السلطة و«الثورة المضادة».. على الطائف !

الحراك الشعبي
مرحلة ما بعد ثورة 17 تشرين الأول تتطلب تطبيق اتفاق الطائف، وإلا فالآتي أعظم!

كشفت الثورة التي إندلعت يوم 17 تشرين الأول في لبنان ، مواقف وأهداف هذه الطبقة السياسية البعيدة كل البعد عن الهم المعيشي لغالبية الشعب اللبناني بحيث يمكن إختصار المشهد القائم بأنه الصراع على الطائف والذي فعليا لم يتوقف منذ بدء تطبيق هذا الإتفاق الذي تم الإنقلاب عليه منذ البداية عندما لزمت القوى الإقليمية والدولية لبنان والطائف للنظام السوري مكافأة له على دوره في حرب الخليج الأولى حرب تحرير الكويت وعلى مشاركته بمحادثات مدريد للسلام . الواقع أن المراقب والمتابع لمواقف الأطراف السياسية ومقاربتها لمطالب الثورة الشعبية التي نتجت عن الوضع الذي وصل إليه البلد جراء هذا الإنقلاب على الطائف على مدى ثلاثين عاما ، يلاحظ أن كل طرف سياسي يسعى للإستفادة من الوضع لتكريس موقعه وتطبيق سياسته البعيدة كل البعد عن روح هذا الإتفاق . 

في هذا المشهد نجد ثلاثة نماذج من الممارسات، الأول نموذج التيار الوطني الحر الذي ما فتئ منذ عودة زعيمه من المنفى الفرنسي عام 2005 يسعى لإسقاط إتفاق الطائف ويعزف على وتر ما يسميه إستعادة حقوق المسيحيين الذي يرى بأن الطائف قد سلبهم بعضها خاصة على مستوى صلاحيات رئيس الجمهورية الماروني رغم تكريس الطائف لهذا الموقع للطائفة المارونية ، وقد نجح في إستغلال هذا الأمر وبناء شعبيته عبر شد العصب المسيحي مستفيدا من الصراع السني – الشيعي الذي إنطلق بعد جريمة إغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري التي سمحت للمفارقة بعودة العماد عون من المنفى وخروج الدكتور سمير جعجع من السجن بفعل ثورة الأرز التي نجحت بدعم من المجتمع الدولي بإخراج القوات السورية من لبنان بعد ثلاثين عاما من الوجود ” الشرعي والضروري والمؤقت ” حسب مصطلحات ذلك الزمان .

إقرأ أيضاً: بين سياسة عض الأصابع وصراخ البلد!

 الصراع السني – الشيعي إستغله التيار الوطني الحر لإقامة تحالف مع حزب الله عبر ورقة التفاهم بينهما في 6 شباط 2006 ، مستغلا حاجة حزب الله لغطاء مسيحي لسلاحه وسياسته في فترة ما بعد خروج القوات السورية من لبنان ، وهو الدور الذي قام به بنجاح التيار إبان حرب 2006 التي إنتهت بإنتصار سياسي ومعنوي كبير لحزب الله الأمر الذي سمح له بإستعادة زمام المبادرة وصرف هذا ” الإنتصار ” في السياسة الداخلية عبر تعطيل الحكومة والدولة وصولا إلى ” الإنقلاب ” عليها في 7 أيار 2008 الذي نتج عنه إتفاق الدوحة ” المؤقت ” أيضا الذي بات دائما كما هي حال كل مؤقت في لبنان والذي سمح بدخول التيار الوطني الحر إلى جنة السلطة ومن ثم إلى الحكم بدعم وفرض من حزب الله الأمر الذي سمح له بمتابعة سياسته بتفريغ الطائف من محتواه عبر التطاول على صلاحيات رئيس الوزراء مستفيدا أيضا من إتفاق التسوية الذي عقده مع سعد الحريري تحت ضغط الفراغ الرئاسي عام 2016 ، وهي السياسة المستمرة والتي يحاول تكريسها اليوم مستغلا الثورة وإستقالة الحكومة وهو ما يبدو واضحا في تأخير الإستشارات النيابية الملزمة التي يلحظها الطائف وقيامه بمشاورات هي في الأصل من صلب صلاحيات ودور رئيس الحكومة ، ضاربا عرض الحائط بالدستور بشكل يعيدنا إلى ما قبل حرب 1975 وهو الأمر الذي يمكن أن يودي بالبلد في هوة الصراعات مجددا . 

النموذج الثاني

هو نموذج حزب الله وحليفه فيما يسمى الثنائي الشيعي وهو حركة أمل ، الذي يسعى بمقاربته للأمور بعد الثورة إلى تكريس إتفاق الدوحة الذي أعاد تطبيق الطائف لمرحلة ما قبل 2005 بفارق أن المايسترو الجديد هو حزب الله وبالتالي راعيه الإقليمي إيران بدلا عن النظام السوري وهو الأمر الذي يريد حزب الله المحافظة عليه لذلك يرى في الثورة محاولة للإنقلاب عليه والتماهي مع الضغوطات والعقوبات الأميركية بحقه ، ولو كان هذا على حساب كل شعاراته في مناصرة الضعفاء والذود عن المحرومين ومحاربة الفساد الذي تتضرر منه كغيرها بيئته وناسه وهو الأمر الذي وضعه في حرج عظيم خاصة وأن الناس في مناطق نفوذه مع شريكه في الثنائي قد إنتفضت رغم كل المضايقات والإعتداءات والترهيب الذي تعرض له البعض ومحاولات التعتيم الإعلامي على ما يجري ما جعله يطرح بعض الوعود والإجراءات على لسان أمينه العام شخصيا في محاولة لإقناع الناس نظرا لصدقيته لدى غالبية مناصريه الذين لم يعودوا يصدقون الشعارات الإنتخابية وهم يرون ويسمعون عن ممارسات الوزراء والنواب المشاركين بالسلطة ، بينما هم يتأثرون بالمعاناة التي يعيشها الشعب اللبناني وخاصة وأن سيف العقوبات مرشح لأن يصل تقريبا إلى عنق كل مناصر له وما قضية بنك الجمال الأخيرة سوى مؤشر .

النموذج الثالث

هو نموذج المستقبل والقوات اللبنانية والحزب الإشتراكي أو ما كان يسمى بقوى 14 آذار ، وقد يكون هذا النموذج الأقل ضررا ولكنه ليس بالنموذج الجيد ، هؤلاء يريدون العودة إلى الطائف ولكن على الطريقة السعودية ربطا بالصراع في المنطقة والإقليم بين السعودية وإيران مع المحافظة على مكتسباتهم في السلطة التي شاركوا بها بإستثناء ربما القوات اللبنانية التي لم ينلها القسط الكبير من هذه المكتسبات لكونها كانت خارج السلطة أيام الوجود السوري ، ودخلت بعده في صراع مع ” الشقيق اللدود ” التيار الوطني الحر على المكتسبات بعد أن أخل رئيس التيار جبران باسيل بتعهداته وأفرغ إتفاق معراب من مضمونه الذي كان ينص على تقاسم المراكز المسيحية في السلطة ، لتأتي اليوم وتحاول عبر مشاركة مناصريها في الثورة تصحيح الخلل ومحاولة تحسين مواقعها .يبقى نموذج الثورة التي تطالب بتغيير هذه الطبقة السياسية الفاسدة عبر شعار كلن يعني كلن وهو شعار قد يراه البعض غير عادل ، ولكن منطق الأمور يقول بأن هذه الطبقة قد فشلت في ممارستها للسلطة بكل أطيافها وإن بنسب متفاوتة وقد أوصلت البلد إلى الحضيض بممارساتها السياسية والإقتصادية والإجتماعية بحيث أن الوضع أصبح لا يطاق ، فهذه الطبقة فيها الفاسد أخلاقيا والعميل سياسيا والفاشل عمليا ومنها من تجتمع فيه كل هذه الصفات ، ومع ذلك يكابرون ويستمرون في غيهم ويحاول كل منهم وبدلا من محاولة سماع صوت الناس ومعاناتها ومحاولة إيجاد الحلول المرحلية التي تعيد الثقة للمواطنين ببلدهم ، يحاولون ركوب موجة الثورة والمطالب المحقة للناس سعيا وراء تعويم أنفسهم وتنفيذ أجنداتهم والكيد السياسي لبعضهم البعض بغية الحفاظ على مكاسبهم التي حصلوا عليها من قوت الشعب وصحته وتعليمه دون أدنى إحساس بالمسؤولية .

المطلوب اليوم هو العودة إلى روح ونصوص إتفاق الطائف الذي لا بديل عنه في الوقت الحاضر، ومحاولة تطبيقه جديا كما هو حسب بنوده وحسب ما تقتضي مصلحة لبنان واللبنانيين لا كما تقتضيه المصالح الخارجية ، فهذا الإتفاق يحتوي على بنود وطروحات جيدة وتفي بالغرض إذا ما طبقت بنزاهة وإخلاص بعيدا عن الحرتقات السياسية ، وبإحترام كل سلطة لنفسها دون تنمر وتغول على غيرها من السلطات ، وليكن الصراع السياسي صراعا على التطبيق السليم للدستور ومقتضياته والبعد عن البدع السياسية التي أنتجها التطبيق السابق كالديمقراطية التوافقية وحكومات الوحدة الوطنية التي عادة ما تشكل في ظروف خاصة وليس بصورة دائمة وغيرها من البدع التي ساهمت بفساد الحياة السياسية التي بدورها أفضت وشجعت الفساد الإقتصادي والمالي وكل أنواع الفساد الأخرى ، وليكن هناك تداول حقيقي للسلطة نابع من التطبيق الصحيح للديمقراطية بحيث يحكم من يحوز على الأغلبية ويكون هناك معارضة قوية تراقب وتحاسب كما هو متفق عليه في كل الدول المتحضرة .

من هنا نقول ونؤكد بأن المطلوب والحل في هذه المرحلة هو تطبيق الطائف اللبناني بكل نزاهة وشفافية ، وإلا فالآتي أعظم .                  

السابق
ما صحة توقيف العقيد جان غنطوس؟
التالي
الجوكر والمليار دولار!!