النبطية في حقبة الأربعينات والخمسينات تجاذبات فكرية ودينية أَثْرَتِ الجنوب ومحيطه

النبطية
سمات وملامح لمجتمع النبطية ما قبل الخمسينات يتذكرها الصحافي سمير شاهين، عارضاً فيها حركتها الثقافية والأدبية والعقائدية بمختلف تياراتها... وأشهر رجالاتها، وهي مقتطفة من الجزء الثاني من كتابه "ذكريات من الصحافة والسياسة".

كانت ابتدائية النبطية التي أُطلق عليها فيما بعد “أم المدارس”، على درجة كبيرة من الرقي التعليمي، كان رقياً ومستوى لا نجد مثله اليوم في مدارس لبنان سواء الرسمية أو الخاصة.

وإضافة إلى هذا الرقي، لعبت تلك الابتدائية دوراً أساسياً في إنتاج الأحزاب العقائدية ونشرها ليس في النبطية وحدها بل في الجنوب كله، فقد كان أكثر أساتيذها عقائديين ينتسبون إما إلى الحزب الشيوعي أو إلى الحزب القومي السوري أو ميَّالين إلى فكرة القومية العربية، وكانوا يحرصون على نشر مبادئهم بين تلاميذهم، وقد حوَّلت هذه الحالة العقائدية التبشيرية، إضافة إلى المدرسة، النبطية ومنطقتها إلى صراع وتجاذبات وخلافات وبين تلك الأحزاب تميَّزت بها تلك المرحلة.

اقرأ أيضاً: مسيرة حافلة لم يحدها قِصر العمر..إحتفالية بميلاد زعل سلوم!

الحركة الثقافية والدينية

وفي موازاة هذه الحالة الأيديولوجية كانت تزدهر في النبطية حركة ثقافية وأدبية تتميز بالإبداع والأصالة والتأليف الجدي في المجالات المعجمية واللغوية والتأريخية والأدبية والاجتماعية والفقهية والدينية وفي عطاء شعري أصيل… وكان الأبرز في هذه الحركة كوكبة من المشايخ النهضويين بينهم النفر الأكثر محافظة خاصة على الصعيدين الفكري والفقهي، ومنهم الفئة المعتدلة فكرياً وفقهياً وسياسياً واجتماعياً، وربما يصح تسميتها بالتيار الوسطي بين يمين فقهي متشدد ويسار بالغ التحرر يعتمد مختلف الأيديولوجيات الحديثة. النفر الأول رأسه مشايخ آل الصادق وهم عائلة عريقة أصولها من بلدتي الخيام والطيبة الجنوبيتين.

وكان الشيخ عبد الحسين صادق الجد أول من استوطن النبطية وأصبح إماماً وشيخاً للبلدة ويحمل إمام البلدة الآن حفيده الإسم نفسه.

كانت تزدهر في النبطية حركة ثقافية وأدبية تتميز بالإبداع والأصالة والتأليف الجدي في المجالات المعجمية واللغوية والتأريخية والأدبية والاجتماعية والفقهية والدينية وفي عطاء شعري أصيل

يُعدُّ آل الصادق سدنة الخط الحسيني، فهم أول من بنى حسينية النبطية وحسَّنوا في بنائها وطوروه فيما بعد، ويتولون مباشرة الأمور التنظيمية لكل ما يتعلق بذكرى استشهاد الإمام الحسين (مناسبة عاشوراء السنوية)، كما يشرفون على أوقاف النبطية وعلى كل ما يتعلق بأمور الأهالي الدينية كالإرشاد والفتوى… إلخ، وتغلب على مشايخهم صفة التشدد في هذه الأمور وخاصة في جبّه بعض الأصوات التي ترتفع بين الحين والآخر في وجه بعض مظاهر ذكرى عاشوراء.. وبين علماء هذه العائلة شعراء كبار أغنوا بنتاجهم الشعر العربي، كما أثروا بتأليفهم المكتبة الفقهية والأدبية. ربما كان أبرزهم الجد المؤسس الشيخ عبد الحسين صادق، للشيخ المؤسس 14 مصنفاً بين الفقه والأدب والشعر، ويمتاز شعره بالرقة والعذوبة ويتطرق فيه إلى مختلف شؤون الحياة، إلى جانب التبتّل والمدائح النبوية والإشادة بآل البيت(ع).

ومن أبرز دواوينه، سقط المتاع، وعفر الظباء وعرف الولاء، والمضامير، ومن كتبه اللغوية: هداية المسترشدين في النحو وهدايا الطالبين في الصرف، هداية الراغبين في المعاني والبيان والبديع، ومن أبرز مؤلفاته: الوجيز في تفسير آيات الأحكام، والعدة في رجال الطائفة الشيعية في القرن 12هـ. (كتاب تاريخ) والألفية نظماً في الكلام، تبعاً لألفية ابن مالك.

أما خليفته الشيخ محمد تقي الصادق فكان على درجة كبيرة من العلم والتبحر في الأدب والفلسفة وله عدة مؤلفات غير مطبوعة أهمها: شرح الكفاية، يتعلق بالأصول والفقه في أربعة أجزاء، والمذكرات العلمية في المباحث والأصول، المعاملات ويتعلق بالبيوع في الفقه، إضافة إلى بحوث متفرقة في الفلسفة الإلهية، ويقوم الآن إمام النبطية الحالي الشيخ عبد الحسين صادق بتحقيقها تميهداً لنشرها.

ومن آل الصادق برز أيضاً شاعر كبير هو الشيخ حسن صادق وله العديد من الدواوين المطبوعة، ويمتاز شعره بالتنوع في مختلف شؤون الحياة وبالسلاسة والرقة الشعرية، وأبرز دواوينه: سفينة الحق.

أما بين المحدثين فظهر كشاعر موهوب القاضي المدني محمد علي صادق، وله عدة دواوين أحدها الآن قيد الطبع بعنوان: العدالة والحياة، وقد انعكست في شعره كما يبدو من العنوان الكثير من القضايا الإنسانية التي عاشها في المحاكم.

أما الفريق المقابل من مشايخ النبطية النهضويين فتقدمه الشيخان الشهيدان أحمد رضا وسليمان ضاهر عضوا المجمع العلمي العربي بدمشق ورفيقا رياض الصلح في نشاطاته العربية وفي نضاله لمواجهة الانتداب الفرنسي ومشاركته في حضور المؤتمرات العربية مثل: مؤتمر الوحدة السورية (دمشق 1928)، المؤتمر الإسلامي العام في القدس 1931، مؤتمر بلودان في سورية 1937، كما شارك في الوفد الذي مثّل جنوب لبنان لمبايعة الملك فيصل عام 1919، وكان رفيقهما في حياتهما المديدة الحافلة بالنشاط الثقافي والفكري والسياسي المميز والفاعل محمد جابر آل صفا وقد أعطى الشيخان الكثير الكثير في عالم الدراسات والتأليف، فالشيخ أحمد رضا تميز بالأبحاث اللغوية العميقة وله في هذا المجال المؤلفات التالية: قاموس رد العامي إلى الفصيح، معجم متن اللغة، مولد اللغة، أما المعجم الوسيط والمعجم الموجز فهما غير مطبوعين بعد، كما له في الفقه: الدروس الفقهية، وفي التربية: هداية المتعلمين، إضافة إلى مئات المقالات العلمية والأدبية والسياسية والتاريخية والقصائد المنشورة في مجلات “المقتطف” و”العرفان” ومجلة المجمع العربي العلمي بدمشق.

وعرف الشيخ أحمد رضا بشعره الرقيق وثقافته الأدبية، ولم يجمع شعره للآن. كما اشتهر بندوته الأدبية التي زارها كبار الأدباء والشعراء العرب. وكانت تعقد عصر كل يوم حول “سماور” الشاي وفي ظلال شجرة الياسمين في حديقة منزله الذي زال من الوجود الآن.

أما صنوه التاريخي الشيخ سليمان ضاهر فقد ماثله وشاركه في جميع النشاطات الفكرية، والسياسية العربية واللبنانية وظلا رفيقا درب مراحل ولم يفترقا إلا عند رحيل الشيخ أحمد رضا العام 1953. بينما عمَّر الشيخ سليمان ضاهر إلى العام 1963. وقد صدر في العام 2001 للشيخ سليمان ضاهر مؤلف على درجة كبيرة من الأهمية عن تاريخ الشيعة السياسي والثقافي والديني من ثلاثة مجلدات حققه نجله عبد الله ضاهر، ومن أبرز مؤلفاته المطبوعة: جبل عامل في الحرب الكونية. ومذكرات من عام 1918 إلى عام 1931 تشمل تاريخاً لمملكة فيصل في دمشق، وتاريخ جبل عامل القديم والحديث، وتاريخ قلعة الشقيف، والحسين بن علي وأسباب شهادته، نقض مذهب داروين، والقصة في القرآن.

وله أيضاً الكثير من الدواوين الشعرية وبينها: فلسطينيات، والهيات، وآخر في مدح النبي وآل البيت، إضافة إلى دواوين كثيرة غير مطبوعة أحدها من عشرين ألف بيت شعر، فقد كان شاعراً مطبوعاً ومكثراً مع سلاسة في النظم وعمق في المعنى، كما خلَّف أيضاً كثيراً من الكتب المخطوطة التي لم تجد بعد طريقها إلى النشر.

أما الثالث التاريخي مع الشيخين في معظم نشاطاتهما السياسية والفكرية العربية واللبنانية فقد كان محمد جابر آل صفا صاحب كتاب “تاريخ جبل عامل”. هذا الكتاب الذي نشر اول مرة العام 1962 والذي طبع ونفدت طبعاته مرات عديدة، أصبح مرجعاً علمياً تاريخياً عاماً تقدم عنه رسائل الدكتوراه في التاريخ العاملي ويستعين به أساتيذ الجامعات.

أصغر من الشيخين سناً 1910 – 1986 لكنه صنوهما في العلم الوفير والموهبة الأدبية والبحث الجدي والدقة في كتابة التاريخ، إلا أنه يختلف عنهما في درجة المحافظة إذا صح هذا التعبير، فهو محافظ في الكتابة الأدبية والدقة التاريخية، لكنه تقدمي إن لم نقل إنه ثوري على الصعيد الفكري والأيديولوجي. فالشيخ علي الزين رجل الدين لم تمنعه المحافظة على الخط الديني، من الانفتاح المبدئي على مبادئ حزب البعث العلمانية، وأكثر من ذلك فقد رعى مع الدكتور علي جابر أول بعثيّ في النبطية وفي الجنوب كله نشاطات الجزب التبشيرية والسياسية في النبطية ومنطقتها في نهاية الأربعينات وبداية الخمسينات من الألفية الثانية، وبالوقت نفسه أسس عام 1935 عصبة الأدب العاملي.

أما أهم مؤلفاته فهي التالية: من أماني الوحدة 1941، مع التاريخ العاملي 1954، أوراق أديب 1955، مع الأدب العاملي، للبحث عن تاريخنا 1973، العادات والتقاليد في العهود الإقطاعية 1977، من أوراقي 1978، من تاريخ البكوات في جبل عامل.

الشيخ علي الزين صاحب الحضور الشخصي والثقافي المميز في المجالس الأدبية في نبطية النهضة له أيضاً الكثير من المقالات والأبحاث والقصائد المنشورة في مجالات عديدة وبخاصة مجلة العرفان. (وهو للمناسبة، جد الكاتب الصحفي المعروف جهاد الزين).

أدباء وشعراء

أما على صعيد أدباء النبطية في تلك المرحلة فمن الصعب تعدادهم، من أبرزهم الشيخ سعيد صباح، والشيخ عبد الله نعمة وهما بين رفاق الشيخ أحمد رضا ومن أعضاء ندوته الأدبية، إضافة إلى إبراهيم فرّان أستاذ الأدب العربي، شاعر المنابر وخطيبها وصاحب القصائد المرسلة، والبحاثة، أبرز أبحاثه دراسة قيّمة لمناسبة عاشوراء ومختلف الآراء السياسية والدينية بشأنها عبر الحوارات التي كانت مطروحة أيامها بشأنها، إنما للأسف فإن قصائده المبثوثة في الكثير من المجلات لم تجد من يجمعها أو يعمل على إعطائه حقه من التكريم، أو حتى لتذكير أجيال نبطية اليوم بمكانة هذا الشاعر الكبير.

وبين “المدنيين” إذا صحّ التعبير شاعر آخر مميز هو نمر صبّاح الذي نظم الشعر بالفرنسية، وترجم قسماً كبيراً من شعر سنغور الرئيس الأٍبق للسنغالك إلى العربية، كذلك، فإن الدكتور علي بدر الدين الطبيب والسياسي والذي وصل الندوة النيابية في الخمسينات كان شاعراً وأديباً مجلياً ولم يهتم أنجاله بجمع تراثه.

ولا أريد هنا التّوسّع في الكلام عن تلك الدرة المضيئة في جبين النبطية، المخترع الكبير الذي لم ينجب لبنان مثله للآن: حسن كامل الصباح فالكتب التي صدرت في تعداد أعماله وذكر تاريخه أكثر من أن تُعدَّ وتحصى

وبين الشعراء جعفر الأمين هو نجل أكبر علماء جبل عامل ولبنان في زمنه السيد محسن الأمين، أصله من قرية شقراء، أقام في النبطية زمناً طويلاً. وله ديوان مطبوع وكتاب مذكرات عن النبطية.

أما نور الدين نور الدين فكان شاعراً مطبوعاً له ديوان مطبوع.

شاعر آخر من النبطية يُعدّ شاعراً كبيراً وشعره فائق الأهمية ولا سيما أن معظمه كان يؤرخ من خلاله لكل الأحداث الجنوبية بما فيها الاحتلال الإسرائيلي لجنوب لبنان ومقاومة الجنوبيين له حتى يوم التحرير في 25 أيار سنة 2000. ولم يتوقف عن نظم الأحداث شعراً إلا بعد وفاته في حزيران من العام نفسه. ذلك هو أحمد سليمان ضاهر الذي طغت على شهرته الشهرة الكاسحة لوالده الشيخ سليمان ضاهر وقد ترك عشرات الدواوين غير المطبوعة ولم يوفق نجله علاء ضاهر لطبع بعضها للآن.

اقرأ أيضاً: علي حوماني يرسم بنمط ARTERY ART

هو بالأصل من قرية مجدل سلم الجنوبية، استوطن النبطية منذ ثلاثين سنة، وينتسب إلى عائلة جنوبية معظم أفرادها شعراء، يتصل بالقرابة مع الشيخ علي مهدي شمس الدين الذي يُعدّ أهم شاعر أنجبه جبل عامل، إنه عبد الكريم شمس الدين شاعر التقليد والحداثة معاً والشاعرية الفيّاضة وله عدة دواوين تجمع بين الوطنيات والغزل والنقد الاجتماعي.

ولا أريد هنا التّوسّع في الكلام عن تلك الدرة المضيئة في جبين النبطية، المخترع الكبير الذي لم ينجب لبنان مثله للآن: حسن كامل الصباح فالكتب التي صدرت في تعداد أعماله وذكر تاريخه أكثر من أن تُعدَّ وتحصى.

(مجلة شؤون جنوبية العدد (0) كانون الثاني 2002، ص12 – 13)

السابق
حنين عبد المجيد عبد الله يتخطى أرقام قياسية!
التالي
محمد زبيب لـ«جنوبية»: مروان خير الدين تحول إلى «بلطجي».. وسأقاضيه!