سعد الحريري.. المنتفض على نفسه!

سعد الحريري

… بإعلان الرئيس سعد الحريري عزوفه عن ترؤس الحكومة الجديدة يكون بذلك قد تماهى مع إنتفاضة الناس في الشوارع، منتفضا بذلك على نفسه أولا بعد مسيرة ثلاث سنوات من التسوية الرئاسية التي أوصلت ميشال عون إلى الرئاسة الأولى.

فالمراقب لتطور الأحداث منذ عقد التسوية الرئاسية حتى اليوم يلاحظ أن سعد الحريري كان الخاسر الأكبر منها شعبيا وسياسيا، بحيث تعرض في هذه السنوات إلى أشد الحملات السياسية والضغوطات سواء من بيئته نفسها أو من طرف شركائه في التسوية وبالأخص من رئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل ناهيك بالشركاء الآخرين في الحكومة بحيث كان كلما إختلف طرف مع باسيل يصب جام غضبه على الحريري في مفارقة غريبة وهكذا بدا الحريري وكأنه الحلقة الأضعف في تركيبة الحكم وقد إنعكس ذلك بشكل واضح وجلي في نتائج الإنتخابات النيابية الأخيرة التي تمت وفق قانون جديد كان كفيلا بجعل كتلته النيابية تخسر حوالي نصف عددها ليتحول الفارق ويصب في حصة جبران باسيل.

اقرأ أيضاً: الحريري يقاوم بالإقالة والإستقالة من 7 أيار إلى 17 تشرين

في بداية العهد كانت حكومة الحريري الأولى من أيسر الحكومات ولادة وأسرعها بحيث حل العام 2017 على اللبنانيين وقد كانت حكومتهم جاهزة وكان أن بدأ الحريري إتصالاته مع الدول الصديقة للبنان لتثمر جهوده عن إنعقاد مؤتمر سيدر الذي تعهد بمساعدة لبنان بحوالي 11 مليار دولار كإستثمارات وقروض بفوائد مخفضة وبعض الهبات مشروطة بسلة إصلاحات هيكلية للإقتصاد والقوانين اللبنانية ، وفي الداخل عكفت الحكومة على مناقشة مسودات عدة لقانون الإنتخابات النيابية التي كان من المقرر إجراؤها في شهر أيار من العام التالي كما قامت ببعض التعيينات لسد الشواغر في مراكز الدولة الخارجة من فراغ رئاسي دام لأكثر من عامين.

في هذه الأثناء كانت الأوضاع الإقليمية تتأزم سواء في سوريا حيث بدأ النظام بمساعدة كل من روسيا وإيران وميليشياتها المختلفة بإلتقاط أنفاسه وبإستعادة مواقعه على الأرض، أو في اليمن حيث الصراع السعودي الإيراني على أشده بعد عامين على إنطلاق عملية عاصفة الحزم المدعومة بتحالف عربي – إسلامي والتي كان واضحا أنها فشلت في إعادة الأمل والشرعية اليمنية إلى صنعاء، ناهيك عن إنفجار الأزمة الخليجية التي تمثلت بحصار بعض دول الخليج بزعامة السعودية وكذلك مصر لقطر مما عقد الأوضاع أكثر في المنطقة ، كل ذلك ترافق مع إدارة أميركية جديدة في البيت الأبيض بقيادة دونالد ترامب كان في رأس أولوياتها إنهاء الإتفاق النووي المبرم مع إيران والمعروف بإتفاق خمسة + واحد ما وضع المنطقة على فوهة بركان.

في هذه الأثناء وفي ظل هذه الظروف تم إستدعاء الرئيس الحريري على عجل إلى السعودية حيث فاجأ العالم ببيان إستقالة الحكومة اللبنانية مبررا هذا بضغوطات يتعرض لها من حزب الله وبكلام عن كشفه محاولة لإغتياله في لغة وإسلوب بعيدين كل البعد عن لغة وأسلوب الرئيس سعد الحريري في التخاطب والممارسة السياسية الأمر الذي أثار الشكوك بالنسبة إلى وضعه في المملكة العربية السعودية خاصة أن ظهوره ترافق مع حملة في السعودية على ما وصف بالفساد طالت عددا كبيرا من كبار القوم في العائلة الحاكمة حيث اعتقلوا في فندق الريتز كارلتون في الحادثة الشهيرة. وإجتمعت عدة عوامل وتشكلت الحكومة بعد حوالي التسعة أشهر وهو الأمر الذي أضاع الكثير من الوقت على لبنان واللبنانيين بينما كان الوضع الإقتصادي والمالي يتجه نحو الهاوية بعلم جميع الأفرقاء السياسيين الذين إستمروا في مناكفاتهم وصراعاتهم التي كانت تأكل من رصيد الحكومة الجديدة فكان أن ضاعت الثقة أكثر فأكثر ودخل البلد في نفق مظلم مع إستمرار حزب الله أيضا في تهجماته على السعودية ودول الخليج على خلفية حرب اليمن ما زاد من تفاقم الأوضاع التي كان الحريري ضحية لها بحيث كما ذكرنا سابقا بات يحارب على أكثر من جبهة ليرد عنه السهام السياسية وخاصة من بيئته التي باتت تتهمه بالضعف والإستسلام أمام باسيل وتصرفاته وإفتئاته هو والرئيس على صلاحيات رئيس الحكومة، وكذلك من شركائه في الحكومة كالقوات اللبنانية والحزب التقدمي الإشتراكي لنفس الأسباب وكأنهم كانوا يريدون من الحريري أن يخوض معاركهم مع جبران هو الذي كان يحاول من وجهة نظره على الأقل وفي ظل ظروف إقليمية ودولية غير مؤاتية مع فرض المزيد من العقوبات الأميركية على حزب الله وما جرته هذه الإجراءات من تداعيات على القطاع المصرفي اللبناني وما قضية بنك الجمال إلا بداية لها، كان يحاول تدوير الزوايا ويتحمل الأمرين في سبيل إنقاذ السفينة المشرفة على الغرق بعلم الجميع في الوقت الذي كان البعض في بيئته المذهبية والسياسية يزايد عليه ويطالبه بإنتفاضة وقلب الطاولة على الجميع، إلى أن كانت القشة التي قصمت ظهر البعير لدى دراسة موازنة 2020 والتي حاولت وضع ضرائب جديدة فكانت إنتفاضة الشارع التي تحولت اليوم إلى ثورة تطالب برحيل كل الطبقة السياسية والمكونة لهذه السلطة بما فيها سعد الحريري نفسه الذي كان ولا يزال الأقرب إلى نبض الشارع ومطالب الناس بينما لا تزال الأطراف الأخرى تعيش حالة إنكار للواقع الجديد كما وصفها في بيانه الأخير والذي كان قمة إلإنتفاضه على نفسه أولا والتي كان قد بدأها يوم إستقالته، ومع ذلك لم يسلم من الإتهامات والتخوين والضغوطات التي تمثلت بالهجوم على الثوار في الساحات في الغزوة الأولى عندما تأكد لهم بأنه سيستقيل في محاولة منهم لثنيه عنها، وتكررت في اليومين الماضيين عندما تأكد لهم أيضا بأنه لن يمشي بالحكومة كما يريدونها فكانت غزوة الرينغ وصور تبعتها غزوات لبعلبك ومحاولات ضد عين الرمانة وغيرها ما يضع البلاد على عتبة حرب جديدة يريدونها بديلا لهم عن الإستماع لنبض الشارع والناس التي طفح بها الكيل بعد سنين من الصبر والمعاناة من تصرفاتهم وعنجهيتهم ولا مبالاتهم بهموم الناس وشجونها.

اقرأ أيضاً: جنبلاط ينبّه من «حراك» مؤلف كتاب «الأسد».. وكليب «يُعايره» بالإشتراكية

لا شك بأن الحريري يتحمل جزءاً لا يستهان به من المسؤولية عن الحال التي آلت إليها الأوضاع بصفته رأس السلطة التنفيذية، وربما كان عليه فعلا أن ينتفض قبل اليوم ويضرب على الطاولة ويصرخ في وجه شركائه في السلطة، وربما كان عليه أن يتوجه إلى الناس مباشرة ويصارحهم بالحقيقة ويدعوهم لمساندته، ربما كان عليه فعل كل هذا وهنا تكمن مسؤوليته، ولكن الأكيد أيضاً بأنه ليس المسؤول الوحيد وربما كانت له أسبابه في الصبر على هذا الوضع الشاذ والذي جاءت الثورة لتحرره منه بحيث بدا واضحا منذ بداية الحراك بأنه كان متفهما ومتناغما مع مطالب الشارع وكأنه كان ينتظر الفرصة والدعم للضغط بإتجاه تغيير المقاربات المتبعة في الممارسة السياسية. ومع ذلك كل هذا لا يعفيه من المسؤولية السياسية والمعنوية التي ترجمها الحراك والثورة بجملة مختصرة ومعبرة  “كلن يعني كلن”، من هنا نبدأ وبعدها لكل حادث حديث.

السابق
بالفيديو.. محتجّون أمام مصرف لبنان رفضاً للإبتزاز!
التالي
الطفيلي يُعرّي «الثنائي الشيعي»: يحمي الفساد ويخدم إيران!