تحديات ما بعد الخديعة

العراق لبنان

اكتشف العراقيون، كما اكتشف اللبنانيون قبلهم، أنهم يعيشون خديعة كبرى تحت وهم ديمقراطية مزيفة فُرضت عليهم من الخارج، هى “الديمقراطية النسبية” أو “الديمقراطية التوافقية” التى ترهن القرار الوطنى لإرادة حفنة من المتحكمين بالطوائف السياسية والجماعات العرقية المدعومين من الخارج والتى استطاعت، ومن خلال مبدأ “المحاصصة السياسية” التى منحت لأبناء الطوائف الدينية والتكوينات العرقية، أن تفرض سيطرتها على الثروة والسلطة فى البلدين.
عاش اللبنانيون هذه الخديعة منذ الاستقلال عام 1943، لكن العراقيين عاشوها حديثاً مع سقوط الدولة العراقية وتدمير قدراتها الإستراتيجية والاقتصادية بالغزو والاحتلال الأمريكى البغيض عام 2003، وهو الغزو الذى جاء تحت شعار “إعادة تقسيم الدول” وتأسيس “دويلات طائفية وعرقية بديلة”.

اقرأ أيضاً: أيها الساسة تعلموا من ياسرعرفات

كان المطلوب من خلال الدستور العراقى الجديد إلغاء العروبة كهوية للعراق الوطنى وفرض “الطائفية السياسية” كمبدأ حاكم للبلاد لإلغاء العراق كدولة وطنية موحدة، وإقامة ثلاثة دويلات أخرى بديلة: واحدة شيعية، وثانية سنية، وثالثة كردية. تقسيم استهدف تقزيم العراق وإخراجه من واقعه العربى كخطوة أولى، ولمنع عودة العراق مجدداً كقوة عربية قادرة على تحقيق توازن القوى مع الكيان الصهيونى، انطلاقاً من أن سيطرة المكون الشيعى على السلطة ستؤدى من ناحية إلى فرض الصراع الداخلى على السلطة لأجل غير منظور وفرض الفوضى وعدم الاستقرار على العراق كخيار لا فكاك منه وستؤدى من ناحية أخرى إلى أن يتوجه العراق الجديد نحو إيران بدلاً من أن يتوجه نحو العروبة، لخلخلة القوة العربية وفرض خيار السلام الإسرائيلى على العرب.
هناك قراءة أخرى “أكثر شيطانية” فى تفسير ما حدث للعراق، ولكن أيضاً من منظور أشمل لمخطط التقسيم وتوسيعه ليشمل الإقليم وليس فقط الدول. تقول هذه القراءة أن الأمريكيين أرادوا إقامة “الدولة الشيعية الكبرى” لموازنة الكتلة السنية الكبرى العربية من أجل التمزيق النهائى لما يسمى بـ “الوحدة الإسلامية” أو “العالم الإسلامى” ضمن الحرب الكونية التى قادها الأمريكيون ضد ما اعتبروه عدواً للحضارة الغربية بديلاً للشيوعية بعد سقوطها وهو “تيار الإسلام السياسى” أو مواجهة حركة الصعود الإسلامية التى كانت قد أخذت تفرض نفسها.
كان من المفترض أن تضم الدولة الشيعية الكبرى إيران والعراق أو على الأقل نصف العراق من بغداد وحتى جنوبه والإقليم الشرقى من المملكة العربية السعودية ومعظم الدول العربية الخليجية. هذه المنطقة الكبرى تضم معظم الثروة النفطية الخليجية، كما تضم كتلة بشرية كبرى اعتقدوا أنهم فى حال فرض هذا المخطط سيكونون قد قاموا بأخطر عملية انشطار للوحدة الإسلامية.
ما حصل فى العراق بعد عام 2003، أى عقب تمكن الأمريكيين من احتلاله كان تنفيذاً حرفياً لكل هذه المخططات، ابتداءً من تدمير كل قدرات الدولة، وامتداداً إلى فرض دستور طائفى أرسى قاعدة المحاصصة السياسية، وألغى الهوية العربية للوطن العراقى واقتصرها على العرب العراقيين دون الأكراد العراقيين، لكن هذا المشروع انقلب على مخططيه الأمريكيين، لأنه أدى إلى نتيجتين:
النتيجة الأولى: أن فرض الطائفية السياسية كأساس للحكم أدى من ناحية إلى طغيان “الطائفية الشيعية السياسية” لأنها الأكبر عدداً، ولأن معظم زعمائها كانوا ممن شاركوا الأمريكيين فى مخطط إسقاط حكم صدام حسين، بحكم العداوة المستحكمة بين الطرفين، كما أدى من ناحية أخرى إلى تمكين إيران من العراق لأن معظم القادة السياسيين الشيعة فى العراق كانوا لاجئين سياسيين فى إيران، ولأن هؤلاء القادة الذين أرادوا تأسيس حكم يخضع للهيمنة الشيعية فى العراق كانوا فى أمسّ الحاجة إلى الدعم الإيرانى باعتبار إيران هى العاصمة الكبرى للشيعة السياسية فى الشرق الأوسط، أو هى العاصمة الشيعية الوحيدة فى المنطقة.
أما النتيجة الثانية: فهى إنتاج حكم استبدادى مفعم بالفساد تحت الرعاية الأمريكية والإيرانية. هؤلاء الحكام الجدد جاءوا إلى الحكم برعاية أمريكية دون رقابة شعبية ودون مؤسسات وطنية رقابية، وعندما يقترن التسلط والاستبداد بالفساد والطغيان فإنه يؤدى إلى احتكار السلطة والثروة للقلة الحاكمة بقدر ما يؤدى إلى إفقار غالبية الشعب، وهذا ما حدث فى العراق وأدى إلى موجة الحراك الشعبى الأخيرة الداعية إلى إسقاط نظام حكم الطائفية السياسية، وإسقاط نظام الحكم المتهم بـ “عدم الوطنية” والتبعية لطهران ولعل هذا ما أدى إلى الدمج بين شعارات إسقاط نظام الحكم الطائفى وإلى التحرر من السيطرة الإيرانية.
مشكلة هذا الحراك العراقى هى ذاتها مشكلة الحراك اللبنانى قدر لهما عدم إكمال المسيرة والحصول على الحد الأدنى من الإصلاح دون أى أمل فى التغيير، على الأقل فى الأجل المنظور، لسبب آخر هو أن هذا الحراك الذى فرض نفسه فى البلدين لأسباب داخلية بحتة هدفها إسقاط حكم الأقلية الطائفية الفاسدة، اقترن بدعم خفى أمريكى- إسرائيلى هدفه تقطيع أذرع إيران فى العراق ولبنان ضمن توجه جديد لمواجهة إيران من شأنه أن يرجئ الحرب المباشرة معها ويضرب مرتكزاتها الأساسية فى أماكن تواجدها: لبنان أولاً، حيث “حزب الله” الذى استطاع فرض معادلة “توازن الردع” مع إسرائيل، وباتت الحرب المباشرة معه محفوفة بالمخاطر على الكيان الصهيونى فجاء التوجه لإسقاطه داخلياً، أى إسقاطه من الشعب اللبنانى بمحاصرة لبنان مالياً لإرغام اللبنانيين على التخلص منه، عبر الدعوة إلى إسقاط النظام وتغيير الحكومة وإجراء انتخابات برلمانية جديدة، هدفها الأمريكى- الإسرائيلى، إخراج “حزب الله” من الحكم وتحويله إلى “كيان منبوذ” داخل لبنان يمكن إسقاطه.
وبالتزامن مع لبنان جاء التركيز على العراق لإخراج إيران من سيطرتها على القرار العراقى لصالح السيطرة الأمريكية فى ظل أطماع أمريكية مؤكدة فى نفط العراق ونفط سوريا، وإبعاد البلدين عن أى خيار عدائى ضد إسرائيل. توافقت المصالح والشعارات بين ما يريده الشعب بجدارة فى البلدين وبين ما تريده أطراف خارجية أمريكية- إسرائيلية بالأساس، ولعل هذا ما حفز إيران على الدخول فى معادلة الصراع ضد مطالب التغيير وإسقاط النظام ودعمت خيار الحفاظ على الحكم القائم مع الحد الأدنى من الإصلاحات، التى تؤمِّن له الاستمرار وتحول دون سقوطه، ولعل هذا ما يفسر موقف المرشد الأعلى الإيرانى من الحراكين العراقى واللبنانى فمن ناحية اتهم الولايات المتحدة ودول بالمنطقة بإذكاء “الاضطرابات” ومن ناحية أخرى اعتبر مطالب المتظاهرين “مطالب مشروعة” وقال أن الولايات المتحدة وأجهزة المخابرات الغربية “تعمل على زعزعة استقرار العراق ولبنان” كما قال أن “للمتظاهرين فى العراق ولبنان مطالب مشروعة غير أنه لا يمكن تلبيتها إلا فى إطار الآليات القانونية”.
قد تكون الدولة العميقة فى العراق ولبنان، وقد يكون الدعم الإيرانى قد استطاعا احتواء الحراك هذه المرة، دفاعاً عن مصالح تحققها النظم الحاكمة للطرفين وقد يكون للأمريكيين وحلفاءهم أدوارهم فى دعم وتزكية حركة الرفض ومطالب التغيير لمصالح تخص واشنطن وحلفاءها، لكن تبقى مطالب التغيير والتغيير الجذرى وإسقاط النظم الطائفية والطبقة السياسية- الاقتصادية الحاكمة الفاسدة مطالب مشروعة لن يستطيع أحد أن يحرم شعبى البلدين من التطلع لتحقيقها طال الزمن أم قصر، حتى وإن كانت الخديعة تتكرر ولكن بأثواب أخرى ومسميات ومبررات أخرى ثمنها إجهاض الهدف الأسمى لحراك الشعبين، وهنا يكمن التحدى فى المستقبل.

السابق
مبادرة من عون تجاه المتظاهرين على طريق القصر.. اليكم التفاصيل
التالي
بعد حل «السوري القومي».. صراع قوات الأسد مع الميليشيات الموالية هل بدأ؟!