الفقر.. الرجل العصي على القتل!

“لو كان الفقر رجلا لقتلته”، قول يُنسبُ  مرة ًلعمر، ومرةً  لعلي وأحيانا لشدة افتتاني به أنسبه إلي.
أمّا ما أفهمه وما أراه حتى الآن، الذي يَقتُل.
يا سيدي عمر ويا سيدي علي، ويا أبتي عيسى،
وياااا أبي.
الذي يَقتلُ هو الفقر، وإن جرح يسبّب ألماً عميقاً في الروح وحزنًا مديداً لا شفاء منه.
أما في سياق التشبيه، هناك رجلٌ بكامل هيئته، تعرفه، هو جارنا، يسكن في المدينة نفسها خارج السور القديم،
فتح مصرفًا  للفقراء.

اقرأ أيضاً: القصة الكاملة لإختلاسات مستشفى صيدا.. هل يصل القضاء إلى نتيجة؟

بعد رحيلك، 
فبدل أن ينقص عدد  الفقراء أصبح في زيادة، وكأن يصعد مع صعود الفائدة،
وأيضاً جارنا هذا يصعد ويهبط معها، ويتمدد.
سمعتهم يدعون له بطول العمر، وليس بطول القامة
حين تبرع في بناء مسجد في الحي،
أنت تعلم كان لا يوجد في حارتنا مسجد
كنت تعبد الله في البيت ولا حاجة لك به، وفي الطريق الى دكانك في السوق العتيق حيث تفوح رائحة القمح وحب الهال والبخور، تسبّحُ باسمه بسبحتك اليسر، وكأن زمانك والدنيا أجمل
وتقول وكنت أسمعك: أينما تولوا فثمّ وجه الله،
وكانت الدنيا أرحب والجيرة أنبل.
وتبيع وتشتري بميزان عدلك،
وكانت الدنيا أعدل.

أما هذا القول  الجميل لو كان الفقر رجلا لقتلته، فهو يحتمل التأويل.
الفقر وحشٌ  كاسرٌ  يا أبي نهش ابناء الحي مزق ثيابهم وأحذيتهم وعرّاهم  وأدمى أجسادهم النحيلة، وأكل أصابع صغارهم الطرية وأعطبهم وأقعدهم، فلزموا بيوتهم الصغيرة الرطبة، فبدا لا  يوجد حيٌ في الحي يا أبي.
من مات مات ومن  هاجر هاجر  ومن سئم سئم، بقيت اختك آسية اسمها القاري تسبب بعنوستها، لكنها لم تيأس من الاهتمام بأحواض الورد على شرفة بيتنا، وهذا بعض ما بقي من أمل، نزلت يوم أمس الى  السوق اشترت حلوى العيد، ثم عرجت على ضريحك وزرعت شتلة من وردها.
جارنا هذا يا ابي انتخبوه في مجلس الشعب لمرات خمس بعدد فروض الصلاة
وهذا ربما ما جعله يتبرع ببناء مسجد آخر
ويسهم في بناء كنيسة وفي طريقه
فتح مصرفا آخر بفرعين  
فصار الفقر يا ابي  فقرين  فقرٌ وحشٌ وفقر شبحٌ يخيم على المدينة ويمتد نحو المقبرة.

أما الفقرُ  المشبّه بالرجل، المتسكع في حارتنا والذي لم يقتله أحد بعد، فستقتله إبنة جارتنا. صاحبة الجدائل،  
هكذا قالت عمتي آسيا. وهي تعد  حلوى العيد.

السابق
«كأس الحريري» المرّ.. لا محالة!: الثورة «أميركية» بنظر «الجنرال»، و«ضباطه» متورطون!
التالي
20 مليار ليرة الى الأسر الفقيرة.. اليكم التفاصيل