«كورونا» النظام تنهش أجساد الإيرانيين وأصواتهم

علي الأمين

يتزامن حلول المصيبة والخيبة في إيران مع مصيبة فايروس “كورونا” الذي ينهش الشعب الإيراني من دون أي جدية في المعالجة، تتماهى مع نظام دكتاتوري ليس أقلّ فتكاً يعيش خيبة الانتخابات على الرغم من الممارسات التعسفية اللاديمقرطية بحق المرشحين والناخبين.

بحسب الأرقام الرسمية بلغت نسبة المقترعين لانتخاب مجلس الشورى في إيران 42 في المئة وهي النسبة الأدنى في تاريخ الانتخابات على اختلافها في هذه الدولة التي قامت على نظام إسلامي ظاهره ديمقراطي، وجوهره يستند إلى سلطة مطلقة لولي الفقيه الذي يتمتع بصلاحيات تتفوّق على أيّ حاكم في أيّ دولة.

إقرأ أيضاً: ايران تستغل «كورونا» لتبرير خيبة انتخابات «اللون الواحد»!

لا ريب أن الشكل الديمقراطي يتركز على العملية الانتخابية ذاتها، وهي رغم ذلك عملية مشوبة بمجموعة من الشوائب التي تجعل من نتائجها معروفة قبل إجرائها، وعلى رغم ذلك فإن الهيئات المنتخبة من الشعب كمجلس الشورى ورئيس الجمهورية ومجلس خبراء القيادة الذي ينتخب المرشد، هي هيئات غير متاحة الترشح لأيّ إيراني من دون أن يحظى بموافقة مُسبقة تقوم بها هيئات تابعة للسلطة، وهي من يقرر من يحقّ له الترشح ومن لا يحق له، ويتيح هذا الإجراء أو هذه الصلاحية، مجالا واسعا للسلطة ولاسيما الولي الفقيه، تقرير طبيعة الانتخابات من خلال تحديد المتنافسين مسبقا.

فعلى سبيل المثال تم منع مئة نائب في مجلس الشورى من الترشح مجددا للانتخابات التشريعية الأخيرة، وجرى رفض سبعة آلاف طلب ترشح للانتخابات التشريعية، ما أظهر بوضوح نتائج الانتخابات قبل إجرائها، بحيث كان واضحا أن نتائج الانتخابات ستؤول إلى فوز مرشّحي الحرس الثوري بعد استبعاد معظم المرشحين الذين يندرجون في إطار ما يسمى بالإصلاحيين أو المستقلّين، ولكن مع إبقاء جزء منهم في دائرة المنافسة، بما لا يخلّ بالنتيجة التي تريدها السلطة؛ أي فوز مرشحيها بالأكثرية المطلقة.

ومن المفارقات في الديمقراطية الإيرانية أنّ مجلس خبراء القيادة الذي يفترض أن ينتخب المرشد وأن يراقب سلطته ويحقّ له عزله، يخضع كذلك في عملية انتخابه، إلى عملية تصفية للمرشحين من قبل هيئة يعيّنها المرشد، بحيث يفقد هذا المجلس بعد انتخابه عمليا أيّ قدرة على ممارسة صلاحياته لأن أعضاءه خضعوا عمليّا للتعيين من قبل المرشد، وفي هذه الحالة من غير الوارد أن يقوم بمحاسبة المرشد أو إقالته بسبب تلك العملية التي تؤدّي فعليّا إلى تحوّله إلى أداة بيد السلطة أكثر مما هو مراقب لها.

الخصوصية الإيرانية للديمقراطية تفقدها معظم غاياتها، وتؤول بها إلى نموذج من الحكم الثيوقراطي الذي يتيح لطبقة أن تحكم وتتحكّم بالشعب والدولة على وجه العموم، وفي إيران يشكّل الحرس الثوري بقيادة المرشد القوة الفعلية التي يسند إليها حماية السلطة والنظام الذي ينظر إلى الشعب باعتباره غير مؤهل في اختياراته، لذا لا بد من مساعدته على الاختيار من خلال تحديد من يجب عليه انتخابه.

مرشد الدولة الإيرانية علي خامنئي قال في تعليقه على تدنّي نسبة المقترعين، أن فايروس كورونا والحملات الإعلامية المغرضة على إيران، هما سبب تراجع نسبة المقترعين. وعلى مسار إلقاء اللوم على الخارج وما يرسله الغيب، لا يجد مرشد الجمهورية أيّ سبب آخر يعوق اندفاع الشعب الإيراني نحو التغيير السلمي، لاسيما أن إدارة الدولة والسلطة أوصلت الدولة الإيرانية إلى وضع مالي واقتصادي ومعيشي لم يكن يتخيّله أيّ مواطن إيراني، كان اعتبر في سقوط شاه إيران محمد رضا بهلوي قبل 41 سنة نهاية لعهد دكتاتوري وبداية لمرحلة جديدة من الرفاه والحرية في دولة تعتبر من أغنى دول العالم في ثروتها الطبيعية وفي عراقة شعبها، إلى جانب مساحة جغرافية شاسعة تقارب المليون وستمئة ألف كلم مربع، فضلا عن تنوّع ديموغرافي غنيّ، بلغ تعداده نحو 80 مليونا اليوم، فيما كان تجاوز 30 مليونا حين نشوء الجمهورية الإسلامية عام 1979.

إزاء معضلة الحصار الذي تفرضه الإدارة الأميركية على إيران، فإن النظام الإسلامي في إيران لا يمكن أن يستمر في حكم شعبه بتبرير الفقر والأزمات الاقتصادية بهذا الحصار، ذلك أن أيديولوجية النظام طالما أعلنت أن عدوّها الأول هو أميركا، لذا كان شعار “أميركا الشيطان الأكبر” هو الشعار الأكثر انتشارا وتردادا في منابر النظام، وبالتالي من غير المقبول في إيران أن تحيل السلطة سوء الأحوال في البلاد إلى الحصار الأميركي، لأن أقلّ ما تتوقّعه من الشيطان الأكبر هو ان يحاصرك.

لكن السلطة في إيران التي خبرت وسائل متعددة لحماية سلطتها، تدرك أن نجاح الثورات بحسب الإحصاءات منذ مطلع القرن العشرين حتى اليوم، تحقق في دول ليست فقيرة ولا يقع شعبها في معظمه تحت خط الفقر، فالثورة الكوبية على سبيل المثال، نجحت في العام 1960 في دولة كانت أكثر الدول تقدّما في أميركا اللاتينية في ذلك الحين، وكذا الثورة الإيرانية حققت نجاحها ضد سلطة الشاه ودولته التي كانت في حينه أكثر الدول تقدّما في محيطها.

النظام الإسلامي في إيران يدرك أن منع ظهور نخبة إيرانية متمايزة عن السلطة الحاكمة هو جوهر السياسة الإيرانية الداخلية، وبالتالي تشكّل “شمّاعة” الخارج والحصار إحدى وسائل القمع لكل تمايز تعبّر عنه مجموعة إيرانية.

هذا السلوك الإيراني للسلطة بات اليوم أمام خيارات وجودية، أكثر من أيّ وقت مضى، ذلك أن النظام في إيران الذي تمدّد خارجها باتجاه دول عربية عديدة، لم يكن ليحقق نجاحاته التوسعية من دون تقاطعات عميقة مع السياسة الأميركية، لكن ما يجري اليوم هو أن إيران تقعُ أمام خيارات أحلاها مرّ، فهي إمّا أن تذهب نحو عقد صفقة معلنة مع واشنطن لا يستطيع النظام تحمّل تبعاتها الداخلية، وإمّا أن تذهب نحو المواجهة والتسليم بالحصار الذي بات يهدد قدرة النظام على تلبية متطلّبات الشعب والدولة ومقتضيات النفوذ الخارجي الذي تتفاعل أزماته في أبرز معقليْن له في العراق ولبنان.

الكارثة في إيران لا تكمن في أن نظامها كان إحدى أدوات التدمير الذي شهدته المنطقة العربية باسم تصدير الثورة حيناً، وباسم تحرير القدس أو المقدسات في أحيانا أخرى فحسب، بل بما حمله النظام الإيراني من مآسٍ على الأمة الإيرانية والتي وهي تتطلع في هذه الأيام في ذكرى انتصار ثورة إيران في فبراير عام 1976، إلى ما حققته الثورة. تبدو الأمة الإيرانية في موقع زاد فيه أعداؤها على أصدقائها، وزاد الفقر فيها فيما ثرواتها أُهدرت من أجل هدف واحد هو حماية النظام لا الشعب ولا الدولة ولا العرب ولا فلسطين ولا القدس ولا وحدة المسلمين الذين تشتتوا وتلاشوا كما لم يشهد تاريخهم من قبل.

السابق
بالفيديو: «درونز» وسيارات بدون سائق.. هكذا تُقاتل الصين فايروس كورونا!
التالي
هذا ما جاء في مقدمات نشرات الاخبار المسائية لليوم24/02/2020