم دور المافيا الحاكمة اليوم، إن لم يكن إنهاؤها بالكامل، وهذا ما يدركه رئيس الحكومة حسان دياب، الذي أعلن السبت الماضي تمنّع لبنان عن دفع جزء من مستحقّات الدّين هذا العام التي تبلغ أكثر من مليار دولار في 9 مارس الجاري، فيما المتوجب على لبنان دفعه حتى نهاية العام الجاري هو 4.6 مليار دولار.

عدم دفع مستحقات الدين في موعدها، برّره الرئيس دياب بعدم قدرة لبنان على الإيفاء بالتزاماته وقال إن الدولة ستفاوض أصحاب سندات الدين لجدولته. وهو موقف لا يوحي بالثقة لا للدائنين وقبلهم للشعب اللبناني، ذلك لأن اللبنانيين إنْ كانوا ينتظرون شيئا من حكومتهم الجديدة، فهو أن تباشر خطوات تتيح للشعب أن يمنح الثقة لها، وهي خطوات تتصل بإظهار القدرة والجديّة على تقويض مصادر الفساد والهدر واختلال السيادة، أي أن تظهر الحكومة أنها صاحبة قرار وليست مجرد بوق لسياسات التدمير المستمرة للاقتصاد والدولة، لا بل الكيان نفسه.

من هنا فإن الخطر على الكيان اللبناني ووجوده لم يعد مجرد مقولة، بل بات واقعا يجد مبرراته في كل ما تتمسك به المافيا السلطوية التي تحكم لبنان، والتي تعتبر أن ما تحوزه من مكاسب هو أوْلى من عودة الدولة والقانون والسيادة، وهذا إن كان يبدو غير منطقي وغير مفيد حتى لأطراف المافيا، إلا أن واقع الحال يكشف أن حدة المواجهة التي جعلت لبنان أمام مفترق طرق، أصبحت تفرض اتخاذ قرارات كبرى لا مفر منها، فإما الذهاب نحو دولة متوازنة وسيدة قرارها ومنسجمة مع نظام مصالحها العربي والدولي، أو الذهاب نحو خيار الساحة المفتوحة لاستجلاب صراعات إقليمية ودولية لا تبدو أطرافها التقليدية مهتمة بالتورط. ساحة ليست لديها أي حصانة ضدّ الانزلاق والتدحرج نحو التصدع الاجتماعي والطائفي، في مرحلة من الانهيار الاقتصادي والمالي مضافة إليهما عزلة عربية غير مسبوقة في تاريخ لبنان منذ أن قامت دولته قبل مئة عام.

السابق
إجراءات «كورونية» متلفزة.. الحق على إيران لا على «الطليان»!
التالي
خامنئي.. الدعاء في مواجهة كورونا!