أوقفَ محادثات الدستور بدل انهيار الليرة.. النظام السوري على شفير الإفلاس

الليرة
توقفت إذاً المفاوضات إثر تعنت النظام ولكن المستعرض لقوته الوهمية دولياً لم يتمكن من إيقاف انهيار العملة المحلية للبلاد وسط استغاثة المواطنين من دخول سوريا موسم الشتاء الأشد فقراً

أربعة أيام متواصلة من الجدل تحت قبة الأمم المتحدة في جنيف، قابلها انهيار شاقولي للأسفل في العملة السورية، فحيث لم تفلح في جهود غير بيدرسون في استئناف المفاوضات بين أعضاء اللجنة الدستورية المتفق عليها من قبل المجتمع الدولي والممثلة للنظام والمعارضة والمجتمع المدني بشكل متساوٍ، أطلق الشعب صرخته من نذير الجوع والصقيع.

الرواية الكاذبة

وبينما حاول النظام السوري إيهام المواطنين بأنه دخل في طور التعافي وبدأ التفكير جدياً بمرحلة إعادة الإعمار، طوت سنة 2019 نفسها دون أي تقدم اقتصادي ظاهر في السوق السورية سواءً على صعيد الاسثمارات المالية أو تحسن سعر الصرف، ورغم أن النظام استرجع ضمن اتفاقيات إقليمية برعاية حلفائه معبري “نصيب” مع الأردن و “البوكمال” مع العراق، إلا أن ذلك سهلّ حركة عبور المسافرين فامتلأت شوارع العاصمة بالسيارات الأردنية واللبنانية دون ملاحظة الانتعاش الاقتصادي.

وهنا زعم النظام بأنه عاد للانفتاح باحثاً عن أسواق بديلة، فمنح الحليف الإيراني المساحة الأكبر للاستثمار في معرض دمشق الدولي وأعاد استضافة دول محور “البريكس” الناشئة لمواجهة السوق الغربية، ومع السعي لإظهار العاصمة خالية من المظاهر المسلحة بتدخل روسي وتقنين دور الميليشات التابعة للنظام. جاء زيف الرواية بانهيار العملة بشكل قياسي إلى أكثر من 30% من قيمتها خلال شهر ونيف من الحراك الثوري في الجارة الأقرب لبنان.

جفاف المنبع

وذكر تقرير لـ “رويترز” عن لقاءت مع تجار ورجال أعمال سوريين أن أزمة لبنان كانت العامل الأبرز للانهيار المالي في سوريا، مع تأكيدات خبراء اقتصاديين أن احتياطات النقد الأجنبي في البنك المركزي السوري هي في الحد الأدنى، لذلك ربما لم يعد بإمكانه القدرة على التدخّل أو المساهمة في حلّها.

إقرأ ايضاً: بالفيديو.. «حزب الله» يستعرض دولاراته من أجل «تعويم» الليرة!

وأوضح التقرير بأن التدفق المالي لسوريا يعتمد، الذي تحجبه عقوبات غربية عن النظام المالي العالمي، على الروابط المصرفية مع لبنان للإبقاء على أنشطة الأعمال والتجارة منذ تفجرت الحرب في البلاد قبل أكثر من ثمانية أعوام. لكن في الوقت الذي تفرض البنوك اللبنانية قيودا مشددة على سحوبات العملة الصعبة والتحويلات النقدية إلى الخارج، يتعذر وصول أثرياء سوريين إلى أموالهم.

وبحسب ثلاثة رجال أعمال وخمسة مصرفيين في دمشق وفي الخارج، فإن تدفق الدولارات إلى سوريا من لبنان شبه متوقف. وقد قال مصرفي لبناني بارز يتعامل مع حسابات أثرياء سوريين : “تلك الودائع حبيسة الآن. يمكنك تصور تبعات ذلك التي تبدأ بالظهور على السطح في الاقتصاد السوري”.

الليرة السورية تنهار امام الدولار
الليرة السورية تنهار امام الدولار

طرق السيولة مقفلة

وقال رجال أعمال ومصرفيون لـ”رويترز” إن من المعتقد أن لدى سوريين أثرياء ودائع بمليارات الدولارات في البنوك اللبنانية. والفوائد التي تدفع على ودائع السوريين في لبنان وتحول إلى داخل البلاد هي مصدر مهم للدولارات للاقتصاد.

ومع عدم قدرتهم على تحويل الدولارات مباشرة إلى سوريا، يلجأ السوريون خارج منطقة الشرق الأوسط إلى النظام المالي اللبناني كقناة لإرسال أموال إلى أقاربهم تقدر بمئات الملايين كل عام، وهي القناة التي تضررت أيضا.

إقرأ أيضاً: الليرة السورية «تنهار».. النظام يراوغ والشعب يئِن

وقال خليل توما، رجل الأعمال السوري لرويترز: “كان السوريون الذين يعتمدون على فوائد ودائعهم ينفقون بعضها داخل سوريا. هناك آلاف توقفوا الآن عن جلب دولاراتهم من لبنان، وهو ما يقلل المعروض من الدولارات.”

وقال رجلا أعمال إنه في مسعى لدعم الليرة السورية، التمست السلطات الدعم من رجال أعمال أثرياء موالين للأسد في تشرين الاول، طالبة منهم إيداع أموال في مصرف سوريا المركزي وهو ما عرف باجتماع الشيراتون الشهير. لكن ذلك كان أقل بكثير من أن يحدث تأثيرا، وتم تشديد القيود أيضا على سحوبات الليرة السورية في مسعى لكبح تحويلها إلى دولارات.

«طالع للألف»

تندراً على الوضع المزري الذي وصلت إليه العملة المحلية وكون السوق السورية كانت تسمّي الدولار بـ”الأخضر” في عهد الأسد الأب، ليصدر بشار في عهده ورقة نقدية من فئة الألف ليرة سورية ذات لون أخضر أيضاً، لجأ ناشطو مواقع التواصل الاجتماعي للمقارنة بين الورقتين “1 دولار مقابل 1000 ليرة” وأنهما باتتا بحكم المتساويتين بعد أن وصل سعر الصرف مقابل الدولار الواحد إلى 800 ليرة سوريّة.

وأدى تراجع سعر صرف الليرة السوريّة مقابل الدولار الأميركي، لارتفاعِ أسعار المواد والخدمات. لاسيما أن هذا التراجع الكبير هو الأول من نوعه منذ سنوات.

ويواجه السوريون في مختلف أنحاء البلاد، صعوباتٍ كبيرة في تأمين مستلزماتهم خاصة الغذائية وكذلك المتعلقة بفصل الشتاء كمواد التدفئة والمحروقات إلى جانب المواد الطبية والأدوية المستوردة، في حين أن حكومة النظام أصدرت مرسوماً يقضي بزيادة رواتب موظفيه من المدنيين والعسكريين، وهذه الزيادة تقدر بنحو 26 دولاراً أميركياً.

الليرة السورية
الليرة السورية

كلٌّ على ليلاه

سوق أخرى باتت حديث المنطقة بعدما عادت منطقة شمال شرق سوريا للواجهة إثر التدخل التركي والنزاع الروسي- الأمريكي على النفوذ في أماكن تواجد حقول النفط السورية. وهناك تأثرت الإدارة الذاتية للمناطق الكردية بويلات انهيار العملة في دمشق، فعطفاً على زيادة النظام لرواتب موظفيه، أقدمت الإدارة الذاتية في طور مراوغتها بالعلاقة مع دمشق على زيادة في الرواتب لموظفيها العسكريين والمدنيين على حدّ سواء، تتراوح بين 15 إلى 35% من قيمة رواتبهم.

وقال خبير اقتصادي لـ”العربية.نت”: “يمكن الوصول إلى تفاهمات مع دمشق عبر العمل على تامين احتيجات المدن الكبرى في مناطق النظام من قبل الإدارة الذاتية، حيث أن  الثروات المختلفة والمتنوعة في مناطق الإدارة ستدعم الاقتصادي المركزي في دمشق، كما أن التفاهم السياسي بينها وبين النظام، سيفتح المجال أمام إعادة الإعمار والاستثمارات، وهذا ما سيؤدي لضخ الأسواق المحلية بالعملات الصعبة”.

ويذكر أن الإدارة الذاتية تعتمد في تأمين القطع النقدي من العملة المحلية والعملات الأجنبية، على بيع النفط “بشكلٍ محدود”، بالإضافة للثروات الحيوانية وتصديرها إلى العراق وإقليم كردستان، إلى جانب الحبوب والقطن ومنتجات زراعية أخرى. وقد توقف تصدير النفط للشمال السوري بعد التدخل التركي وسيطرته على مدن جرابلس والباب واعزاز وعفرين وكذلك إدلب.

صقيع العيش

أمام شتاء لم يكشف عن مدى قسوته، تلقى السوريون صفعة قاسية من النظام حيث عاد التقنين الكهربائي إلى ساعات طويلة مع شح بالفيول والوقود، علاوة على تفلت بالأسعار نتيجة عدم قدرة المصرف المركزي على إيقاف انهيار الدولار، فسوريا اليوم التي تنام على أسعار وتفيق على أخرى بُليت بنظام يكذب حتى في نشرة أخبار الطقس على شاشته الرسمية.. فهل انتهت اللمعارك في سوريا وبدأت الحرب الكبرى “الإفلاس”؟!

السابق
غموض يكتنف مساعي التأليف والتكليف..ومصادر الحريري تتكتم
التالي
إنجاز اغترابي جديد بتوقيع جرّاح أعصاب لبناني في كندا!