كيف فشل تمرير نظام أبارتايد وفصل عنصري تحت ذريعة العيش المشترك؟

نبيه بري
أُرجئت الجلسة النيابية التي كانت مقررة في 17 من الشهر الجاري الى الحادية عشرة من قبل ظهر الاربعاء ٢٧ تشرين الثاني المقبل، والتي كانت ستعقد تلبية لرسالة وجهها رئيس الجمهورية الى مجلس النواب، يطلب منه، تفسير المادة الدستورية (95)". وذلك اثر اجتماع عقد بين رئيسي الجمهورية و مجلس النواب في قصر بعبدا وبناء لطلب رئيس الجمهورية كما اعلن الرئيس نبيه بري.

فما هي أسباب تأجيل الجلسة التي كان رئيس الجمهورية وتكتل لبنان القوي متحمسين لعقدها، وما الذي تغير ودفع الى تأجيل الجلسة تمهيدا لالغائها على الأرجح.!؟
من المعلوم ان المادة 80 من قانون موازنة العام 2019 التي تحفظ حق الفائزين في مجلس الخدمة المدنية في ستة قطاعات، كانت مدار معارضة وتشكيك، في وقت سابق بسبب اعتراض “تكتل لبنان القوي” على نتائجها واعتبارها تنتهك مبدأ المناصفة بين المسلمين والمسيحيين وبالتالي تعارض مقتضيات العيش المشترك على حد زعم التيار العوني… وكانت هذه المادة، قد أدرجت في قانون الموازنة ووافق عليها مجلس النواب ووقع رئيس الجمهورية على موازنة تضمنتها، بعد امتعاض وامتناع، ثم قبول، اقترن التوقيع بتوجيه رسالة بعد ذلك لمجلس النواب، يطلب فيها تفسير المادة 95 من الدستور، لاسيّما الفقرة “ب” منها الواردة تحت عنوان “وفي المرحلة الانتقاليّة” حيث “تُلغى قاعدة التمثيل الطائفي ويعتمد الاختصاص والكفاءة في الوظائف العامة والقضاء والمؤسسات العسكريّة والأمنيّة والمؤسسات العامة والمختلطة وفقاً لمقتضيات الوفاق الوطني …”، معطوفةً على الفقرة “ي” من مقدّمة الدستور التي تنصّ على أن «لا شرعيّة لأيّ سلطة تناقض ميثاق العيش المشترك”.
فما هي قصة المادة 80 من قانون الموازنة ولماذا دار الجدل حولها؟ والجواب انه منذ بداية “العهد القوي” تمنع وزراء تكتل لبنان القوي عن التوقيع على مراسيم الناجحين في امتحان مجلس الخدمة المدنية، بحجة انها لا تتأمن فيها المناصفة بين المسيحيين والمسلمين، وراهن هؤلاء على مرور سنتين على هذه الامتحانات ليتم الغاءها، باعتبار ان القانون يلغي حق التعيين للناجحين في حال لم تصدر مراسيم تعيينهم خلال عامين، وعلى الرغم من أن بقية الوزراء من غير تكتل لبنان القوي، قد وقعوا مراسيم تعيين الموظفين الناجحين في الوزارات التي يتولونها، فقد ادى تمنع رئيس الجمهورية عن توقيعها، الى التسبب بوجود نحو 600 ناجح في امتحانات مجلس الخدمة، لم يتم تعيينهم اما بسبب عدم توقيع رئيس الجمهورية المراسيم أو تمنع وزرائه عن التوقيع. علما أن هؤلاء الناجحين هم من الفئات الدنيا في الإدارة، أي لا علاقة لهم بالفئة الأولى التي تتم مراعاة المناصفة في تعيينهم بين الطوائف، وهؤلاء الـ600 فيهم نحو 20 في المئة من المسيحيين.
ولعله من المفيد التذكير، أن طائفية الوظيفة تم الاتفاق على الغائها في الوثيقة الدستورية التي اذاعها الرئيس المرحوم سليمان فرنجية والتي دخلت بعدها القوات السورية الى لبنان سنة٧٦، ثم تم تكريس الغائها نصا في اتفاق الطائف، وتم تطبيق هذا الالغاء منذ ١٩٩٢ وحتى وصول الجنرال عون الى سدة الرئاسة، ويكفي مراجعة مراسيم التعيين ونتائج مباريات مجلس الخدمة المدنية لتأكيد هذه الحقيقة، لكن الجنرال عون يريد اليوم الغاء ما تم الاتفاق عليه في الطائف وما نص عليه الدستور ويريد العودة عن اجراءات تم تنفيذها منذ ٢٧ سنة وحتى تاريخه.
ولذلك كانت الخطوة الثانية في هذا المسار التي تمثلت في ادراج مجلس النواب في قانون الموازنة المادة 80 التي تحفظ حق الناجحين في امتحان مجلس الخدمة المدنية بالتوظيف، رغم انقضاء مدة السنتين على نتائج امتحاناتهم، وتحفظ حقهم الى الأبد. وهذا ما دفع رئاسة الجمهورية، الى التحفظ على توقيع قانون الموازنة بحجة تضمينها المادة 80.
الخطوة الثالثة، كانت اقران رئيس الجمهورية توقيع قانون الموازنة، بتقديم مشروع قانون معجل وقعه عشرة نواب من تكتل لبنان القوي، يقضي بإلغاء المادة 80 من قانون الموازنة. كما وجه رئيس الجمهورية الرسالة الآنفة الذكر بشأن تفسير المادة 95.
في الاسبوع الاول من دورة انعقاده العادية الأولى اسقط مجلس النواب مشروع قانون الغاء المادة 80 في الجلسة التشريعية التي عقدت، وبقيت المادة في قانون الموازنة، فسقطت رهانات الجنرال وباسيل دفعة واحدة.
فقد كانت هذه الرهانات تتطلب تحقيق اصطفاف مسيحي لالغاء المادة 80 بعد احراج نواب القوات اللبنانية والزامهم الاصطفاف خلفهم، كما تتطلب وقوف حزب الله جانباً محايدا، بما يعني ان 64 نائبا مسيحيا سيكونون في جبهة الإلغاء مع حياد حزب الله، في مقابل ما تبقى من نواب المسلمين. وبالتالي يمكن اسقاط المادة بالأكثرية النسبية. لكن الانحياز لمعيار الكفاءة والامتحان والالتزام بوثيقة الوفاق الوطني، تغلب على الانحياز للتضامن الطائفي فلم يحقق الاقتراح العوني اجماعا مسيحيا!، ثم اكتشف المهندس باسيل ان حزب الله لا يذهب مع رئيس الجمهورية الى هذا الحدّ، واظهر الرئيس بري لرئيس الجمهورية ان أكثرية مجلس النواب ليست لصالحه، لجهة الغاء المادة 80.
انكسار رئيس الجمهورية في معركة المادة 80، دفع نائب رئيس مجلس النواب ايلي الفرزلي الى استدراك موقف مشابه ونتيجة مماثلة في معركة تفسير المادة ٩٥، بمحاولة تخفيف الخسائر عن كتلة لبنان القوي ورئيس الجمهورية، فقال ان ثمة اتجاها لتأجيل مناقشة تفسير المادة 95 منعا لتسميم الأجواء السياسية، في ظل تحديات اقتصادية ومالية وفي ظل مؤتمر سيدر ومتطلبات إقرار الموازنة للعام 2020.
موقف الفرزلي يحيل الى سؤال اذا كانت هذه الرسالة تسمم الجو السياسي فلماذا أرسلها رئيس الجمهورية أصلا الى مجلس النواب؟ واذا كان رئيس الجمهورية ضامنا لتفسيرها بما يلائم موقفه، هل كان يتراجع عنها حتى لوكانت تسمم الأجواء السياسية؟
الاستطلاع بالنار في اسقاط مشروع قانون الغاء المادة 80 كشف ان رئيس الجمهورية في وضع ضعيف، فيما ظهر ان تفسير المادة 95 باتجاه تعديلها اصعب مما ظنه الجنرال ورئيس تياره. لماذا؟
لأن تفسير الدستور هو بحسب ما خلصت اليه الاستشارات الدستورية لرئيس مجلس النواب، هو كتعديل الدستور يحتاج نصابا الى ثلثي مجلس النواب أي 86 نائبا. حاول الفرزلي تخريج الخسارة الرئاسية، من خلال اقتراح بيان يصدر عن رؤساء الكتل النيابية يتمنون فيه تأجيل جلسة تفسير المادة 95، سقط هذا الاقتراح واصر الرئيس بري ان يتم التأجيل بطلب من رئيس الجمهورية، اذ كان نائب رئيس المجلس قد اعلن بعد لقاء الرئيس بري في عين التينة “ان الرئيس بري مع تأجيل جلسة تفسير المادة 95 إن أراد عون ذلك”. وهذا ما حصل في لقاء الرئيسين في بعبدا مطلع هذا الأسبوع.
وبالعودة الى شعار المناصفة، ثمة فرية شائعة من ناحية، ووهم خادع من ناحية أخرى، يردد الفرية والوهم، عونيون وشخصيات مسيحية أخرى، الفرية أن الطائف اعطى المسيحيين المناصفة فهل ذلك صحيح! ولمن اعطيت المناصفة في الطائف!؟
قبل اتفاق الطائف كانت السلطة الاجرائية منوطة برئيس الجمهورية منفردا يعين الموظفين والوزراء ويقيلهم ويختار من بينهم رئيسا للوزراء، اما مجلس النواب الذي وصل عدده، الى ٩٩ نائبا فقد كان مؤلفا من٥٤ نائبا مسيحيا و٤٥ نائبا مسلما، اي ان نواب المسيحيين كانوا اكثر من نواب المسلمين ب ٩ مقاعد، اما في الادارة فقد كان العرف السائد قبل عهد الرئيس فؤاد شهاب تعيين ٦ مسيحيين مقابل ه مسلمين، مع فؤاد شهاب وضعت قاعدة عرفية جديدة ٦ و٦ مكرر في الادارة، فنال المسلمون المناصفة في الفئة الاولى. فيما اعتمدت حيث امكن الكفاءة وامتحانات مجلس الخدمة المدنية لباقي فئات الادارة.
أما في وثيقة الطائف فقد تم الاتفاق على زيادة عدد النواب المسلمين ٩ نواب ليصبح مجلس نواب الطائف ١٠٨ مقاعد. في كلا الحالتين المناصفة نالها المسلمون في وظائف الفئة الاولى مع فؤاد شهاب وفي المجلس النيابي مع اتفاق الطائف ولم تكن انجازا مسيحيا كما يحلو للبعض ان يفبرك وقائع لا وجود لها.
أما الوهم الخادع فهو الايحاء بأن الخلل الديموغرافي وانخفاض نسبة المسيحيين من عدد السكان ٣٠/٧٠ ادى الى انخفاض نسبتهم في ادارات الدولة، بمعنى أن الديموغرافيا يتم ترجمتها بشكل مباشر في الادارة، وان معالجة الخلل الديموغرافي مدخلها اقتسام نصف الادارة مع المسلمين!!!
قد تكون هذه الخدعة مغرية لو ان الادارة تبنى على أساس نظرية الوزير باسيل في تشكيل الوزارة، لكن اتفاق الطائف لايتبنى نظرية الديموغرافية في الادارة، بل يعتمد معيار الكفاءة والامتحان والخبرة وهي معايير مرتبطة بالتعليم وجودته وتوفر مدارس وجامعات لائقة واجادة لغات أجنبية متعددة وهي مهارات كانت من مميزات المدارس الكاثوليكية والرهبانيات والجامعات الاجنبية، وكانت من مرتكزات الادعاء بتفوق حضاري تمتلكه النخب المسيحية على قرينتها الاسلامية، ولذلك ففي لحظة الاتفاق على النص في الطائف ، كان هذا المعيار ضمانة مسيحية لنيل ليس نصف هيكل الادارة فحسب، بل اغلبيتها، وكان تبني هذا الرهان يعكس رغبة جامعة اسلامية مسيحية، بتزويد الادارة بكفاءات علمية حديثة وحاملي شهادات عالمية بدل حشوها بمحاسيب سلطوية او منتحلي القاب علمية او حاملي افادات وهمية. الفارق جلي وواضح بين عهود مسيحيه وقيادات كانت الكفاءة والعلم خلالها، ميزة مضافة للمسيحيين، وبين عهود مسيحية وقيادات أخرى اصبح الامتحان والعلم والكفاءة مصادر ذعر وخوف اقلوي. ما يريده الوزير باسيل عبر اسقاط مشروعية الامتحان والكفاءة، اطلاق سباق وتنافس لاستتباع الازلام والمحاسيب في ادارة فاشلة، بدل التباري العلمي بين كفاءات وخبرات تبني ادارةحديثة.

إقرأ أيضاً: مسيرة للتقدمي الاشتراكي.. وابو فاعور لباسيل: تذهبون الى سوريا لتتوسلوا الرئاسة!

اخيرا ماذا يعني نجاح الجنرال عون والوزير باسيل في تمرير ما كانوا يريدونه، بعيدا عن اعتبارات الدستور، وبعيدا أيضا عن شروط تأمين ادارة كفوءة وحديثة ومنتجة، بل فقط طبقا لارض الواقع في لبنان وماهي مفاعيل نجاحهم في مرامهم على سوق العمل!؟
في ظل الواقع الديموغرافي الذي يبيّن ان نسبة المسيحيين في لبنان لا تزيد عن ثلث عدد السكان في افضل حال، وفي ظل حقيقة اقتصادية ان قطاعات الصناعة والخدمات والشركات والبنوك، التي تؤمن فرص عمل في القطاع الخاص، هي متاحة لاستيعاب نسبة غالبة للمسيحيين اكثر من المسلمين، مما يقيم اختلالا في طلب فرص العمل بين المسلمين والمسيحيين، بحيث ان الطلب المسيحي على الوظيفة في القطاع العام، هو أقل من 20 بالمئة من مجموع الطلب على العمل في القطاع العام، وهذا يعني في حال تجاوز الدستور ومعياري الكفاءة والامتحان، وتطبيق المناصفة على الطريقة العونية، ان فرص شريحة تساوي 20 % من طالبي العمل، ستكون مساوية لفرص ٨٠ بالمئة منهم، وبطريقة اخرى انه سيتاح لكل مسيحي ٤ فرص عمل في القطاع العام مقابل اتاحة فرصة عمل واحدة لكل مسلم.
ببساطة ووضوح هذا نظام تمييز عنصري أسمه السياسي؛ نظام ابارتيد تم اعتماده في روديسيا وجنوب افريقيا تحت حكم الاقلية البيضاء… انه نظام ينشئ درجتين من المواطنة اللبنانية، ويعطي حقوقا لفئة فيما يحجبها عن الاخرى، ولذلك لا يعود التذرع والتلطي بالعيش المشترك امرا يمكن تصديقه او تلمس جديته.
أما التذرع بالفقرة “ي” من مقدمة الدستور، بان لا شرعية لاي سلطة تناقض ميثاق العيش المشترك” فاستشهاد في غير موضعه، لان النص يتكلم عن تكون السلطة، والسلطات الدستورية في لبنان ثلاثة فقط، اما تشريعية او تنفيذية او قضائية، واستذكار النص في معرض تعيين موظفين في الادارة يخرج عن مقاصد المشرع ويحمّل النص ما لا يحمله، وللتذكير فقط فأن سبب صياغة هذه الفقرة وجعلها في مقدمة دستورنا، كان لنزع شرعية حكومة لبنانية ترأسها الجنرال عون وخاضت حربين مدمرتين قبل مؤتمر الطائف وبعده، واقتصرت عضويتها على ثلاثة وزراء مسيحيين دون مشاركة أي وزير مسلم.
اما التساؤل عن الفترة الانتقالية وموعد بدء زمانها، فمن السهل تبيانه لكل ذي بصيرة وضمير، حيث تم الغاء طائفية الوظيفة بالاتفاق ثم بالنص وتاليا بالممارسة منذ اقرار التعديلات الدستورية سنة ١٩٩٢. وللمزيد من التوسع فان الطائف حين تصدى لحل مشكلة الطائفية قسمها الى مراحل ثلاث:
الاولى: الغاء طائفية الوظيفة عدا الفئة الاولى وقد بدأ تنفيذ ذلك منذ اقرار التعديلات الدستورية سنة ١٩٩٢.
الثانية: حددت بدايتها مع اول مجلس نيابي منتخب خارج القيد الطائفي، ويترافق مع انشاء مجلس للشيوخ تمثل فيه الطوائف، وكان مفترضا انتخاب هذا المجلس سنة ١٩٩٦.
الثالثة: انشاء الهيئة الوطنية لرسم السبل والوسائل لالغاء الطائفية بكل اوجهها المتبقية اي طائفية الرؤساء والوزراء وقوانين الاحوال الشخصية، بعد توحيد كتاب التاريخ، وارساء ثقافة المواطنة ليس داخل الدولة فقط بل في المجتمع من خلال اعادة صياغة مفاهيم وافكار الشرائح الاجتماعية والاجيال الجديدة.

السابق
قيس سعيد رئيساً لتونس بـ75% من الأصوات
التالي
أسرار الصحف المحلية الصادرة يوم الاثنين في 14 تشرين الأول 2019