استحقاقات ثورة لا تؤجل

التظاهرات في لبنان

لم يكن أحد يتوقع مسبقاً الوضعية الجديدة التي أحدثها الحراك الأخير، إذ بدأ احتجاجاً على وضع معيشي، وإذا به يكتشف القوة التي يختزنها ويولدها، ما مكنه من الذهاب إلى ما هو أبعد من ردة الفعل العفوية، ويتجاوز حالة الاحتجاج المعيشي والمطلب السياسي، بطرح الأسئلة الجدية على قواعد المشروعية السياسية، وحقيقة أم زيف التمثيل السياسي الحالي، وصلاحية القوى الفعلية في إدارة البلاد.  أي إنتقل من صرخة ألم إلى تطلع جدي لقواعد انتظام مختلف وشروط حياة جديدة.

لا يشك أحد أن ضخامة وإصرار المشهد الجديد أربك أهل السلطة، وعرى تسوياتهم المشبوهة في تقاسم غنائم الدولة، وفتح ملف الفساد على مصراعيه، وبات الفاسدون يُسمَّون بالأسماء لا بالتلميح. بل أرغمهم هذا الحراك على أنهاء شكل حكمٍ يقوم على المحاصصة، وعلى تكثيف جهدهم (أي قوى السلطة) في تشكيل حكومة إنقاذ على خلاف العرف التوافقي الذي رسخ بينهم. 

هذا يعني أن الحراك بات معطى جديد في لعبة الصراع والتجاذب والاصطفاف ومسار اتخاذ القرار السياسي، فلم يعد الحكم حكراً على نخبة مقفلة وحصرية تعيد إنتاج نفسها منذ اتفاق الطائف، ولم تعد نتائج الإنتخابات الأخيرة مصدر مشروعية المتنفذين، بحكم أن العمق الشعبي والكثيف للحراك أبطل هذه المشروعية، أو بأقل تقدير وهّن هيبتها وأبطل صلاحيتها.

إقرأ ايضاً: “أحد الغضب” للحد من ترشيح الخطيب !

طموح الحراك هو تغيير الطبقة السياسية كلها، وهذا يتحقق بتغيير قواعد اللعبة، أي القواعد التي تنتج هذه الطبقة وتعيد إنتاجها باستمرار.  بيد أن هذا الطموح يندرج ضمن أفق زمني وبمسار تغييري ليس بالسهل. فالقوى المتنفذة حاضرة ومجهزة بكل أنواع الفتك الخشن والناعم، ولن تتنازل بمجرد مطلب شعبي أو احتجاج جماهيري كاسح.  لنتذكر أن حياتنا السياسية (في لبنان والعالم العربي) لا تحكمها قيم الديمقراطية أو شفافية دولة القانون، بل رافعتها الضمنية ذهنية الغلبة ونمط الحكم التشاركي الذي لا يعير بالاً للتعبير الشعبي بقدر ما يختزل المجتمع بحزمة قليلة من الوسطاء والوجهاء والمتنفذين. 

هذا يعني أن الحراك يحتاج إلى الإنتقال من مرحلة المطالبة والاحتجاج، أي الانتقال من السلب الذي يلقي مسؤولية التغيير والإصلاح على غيره، إلى مرحلة الإيجاب التي تعتبر التغيير والإصلاح مسؤولية الحراك (أو الثورة) ومهمته الجديدة. أي من حالة التعبير عن السخط إلى حالة صناعة الواقع وإبتكاره وهندسته.  والفرق بين الوضعيتين، أن الاحتجاج يلقي مسؤولية الحل على قوى السلطة، ويكاد في بعض الأحيان يستجدي التفاتتهم وعنايتهم واستجابتهم، في حين أن مسعى التغيير الفاعل والمبدع هو مسؤولية الحراك نفسه وأولويته الأولى، وتحقيقه مشروع ملقي على عاتقه. لنتذكر أن قوى السلطة الحالية تراهن على تشتت الحراك طالما أنه يحتفظ بحالته الهلامية وصوره الاحتفالية، التي تقتصر على الاحتجاج والمطالبة، من دون التقدم خطوة إلى الأمام بالإنتقال إلى مستوى أداء أكثر ابتكاراً وإبداعاً.

بذلك ينتقل السؤال من: ماذا على السلطة أن تفعل لتغير؟ إلى: ماذا على الحراك فعله وممارسته لتحقيق التغيير؟  هو سؤال يفرض نقلة نوعية في بنية وأشكال التجمع وأنماطه وصور الأداء والخطاب. ويفرض على الجميع التفكير في المقدمات التي يجب توفرها لإنجاز النقلة النوعية في مراحل تطور ونضج وفاعلية الحراك.  هي نقلة تفرض على جميع المتابعين والمؤمنين بضرورة التغيير التدبر والتفكر الجدي في أمرين أساسيين:

أولهما أن يتخذ الحراك جسماً تنسيقياً يوحد الأداء والتوقيت واللغة والأولويات ويحقق تناغماً في الإيقاع والخطاب، ويصوغ آليات نقاش داخلي وقواعد تنسيق وأصول تمثيل أو تفويض أو تعبير رسمي.  جسم يُبقي في الوقت نفسه تنوعاً في أوجه التعبير والعفوية والصراحة التي تصدر عن الجميع، وسعة ورحابة وليونة في الإنتماء إلى هذا الجسم، حيث يكفي أن يمارس كل فرد فيه وطنيته ويظهر ايمانه بضرورة إيجاد شروط سياسية لحياة إنسانية كريمة.  هذا لا يعني البتة بناء تنظيم ذي هرمية حديدية، فالتجارب الحزبية التي اختبرناها في مجالنا العربي، انتهت بأصحابها وتابعيها إما إلى طوباوية منفصمة عن الواقع، أو مركزية استبداد مدمرة وشخصنة متألهة.

ابتكار هذا الجسم يحقق للحراك أمرين:

أولاً:  تعميق التفاعل بين وجوه الحراك وفاعلياته وجمعياته، بحيث يضيق هامش الاختراق أو سوء الاستعمال أو التقدير الفردي أو العمل التفردي من جهة، ويقلص الفجوات والمسافات بين مكونات الشعب اللبناني من جهة أخرى، بحيث يتشكل إثره مزاج متقارب وتتكثف التوجهات والآراء والميول عند نقاط التقاء جوهرية، يسهم في بناء رأي عام ضاغط وفاعل ومؤثر.

وثانياً: إيجاد دينامية مجتمعية تولد لنفسها آليات تعبير واستراتيجيات ضغط وإمكانات تعبئة وتحريك، تمهد لمواطنية فعلية تعمق وعي الناس بالشأن العام وتوفر لديهم أدوات ومهارة الانخراط والتأثير فيه، ما يمهد بفعل تراكمي شراكة فعلية للمجتمع في صناعة القرار، وينقل ممارسة السلطة والقرار العام من حصره بنخبة سلطة ورموز قيادية لا تتجاوز عدد أصابع اليد، إلى أن تكون ثمرة تفاعل دائري (فعل وتغذية عكسية) بين السلطة والمجتمع نفسه.

ثانيهما: إنتاج استراتيجية تتحدد فيها الأولويات، ومنطلقات التغيير المفصلية، تلخص تطلعات عموم الناس وآمالهم طموحاتهم، وتظهر ملامح جمهورية ثالثة، لا تقتصر على تغيير قواعد ممارسة السلطة وآليات إنتاجها، وإنما تخلق وضعيات وترتيبات قانونية ودستورية وثقافية تحدث تغييراً في الذهنيات وأشكال التضامن الاجتماعي وأصول الولاء السياسي.  فالجمهورية الجديدة، ليست مجرد إجراء تقني يعدل أو ينتج شذرات دستورية ونثريات قانونية، بل هي انتقال بالمجتمع نفسه وتغيير جذري في بنى ووظائف انتظامه العام.

إقرأ ايضاً: ثورة 17 تشرين _ المقاومة السلمية: حان وقت السياسة !

تتأكد ضرورة الجمهورية الثالثة، بعد وصول اتفاق الطائف ودستوره إلى إشباعه الأقصى، وكشفه عن تناقضات هائلة وغموض مدمر وملتبس في إدارة وتسيير الحياة العامة في لبنان، لم يعد بالإمكان إصلاحه، لأنه تأسس على ذهنية إنهاء الحرب الأهلية في لبنان، والتوفيق بين التناقضات القائمة من دون أي مسعى لحلها أو التركيب الخلاق بينها، ما جعله ثمرة قوى الأمر الواقع حينها، المحلية والإقليمية والدولية، وعلى قاعدة مراعاة حقوق الطوائف وإحداث معادلة توازن هشة بينها، ولم يتأسس على أفق تأسيس دولة كاملة السيادة والفاعلية، ولا على الشرط الإنساني الذي يلحظ الفرد بصفته إنساناً ومواطناً، بل كان مجرد كائن عرضي داخل بنية طائفية جوهرية وأزلية.  

إنتاج استراتيجية واضحة، يسهم في وضوح آليات العمل السياسي وتحديد مراحله وأولوياته، ويولد خطاباً سياسياً ذي وجهة تصويبية، يكشف مواطن العطب والخلل ويُرشِّد الفعل السياسي والجهد الإصلاحي. هي مرحلة لا تنهي وجوه التعبير العفوي والمتعدد الذي أطلق الحراك وكان شرارته الأولى، بل تُحوِّلُ التعبير الشعبي إلى فكرة ذكية وهندسة سياسية وفعل تغييري مبتكر وأداء مُعقلن. بالتالي يصبح أكثر فتكاً وأشد تأثيراً وأعمق نفاذاً في مفاصل الحياة العامة الظاهرة والخفية. 

لم يعد العبور إلى مرحلة الابتكار والمجابهة السياسية الفاعلة أمراً يحتمل التأجيل. هي ضرورة يفرضها فعل التغيير نفسه، الذي لا يكتفي برد الفعل أو التعبير عن السخط، ومطالبة قوى سلطة باتت منفصمة عن الواقع وخارج التاريخ، بل فعل تغيير يخلق واقعه ويبتكر قيمه.  علينا جميعاً أن نعرف، أن الواقع السياسي، بحسب تعبير توماس هوبز، كائن صناعي، أي هو فعل إبداع وتركيب وابتكار وصناعة وفن خلاق، تقف خلفها إرادة أفراد أحرار ومتساوون وعقلاء.

الثورة الآن بحاجة أن تنتقل من مرحلة ثوار في مواجهة سلطة، إلى مرحلة ثوار ينتجون ثورتهم، أي مرحلة ثوار في مواجهة أنفسهم.   

السابق
« أحد الغضب» للحد من ترشيح الخطيب!
التالي
بالفيديو: حراك صيدا «يستعيد» منتزه الكنايات