عندما «يهيج» البحر بأمواجه.. وأسراره

مدينة صور

في النصف الثاني من هذا الشهر بدأ مزاجه يتغير وكأن عفريتا ركبه. ساعة يعلو موجه وساعة يهبط، وساعة أخرى تبدأ هذه الأمواج بالتشكل على بعد غير مألوف من الشاطيء. وأحيانا تتكسر في الداخل وكأن جزيرة ما بدأت تعلو برأسها والموج يحاول خنقها، فيتعالى الزبد وينتشر. هذا ليس البحر الذي عرفناه، بدا وكأنه مريض يعاني من ارتفاع حرارته فأخذ يهذي ويرتعش، فتركناه حتى يتعافى فلا نثقل عليه بحضورنا. لم نستطع الغياب اكثر، فلا هو تعود على غيابنا الطويل ولا نحن نقوى على ذلك. زرناه ونحن نعلم انه لم يتعافى بعد، ولكننا حسبنا انه تعب من التعصيب وبدأ يشتاق لحضورنا. تأملناه واعتقدنا ان ركوب صهوته والتمليس على رقبته كفيلين بتهدئته.

كانت صدمتنا كبيرة من ردة فعله. بدا فجأة كحصان جامح يرفض ان يروض. بات شرسا عنيفا له حوافر وانياب في ذات الوقت. لم يصبر علينا حتى ترطب مياهه لباس البحر. رفس وزمجر وقفز كالمجنون وكأننا اعداءه. لم يدع ايدينا تطال عنقه. لقد نبذنا ، وشاهدناه وهو يتمتع بإنسحابنا مطأطئي الرأس مطرودين بذل من داره.

إقرأ أيضاً: حراك صور على نبضه مع الساحات.. باقون

هذا ليس بحرنا، لا شك أن مرضه هو السبب ولا عذر له لهذه الدناءة. عضضنا على جراحنا وزرناه في اليوم التالي  مجددا. لم يبدو سليما معافى ولكنه لم يعد مريضا كما كان. بدأنا نمسجه بأرجلنا وشعرنا ببرودة  مياهه، اهي برودة الطقس ام برودة الاستقبال؟ توغلنا اكثر والقينا بأجسادنا وسط امواجه، واخذنا نبتعد عن الشاطيء لنفاجأ بدفئ مياهه مجددا وكأننا في أيام الصيف.

صرنا نتساءل اذا كان هذا التلاعب بنا هو لاختبار صداقتنا بعد معاملته القاسية لنا ام هو استمرار لمزاجيته؟

اعدنا الكرة طوال أربعة أيام أخرى. وكان بحرا وديعا هادئا ودودا نافس بحر تشرين بروعته. بريق عينيه وطراوة جسده وهمسه المبحوح وانفراج اساريره وعناقه الحار وقبلاته الملتهبة كعاشقة التقت بحبيبها بعد فراق طويل. خمسة أيام لا يمكن نسيانها عوضت ذل طردنا وأعادت لنا الاعتبار. الا ان حرارته بقيت في التقلب والثابت الوحيد هو برودة مياهه الشديدة قرب الشاطيء ثم تتوالى مراحل من الدفء ثم البرودة ثم الدفء مجددا فالبرودة. 

اختلط علينا الأمر اذا كان ذلك مزاحا من البحر ام هي حرارة الحب التي تفتر لتعود وتتجدد بعد برهة؟

رغم طول عمر صداقتنا والتي ربما من دونها  لما أحببت مدينتي صور بهذا القدر.ورغم ذلك اعترف انني احيانا كثيرة لا أفهمه ولا يفضي الي بأسراره وخفاياه. ربما هنا تكمن روعته وسر خوف البعض من الخوض في أعماقه.

اعترف انني اعشقه لدرجة تقبل قسوته، ومزاجيته وشيطنته التي لا تطاق احيانا. ولو كنت استطيع تحمل جزءا يسيرا من هفواته من البشر لكنت انا أيوب هذا  العصر بصبري.

السابق
بالفيديو.. عون: «بدو يحسدني على رواقي»!
التالي
جندتهُ روسيا.. وحجز الأسد على أمواله.. قصة أيمن جابر «زعيم» الميليشا الأشرس