شنكر في بيروت حاسماً: ستة أشهر لترسيم الحدود مع إسرائيل

وصل إلى بيروت المبعوث الأميركي الجديد ديفيد شنكر، لمتابعة ملف ترسيم الحدود البرية والبحرية بين لبنان وإسرائيل، وشنكر الذي خلف ديفيد ساترفيلد في هذه المهمة، وفي منصب مساعد وزير الخارجية الأميركي لشؤون الشرق الأدنى قبل أسابيع، يحمل إلى المسؤولين اللبنانيين رسالة واضحة وحاسمة، بعدما تحدثت مصادر أميركية قبل نحو شهرين، عن مماطلة لبنانية في شأن الوصول إلى مرحلة الدخول في المفاوضات والاتفاق النهائي على الترسيم، وهذا ما رفضه لبنان، معتبرا أن إسرائيل هي من يعمل على عرقلة الحل.

من المعلوم أن المفاوضات حول ترسيم الحدود، تخضع لأخذ ورد بين لبنان وإسرائيل منذ سنوات، فالوساطة الأميركية المستمرة بين الدولتين لم تكن على نفس الحيوية التي ظهرت خلالها في الأشهر الماضية، وبدا أن السعي الأميركي لإيجاد اتفاق دخل حيّزا فعليا، بحيث تتوقع أوساط بحثية متابعة في واشنطن أن يتم الاتفاق خلال الأشهر المقبلة نهائيا على هذا الملف.

ما يعزز من هذه الفرضية لبنانيا، ما قاله مقربون من رئيس مجلس النواب نبيه بري، عن أن ما تم الوصول إليه هو خط النهاية، “ولم تعد تفصلنا عن الاتفاق النهائي إلا بعض التفاصيل، التي ننتظر من المندوب الأميركي شنكر، معالجتها”.

من المعروف أن الرئيس نبيه بري مكلف من قبل الدولة اللبنانية بإدارة ملف التفاوض هذا، أو بالأحرى هو المكلف فعليا من قبل حزب الله ومن إيران بتولي هذه المهمة. وما ينطق به الرئيس بري في هذا الملف، هو ما يعبّر ليس عن موقف لبنان الرسمي فحسب، بل عن موقف حزب الله الذي لا يمكن أن يدع هذا الملف المتصل بإسرائيل خارج إدارته.

ما أثار انتباه اللبنانيين عشية وصول شنكر إلى بيروت الثلاثاء هو الانقلاب في الموقف اللبناني، الذي كان متشائما حيال التوصل إلى اتفاق قبل أسابيع، إلى موقف متفائل اليوم، فمستشار الرئيس بري علي حمدان، قدّم مطالعة إيجابية ومتفائلة بالوساطة الأميركية، وقال في حديث تلفزيوني إن “لبنان هو من طلب الوساطة الأميركية المرحب بها، بل الرئيس بري نفسه هو من دعا إليها قبل بدئها بسنوات”. وهو موقف يصدر أول مرة عن الرئيس بري بهذا الاعتداد، لاسيما أن ما كان ينقله عنه مقربون هو أنه يريد إعطاء دور أساسي للأمم المتحدة، التي لم ترد على لسان مستشار بري في موقفه الأخير.

ما سرّ هذا الانقلاب من التشاؤم إلى التفاؤل، من حال التذمر من الرعاية الأميركية إلى هذا الترحيب غير المسبوق بدور واشنطن، من القول إن فرص الاتفاق على ترسيم الحدود دونها صعوبات، إلى القول إننا “وصلنا إلى خط النهاية” كما كرّر علي حمدان في لقائه التلفزيوني الذي استبق وصول شنكر بيومين؟

تعتقد أوساط قريبة من وزارة الخارجية الأميركية في واشنطن، أن الأجواء المتفائلة والمستجدة في الموقف اللبناني ناشئة عن أسباب موضوعية فرضتها التطورات الأخيرة التي شهدها لبنان بعد الضربات الإسرائيلية الأخيرة والرد “المدروس” الذي قام به حزب الله على إسرائيل، وتشير هذه الأوساط إلى أبرزها:

أولا أن حزب الله قلق من قيام إسرائيل بضربة عسكرية على حزب الله في هذه المرحلة، وهو ما لا تريده إيران، لأسباب تتصل بحسابات دولية وإقليمية في هذه المرحلة التي تشكل الدبلوماسية عنوانها إيرانيا.

ثانيا يتحسّس حزب الله، ومن خلفه إيران، التصعيد الإسرائيلي الذي بات مطلق اليد دوليا في استهداف مواقع عسكرية للميليشيات الإيرانية والحشد الشعبي في سوريا والعراق، والتي كان آخرها استهداف مواقع لهما على الحدود العراقية السورية، فجر الاثنين.

ثالثا ما اكتشفته إيران وحزب الله عن حجم المعلومات التي تمتلكها إسرائيل عن الصواريخ الدقيقة التي بحوزة حزب الله، لاسيما بعد عملية الطائرتين المسيّرتين في الضاحية الجنوبية، أربك حزب الله ودفعه إلى إعادة حساباته الأمنية والعسكرية، وجعله أكثر تهيّبا من قيام إسرائيل بحرب.

إلى هذه الأسباب التي توردها الأوساط القريبة من وزارة الخارجية الأميركية ثمة من يشير في لبنان إلى أن الخناق بات يضيق على الدولة اللبنانية أيضا، فالأزمة المالية والاقتصادية باتت معالجتها رهن الاحتضان الدولي، والأميركي على وجه التحديد، للبنان. ففي خطوة رافقت وضع جمّال ترست بنك على لائحة العقوبات الأميركية، أوعزت واشنطن لبعض المؤسسات الأميركية الاكتتاب في سندات الخزينة اللبنانية بما قيمته مليار ونصف مليار دولار تقريبا، لدعم العملة الوطنية وقدرة البنك المركزي على تلبية المستحقات المالية. هذا الموقف الأميركي الذي يتضمن “رفع العصا وتقديم الجزرة”، معا، هو ما أجل وضع الخيارات أمام اللبنانيين، إما بالتجاوب مع متطلبات الدولة، وإما بتحمّل تبعات الانجرار وراء سياسة حزب الله، وتحمّل التبعات.

حزب الله لن يستقبل شنكر بالورود، وإن كانت المؤشرات التي أطلقها الرئيس بري قد توحي بذلك، فحزب الله الذي يتحسّس حجم المخاطر عليه بات معنيّا بالتخفيف منها، أو تأجيل مخاطرها إلى حين يتضح الخيط الأبيض من الخيط الأسود، بخصوص ما يحاك على مستوى العلاقة الأميركية – الإيرانية، فإذا كان لا بد من حرب فهو من يختار توقيتها، وإذا لم تكن الحرب خياره فسيجهد لمنعها.

إزاء ما تقدم فإن حزب الله سيبدي عبر الرئيس بري تجاوبا مع الطروحات الأميركية، وهو تجاوب ينطوي على رغبة جوهرية تخفف من التصعيد الإسرائيلي من جهة، وتطمح إلى أن تخفف من وطأة العقوبات الأميركية، وتحول دون استخدام العصا الأميركية.

لذا فإن المندوب الأميركي ديفيد شنكر، ينتظر جوابا على سؤال محدد من لبنان، حسب مصادر الخارجية الأميركية، وهو أن هناك سقفا زمنيا هو ستة أشهر، يجب أن يلتزم به لبنان للوصول إلى إنجاز الاتفاق الكامل على عملية ترسيم الحدود مع إسرائيل. علما وأن لبنان كان مصرّا على عدم وضع سقف زمني لعملية التفاوض بجوابه الأخير لساترفيلد قبل شهرين. الأرجح أن لبنان، أو حزب الله، سيوافق على السقف الزمني باعتباره الفرصة المتاحة لشراء الوقت، ووسيلة للجم إسرائيل عن القيام بأي عمل عدواني على لبنان.

إقرأ أيضاً: السفارة الاميركية عن زيارة شنكر الى لبنان: تؤكد أهمية الحفاظ على الأمن والاستقرار والسيادة

آخر تحديث: 10 سبتمبر، 2019 6:48 ص

مقالات تهمك >>