إسرائيل.. الحرب أو الحرب

حدود لبنان واسرائيل

يستمر تراكم الألغاز المصاحبة لتفاقم التوتر في الأسبوعين المنصرمين بين إسرائيل وحزب الله، بدءاً من قتل الأولى عنصرين للحزب في عقربا بضاحية دمشق وصولًا إلى إرسالها طائرتين بلا طيار فجر 25 آب المنصرم إلى شارع معوض بضاحية بيروت وتفجير إحداهما هدفاً لا يزال مجهولاً، وإشاعة وسائل الإعلام خبراً غير مؤكد جديداً عن أن مكان انطلاقهما هو بلدة ضبية البحرية في قضاء المتن، ثم إعلان الحزب في بيان فجر الإثنين 9 أيلول، إسقاط طائرة بلا طيار جديدة في خراج بلدة راميا بجنوب لبنان، وأنها “أصبحت في يد المقاومين”، فيما بقيت “شبحاً” في أعين اللبنانيين، إذ لم يدعّم الحزب زعمه بأي صور عن الطائرة المسقَطة، مكتفياً بنشر موقع العهد الاخباري لقطات لأرض صخرية لا أثر فيها لأي طائرة أو حتى لحطام أو دلالة على أن شيئاً مشابهاً قد حصل… اللهم إلا إذا أُريد لنا أن يوقعنا التلغيز المواكب لمجرى الأحداث في مطب الذهاب مع شطحات الخيال وتصوّر أن الحزب بات يمتلك من نظائر تكنولوجيات الدول الكبرى ما يخوّله إسقاطها إلكترونياً سالمةً، ولا يريد الإعلان عن أمر يعتبره من الأسرار العسكرية الخطيرة التي رجّح أن لإخفائها في المرحلة الحالية ثمناً أكبر من استغلالها إعلامياً لمصلحة شعبيته المتهاوية منذ سنين!!!

لكن ما حصل يمكن أن يكون ببساطة شديدة مجرد تمثيلية وتنفيذ حرفي لسيناريو الاتفاق بين حزب الله وإسرائيل بوساطة روسية لتلميع صورة نصر الله وإظهاره بمظهر من وفى بوعده منْعَ المسيّرات في سماء لبنان فيما كان بعض “حقيقي” منها لا “شبحٌ” يحوم فوق قضاء مرجعيون خلال أعمال حفريات ورفع سواتر ترابية للقوات الإسرائيلية مقابل متنزهات الوزاني، وتمشيط قبالة بلدة عديسة، ولتمكينه من السيطرة على حزبه وشارعه إذا ما وَجّهت إسرائيل ضربة موضعية متوقعة قريباً للصورايخ الدقيقة في جنوب لبنان.
وفي وقتٍ ردَّ الجيش الإسرائيلي ببيان باهت بأن الطائرة المسيرة التي أسقطت كانت صغيرة جداً وفي مهمة عادية” وأن “لا خطر من تسرب معلومات منها”، كما أوردت صحيفة “تايمز أوف إسرائيل” من دون أي تفاصيل أخرى، على رغم تواتر المعلومات الصحافية والسياسية على أن الحكومة الإسرائيلية تمهّد لعمل عسكري ضخم ولكن لا يهمها أن يحصل قبل الانتخابات الإسرائيلية، استمرت حملة الولايات المتحدة وحلفائها على المحور الإيراني بأطرافه كافة، التي تتكفل هي فيها بالساحة العراقية وملفي العقوبات والنووي الخاصين بإيران، فيما تتولّى رأس حربتها إسرائيل جبهات سوريا- لبنان- غزة (وكان آخر تطوراتها ضربات جوية في البوكمال السورية استهدفت مواقع قوات إيرانية ومجموعات موالية لها قُتِلَ فيها 18 عنصرًا، بحسب ما أعلن المرصد السوري لحقوق الإنسان الذي لم يتمكّن من تحديد الجهة التي نفذت الغارات، مرجّحًا ارتفاع عدد القتلى، إثر إعلانه في وقت سابق استهداف طائرات غير معروفة نقاطًا عسكرية لمقاتلين موالين لإيران في منطقة الحزام الأخضر دير الزور ومناطق أخرى حدودية مع العراق)، ويتولى الحليف السعودي ملف اليمن ومحاصرة أطراف المحور الإيراني، كما حدث لدى اعتقال المملكة أخيراً أحد أبرز قياديي حركة “حماس” المقيمين فيها المدعو محمد صالح الخضري ونجله.


وفي وقت أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لوكالة “رويترز” أن إسرائيل كشفت مواقع سرية جديدة على صلة ببرنامج إيران النووي في مصنع بـ”توركيز آباد” يدّعي الإيرانيون أنه لصنع السجاد بينما اكتشف علماءُ وجودَ آثار اليورانيوم فيه، دعا نائبُ المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية كورنيل فيروتا في اجتماع مجلس الحكام بفيينا الإثنين 9 أيلول الجاري، بعد يوم واحد من اجتماع رفيع المستوى عقده مع مسؤولين إيرانيين في طهران، إيرانَ إلى الرد سريعًا على اسئلة منظمته التي “تم فهمها بشكل جيد للغاية في طهران، والوقت في غاية الأهمية” كما قال، ويوم واحد على بيانٍ للوكالة جاء فيه أنها تحققت من أن طهران تقوم بتركيب أجهزة طرد مركزي متطورة (كانت إيران أبلغت الوكالة به في 8 أيلول الجاري عبر مندوبها الدائم فيها كاظم غريب آبادي، بينما يحق لها بموجب اتفاقها مع الدول الست الكبرى في 14 تموز 2015 الذي انسحبت منه الولايات المتحدة في 9 أيار 2018، بأجهزة أقل تطوراً) قد تزيد مخزونها من اليورانيوم المخصب، ما يعني تقليص التزاماتها مع القوى الكبرى، وهو أمر أرجعه الإيرانيون إلى “وعود لم تف بها الدول الأوروبية”.
يحدث كل ذلك في وقت يحذر المراقبون من احتمال أن يسفر التجاذب الإيراني- الدولي عن جر لبنان إلى حرب مدمرة مع انتظار البلاد بفارغ الصبر موعد الخامس عشر من كانون الأول المقبل، وهو تاريخ وضعها على خريطة الدول النفطية مع بدء شركات “توتال” الفرنسية و”إيني” الايطالية و”نوفاتيك” الروسية العملية المقررة (إذا لم يطرأ مانع)​ لبدء حفر البلوك النفطي 4 مقابل شاطئ جبيل– البترون، ثم استكشاف البلوك 9 جنوباً، يليهما لاحقاً فضّ عروض دورة التراخيص الثانية لفتح كل البلوكات الحدودية جنوبا وشمالا، مع استمرار المساعي الدولية لحل إشكالات بعض المواقع المشتركة مع اسرائيل وسوريا اذا ما نجحت جهود الوسيط الأميركي الجديد ديفيد شينكر في ترسيم الحدود البرية والبحرية وتسجيلها رسمياً في الامم المتحدة، مع ما يدور حول هذه المهمة من تساؤلات تربطها بالسياسة بشكل وثيق، وتعتبرها ذات علاقة عضوية بما يحصل من رسائل عسكرية، ضمن سياق معادلة “الأمن لإسرائيل مقابل النفط للبنان”، وخصوصاً بعد تأمين الاجتماع الأمني الثلاثي لمستشاري الأمن القومي الأميركي جون بولتون والروسي نيكولاي باتروشيف والإسرائيلي مئير بن شبات في القدس في 24 و25 حزيران 2019، الغطاء لإسرائيل بتجاوز جغرافية سوريا وتوجيه ضربات باتجاه العراق ولبنان، بتواطؤ أميركي روسي، واتباع سياسة العصا الإسرائيلية والجزرة النفطية تجاه لبنان.

إقرأ أيضاً: عون.. وإعلان الحرب
وفيما تطرق الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله إلى الأمور السياسية في الليلة العاشرة من عاشوراء، بعد أن كان هجرها في دروسه الدينية العاشورائية اليومية، أشار نائبه نعيم قاسم في الليلة التاسعة إلى أنّ “أميركا تعاني من توازن الردع الذي يمنع إسرائيل من أن تحقق أهدافها كما في السابق، بدليل الرد على استشهاد حسن وياسر”، متهماً نتنياهو “بالكذب في نتيجة تفجير المقاومة الآلية (في أفيميم) بقوله إن لا خسائر”، ومعلناً: “نحن مستمرون، ومسؤوليتنا الشرعية أن نبقى صامدين، وسنزيد من تسليحنا وأعدادنا وقدراتنا، فالمعركة مع إسرائيل مستمرة ما دامت إسرائيل تهددنا وتحتل أرضنا، وسنكون على جهوزية كاملة ولو لم تكن الحرب قريبة”، وأكد رئيس كتلة “الوفاء للمقاومة” النائب محمد رعد خلال مجلس عاشورائي في صور أن “المقاومة فرضت معادلة توازن الردع، وألزمت العودة بالعودة إليها، ووسعت هامش حركتها فلم تعد ملزمة بالرد من مزارع شبعا وتلال كفرشوبا فقط”، مضيفاً: “بدأوا بممارسة عقوبات التجويع والحصار الاقتصادي على المقاومة وبيئتها الحاضنة، ونقول لهؤلاء إن لبنان كله في ظل شبكة علاقات المقاومة السياسية، سيقف ضد محاولات إسقاط لبنان اقتصاديًا وتجويعيًا، فليفرضوا عقوبات ما شاؤوا، فنحن ماضون إلى أمرنا”.

إقرأ أيضاً: سؤال حرب
ثمانية أيام تفصلنا عن الانتخابات الإسرائيلية، وسواء حملت صناديقها فوزاً لـ”نتن””ياهو” وإعصاراً معجَّلًا للبنان والمنطقة، أو تأجيلًا للحرب المحتومة بفوز “نتنٍ” من الأنتان الأخرى إلى ما بعد ترتيب أوراقه، فليس أمامنا سوى الانتظار، وإن 17 أيلول الجاري لناظره قريب.

السابق
طائرتان مسيّرتان حلقتا في أجواء العديسة
التالي
حزب الله «الساكت» عن «حقيقة» كيف قُتل حاطوم !