حسن نصرالله.. وحُسْن الظن والفطن!

السيد حسن نصر الله

لم تكن الإطلالة التلفزيونية لصاحب الحظ الأوفر من نقمة ثورة 17 تشرين، رئيس “التيار الوطني الحر” جبران باسيل مفاجئة، إذ كانت البنود الرئيسة في ما سيقوله معروفة وتتردد على الألسن وفي الوسائل الإعلامية قبل ذلك، فقد سبقت كلمته تصريحات واجتماعات وإرهاصات ومقالات صحافية وتسريبات تدل على أنه سيعلن أنه لم يعد يسعى أو أحد من تياره إلى الاشتراك في الحكومة المنوي تشكيلها، وهو ما كان، لتنطلق بعدها المقولات والتحليلات بانهيار حائط الصد الثاني الذي يتلطى خلفه حزب الله، بعد أن انهار الأول المتمثل بالحكومة، وانهارت بانهياره الـ”لا” الثانية للأمين العام لهذا الحزب: “لا” لإسقاط العهد، ولكن…

اقرأ أيضاً: الحريري – باسيل.. آخرة رقص «التكنو»…!

هل فعلاً تجري الأمور وكأن الثورة حققت انتصارها الثاني أم أن الأمر برمته خطة حيكت بليل وتنفَّذ بنهار؟ وهل إعلان السياسي “المشاغب” الطامح بكل عزم إلى المنصب الأعلى في الدولة انتقالَه إلى المعارضة في الحكومة المقبلة (معارضة حكومةٍ برئاسة غير الحريري وليس العهد بالطبع) قرار ذاتي محض أم مخطط مع “حلفاء المحور” للانحناء أمام عاصفة حراك الشارع والأزمتين السياسية والاقتصادية استعدادًا للانقضاض في وقت لاحق؟ وهل كان حزب الله ليوافق على خروج السند المسيحي القوي من الحكومة لولا أن حصاد هذه الخطوة ستكون وفيرة له في المقام الأول ثم لحلفائه، وخصوصًا بعد ثلاثة أيام من لقاء باسيل أمينه العام حسن نصر الله (وقيل وفيق صفا) لتتويج نتائج سلسلة مفاوضات مكثفة بين الطرفين طوال شهرين من عمر الثورة؟ على الأرجح، لن يكون استنكاف “الوطني الحر” عن المشاركة في الحكومة المقبلة الوحيد، بل ستليه عما قريب مواقف تزيل الضبابية عن أجوبة لأسئلة مطروحة حول ما يحاك من وراء خطوة باسيل، ولسوف يعززها وضوحًا ما سيخرج به نصرالله من مواقف في كلمته اليوم.

بالفم الملأن نقول إن حزب الله لم يشعر يومًا منذ تصاعد النفور الداخلي منه ومن سلاحه الميليشوي بمثل شعوره بالتهديد اليوم، بعد أن أوصلته الحالة العراقية وانقلاب المكون الشيعي فيها على الجبروت الإيراني، إلى نتيجة مفادها أن الكباش على الحصص والمكاسب بات محفوفًا بانقلاب بيئته الحاضنة عليه وفي ظل شبح المجاعة الذي يدق أبواب اللبنانيين جميعًا في ظل شحّ السيولة وخسارة 160 ألف شخص أعمالهم وإقفال 10% من الشركات أبوابها، وتخفيض وكالة “فيتش” الدولية تصنيفه الائتماني إلى “سي سي”، وفشل الحريري في استجلاب دعم مالي من الدول المانحة إلا بشرط بتشكيل حكومة إصلاحية، وربط المتحدث باسم صندوق النقد الدولي جيري ريس، إثر اتصال أجراه الحريري بالمديرة التنفيذية للصندوق كريستينا جيورجيفا لبحث سبل مساعدة لبنان، تجاوبَ الصندوق بجهود الدول المانحة للبنان وتحت رعاية الأمم المتحدة، فلجأ للخروج من هذا الكابوس وتخفيف الأضرار والتقليل من حجم الخسائر إلى مخطط كانت خطوة باسيل أولَه، لتليها ثانيًا إعلان الثنائي الشيعي خطوة مماثلة بقبول حكومة من دون أحزاب شرط أن يكون على رأسها “حصّالة النقود” سعد الحريري، ولكنْ بثلاث “لاءات” جديدة سوف يعلنها نصر الله في كلمته (وبالتهديد بإصبعه كالعادة) وهي: “لا” لتغيير قانون الانتخاب، و”لا” لإجراء انتخابات نيابية مبكرة (وهي “لا” في وجه الحريري الذي أعلن في وقت سابق دعمه مطلب المتظاهرين بتبكير الانتخابات)، و”لا” لأي قانون يُشتم منه ولو من بعيد أو بمجرد التلميح المسُّ بسلاح المقاومة، وإلا فالمجلس النيابي جاهز، فأكثريته التابعة لفريق الممانعة جاهزة لتعطيله.

اقرأ أيضاً: إطلالة لنصرالله.. نغمة الحكومة و«اسطوانة» «التطبيع»

قالت العرب قديمًا في حِكَمِهم: “سوء الظن من حسن الفطن”، فلا تغتروا أيها اللبنانيون، والثوار خصوصًا، وكونوا فطنين لم يُحاك من محور رأى لبنان على يديه خيرًا قديمًا وشرًّا مستديما، واجعلوا عالِيَ الحكمة سافلِها واجعلوا حسن الظن في هؤلاء من سوء الفطن، ولقد صدق الإمام الشافعي إذ يقول:
لا يكن ظنُّك إلا سيئاً إن سوء الظن من أقوى الفطن
ما رمى الإنسانَ في مهلكة غيرُ حسن الظن والقول الحسن 

السابق
المجهول يلف مصير 25 سيدة أوروبية هربنَ من مخيم «داعش» في الحسكة
التالي
ملكة جمال بريطانية متهمة بتمويل «داعش»