..زحفاً زحفاً نحو الأسد!

بشار الاسد
في القاطرة المتجهة من قصر بعبدا الى قصر المهاجرين، يرفض وليد جنبلاط الركوب، بل على طريقته يخرج الى الشارع معترضاً، ومندداً بهذه الرحلة المسيئة الى لبنان، "دخلوا على دم كمال جنبلاط وخرجوا على دم رفيق الحريري" يسيّج موقفه في مواجهة النظام السوري والزاحفين على اعتابه، بهذا الدمّ وتلك الجرائم التي خبرها اللبنانيون في زمن الوصاية السورية على لبنان.

في تظاهرة منظمة الشباب التقدمي أمس، والتي انطلقت من الكولا حتى ساحة الشهداء، بشعار رفضاً للمسّ بالحريات، كان المشهد يعبر عن الرفض لعودة الوصاية “رستم مش راجع”، بل مندداً بأولئك الذين يشدّون الرحال الى قصر المهاجرين، (يجيبهم السفير السوري في لبنان أن سوريا منهمكة هذه الأيام بانتصاراته) وهم يبررون فعلتهم، بانهم يريدون إعادة اللاجئين السوريين الى ديارهم، رغم ادراكهم أنّ هذا النظام يتقن القتل والتهجير، أما العودة لمن هجّر ولمن لجأ فهو أمر لا يريده الأسد من جهة، وحصوله ان أرادت السلطة اللبنانية ذلك ففي مكان آخر وبطريقة أخرى من جهة ثانية.

لكن ماذا وراء هذا الضجيج والحجيج اللبناني نحو الأسد؟

اندفاعة الوزير جبران باسيل نحو الأسد، لم تكن يتيمة بل تعكس توجها سياسيا جرى التعبير عنه في مناسبات عدة، لكنها اليوم تتم وسط حركة إقليمية ودولية يشهدها الميدان السوري، حركة عبر عنها أخيرا الدخول التركي وما يرافقه من ردود فعل وتداعيات، وسط مسار من إعادة رسم الحصص التركية والإيرانية والإسرائيلية في هذا البلد، في ظل وصاية روسية يحكمها التفاهم مع واشنطن. موسكو ومن خلال زيارة الرئيس الروسي بوتين أمس، تأكيد روسي على دور السعودية في حل الازمة السورية، بل اكد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في مقابلته التلفزيونية قبل توجهه الى الرياض، “أن الحلّ في سوريا لايمكن أن يتم من دون المساهمة السعودية” في المقابل ليس خافيا أن التنازع حول الدور الإيراني في سوريا، يشكل أحد ابرز العوائق على صعيد دخول الرياض الى مسرح التسوية السورية، فيما تتلمس ايران التي التزمت الى حدّ كبير بالشروط الإسرائيلية فيما يتصل بالجنوب السوري، أنها امام سلة شروط جديدة هذه المرة عربية وسعودية على وجه التحديد.

اقرأ أيضاً: من يتآمر على رئاسة ميشال عون؟

يعتقد مراقبون في الشأن السوري، أن ايران التي تدرك أن ورقة حليفها الرئيس بشار الأسد، هي ورقة بيد روسيا، وان كانت الأخيرة تعمل على تثبيته، فهو ما يزعج ايران التي استثمرت في ورقة الأسد طيلة السنوات الماضية، وهي تتوقع ان يقابلها الأسد بالوفاء لما بذلته من جهود ومن مال ودماء لحماية نظامه، على رغم ادراكها ان المصالح السياسية للنظام ومرحلة إعادة تسويقه عربيا، قد تخل بالوفاء لها من قبل الأسد، ولأسباب إقليمية ودولية لا علاقة للاسد بها.

الورقة اللبنانية هي ما تحاول طهران عبر السلطة اللبنانية وعلى رأسها أمين عام حزب الله السيد حسن نصرالله، توجيه رسالة الى الأسد مفادها أن نفوذ حزب الله ودوره هو السبيل الوحيد لعودة الأسد الى لبنان، ولبناء علاقة مفيدة له. التلويح بالورقة اللبنانية للأسد، يأتي في سياق منع أي خطوات قد تحدث أي شرخ بين الأسد وايران وبتوصيف ادق عدم حصول أي برودة في العلاقة بين الأسد وايران ولاسيما العلاقة بين الأسد وحزب الله، ذلك أن نصرالله يدرك أن العوامل الإقليمية والدولية، لا سيما في سياق تثبيت موقع الأسد، تفرض بطبيعتها إعادة رسم العلاقة بين النظام السوري والمحور الإيراني بحساب ونظام مصالح مختلف عما كان عليه الحال في السنوات السابقة.

اقرأ أيضاً: الضجيج اللبناني حول سوريا

من هنا الاندفاعة اللبنانية عبر باسيل تمثل الى حدّ كبير توجها ايرانياً، يشكل حزب الله عنوانه ومدير حركتها وتوقيتها، لذا تتوقع مصادر متابعة للشأن السوري في لبنان، أن ثمن الحجيج الى نظام الأسد، لن يكون لبنانياً، ومحاولة تلميع صورة الرئيس بشار الأسد، لن ينتج عنها تحقيق مصالح لبنان لاسيما في شأن عودة النازحين الى سوريا التي ستبقى محدودة، تبقى معالجتها مرتبطة بحسابات دولية.

حزب الله يبيع الأسد علاقته بلبنان بثمن إيراني، فيما يأتي موقف جنبلاط وتظاهرة “الشباب التقدمي” لاعادة البوصله في اتجاهها اللبناني، ذلك أن لبنان ونظام مصالحه الوطني هو من يقرر العلاقة مع نظام الأسد، وما العودة الانبطاحية الى دمشق، الا محاولة لترسيخ لبنان كبلد يفتقد السيادة ومساحة متفلتة من قيود لبنانية ووطنية، من هنا موقف جنبلاط هو محاولة لبنانية لبناء سد في وجه هذا السيل المصطنع المتدفق من لبنان باتجاه الأسد.

السابق
قبرص تمدّ لبنان بطائرتين جديدتين لاطفاء الحرائق
التالي
بعد باسيل.. نصرالله يلتقي فرنجية