هكذا «إنتصر» حزب الله في العملية الإنتخابية.. «النظيفة»

رب سائل، لماذا يكبد حزب الله "الذكوري" نفسه عناء ملاحقة أنثيين شيعيتين، وممارسة كل وسائل "الترهيب والترغيب" بحقهما لإزاحتهما من أمام مرشحه الرجل القوي حزبياً، في عملية الانتخابات الفرعية في دائرة صور الانتخابية في الخامس عشر من الجاري؟

الجزء الشكلي والعملاني من الإجابة عن هذا السؤال جاء إثر اعلان بشرى الخليل الانسحاب من السباق الانتخابي، وقد سبقتها دينا حلاوي قبل أيام، بعد توقيع ورقة الانسحاب أمام كاتب العدل في مكتب الشيخ نعيم قاسم، وبالتالي :طارت” الإنتخابات وأصبحت في مهب الريح، بعد إعلان حزب الله مواربة فوز مرشحه الشيخ حسن عزالدين بالتزكية.
الإجابة عن الشق الجوهري من السؤال في المضمون، تأتي تحت عنوان ان حزب الله يحلو له تاريخياً إستخدام كلمة “النظافة”وقد أدخلها إلى أدبياته السياسية، بمعنى الكلية التي لا يشوبها شائبة، على مثال “المال النظيف” أبان حرب تموز، وعليه أراد ان تكون “إنتخابات نظيفة” مائة بالمائة لمصلحته في الأصوات طبعاً، ولا يحتمل حتى ناقصة صفر فاصلة واحد.
وتفاصيل الجواب الشافي” تأتي تباعاً في سياق الرواية الكاملة وتبعاتها. فقد سجل أكثر من طرف قانوني إعتراضات صارخة على مقولة الفوز بالتزكية، انطلاقا من أن القانون حدد المهلة النهائية للانسحاب منتصف ليل الاربعاء المنصرم، فيما الخليل أعلنت انسحابها بعد يومين من انتهاء المهلة اي بعد لقائها نائب أمين عام حزب الله مساء الجمعة. في المقابل وبحسب أوساط قريبة منها، تستعد وزارة الداخلية والبلديات لإعلان إلغاء عملية الاقتراع المقررة وإعلان فوز مرشح حزب الله، حسن عزالدين بالتزكية، لكن من دون أن تتضح الصيغة القانونية التي يمكن أن تستند إليها، لإلغاء الاقتراع.
وكان حزب الله الذي استقال نائبه السابق نواف الموسوي من مهمته النيابية، رشّح بديلاً منه الشيخ حسن عزالدين ابن بلدة معروب في قضاء صور وهي أيضا مسقط رأس الوزير الحالي والنائب السابق محمد فنيش، وكانت أعلنت مرشحة الحراك المدني في صور دينا حلاوي انسحابها من السباق وعزوفها عن الترشح كما بررت في بيان صادر عنها والذي جاء فيه “انا ابنة عائلة وبيت مقاوم.. وبرغبة من عائلتي ومنعا لاتاحة اي فرصة للعب على وتر الانقسام الداخلي… ولاظهار الموقف الشعبي الموحد تجاه قضية الوطن المركزية وهي صون حريته وسيادته واستقلاله..” وختمت بيانها بشعار “عشتم وعاش لبنان حرّاً مقاوماً مستقلا”.
لكن حلاوي عادت ووجهت رسالة اعتذار صوتية مؤثرة الى مؤيديها، تناقلتها وسائل التواصل الاجتماعي، تحدثت فيها عن حجم الضغوط التي تعرضت لها لمنعها من الاستمرار في الترشح، وأشارت إلى ضغوط شديدة من عائلتها، حذّرتها من أن استمرارها في الترشح سيستتبع ببيان من العائلة يتبرأ منها. وقالت إنها تلقت عشرات الاتصالات من لبنان وخارجه التي تثنيها عن الاستمرار في الترشح في مواجهة مرشح حزب الله.

إقرأ ايضاً: الخليل تجر صور إلى المعركة وتؤكد لـ «جنوبية» انتظار «حزب الله» سحب عزالدين

في المقابل يتقدم الشيخ حسن عزالدين الى المقعد النيابي بثقة، فمرشح حزب الله وحركة أمل لا خوف عليه من الفشل في معركة انتخابية مضمونة النتائج، لكن الواضح أن حزب الله عمل على ممارسة جملة ضغوط مباشرة و غير مباشرة لمنع المرشحتين حلاوي والخليل من الاستمرار في الترشح، وهذا ما قالته حلاوي في سياق حديثها عن الضغوط، التي كانت تتم بعنوان أن تنافسها مع مرشح حزب الله هو استهداف للمقاومة، وكذا الخليل التي كانت على رغم اعتبار نفسها مؤيدة ومناصرة لحزب الله، إلا أنها كانت أكدت في أكثر من مناسبة أنها لن تنسحب من السباق، حتى لو طلب أمين عام حزب الله الذي تقدسه ذلك، لكن ذلك لم يمنع من أن تستجيب لاحقا لطلب حزب الله انسحابها من السباق الانتخابي.
ولكن لماذا لا يريد حزب الله خوض عملية انتخابية، يرجح كثيرون أنه سيفوز مرشحه فيها، لا سيما أن الرئيس نبيه بري أعلن تبنيه مرشح حزب الله ودعا محازبيه لانتخابه؟

في الوقت الذي تردد لدى أوساط حزب الله أن الغاية تخفيف الكلفة المالية للعملية الانتخابية عن كاهل حزب الله، تعتقد بعض أوساط متابعة للانتخابات في مدينة صور، أن حزب الله، أنهى ظاهرة المرشحين المنافسين لمرشحه، بغاية تفادي اي نتيجة غير متوقعة يمكن أن تصدر عن الناخب، ولفتت إلى جملة عناوين يمكن أن تزعج حزب الله ويتخوف من وقوعها:
اولا، يدرك حزب الله أن الاعتراض الشعبي هو أقوى بكثير من المجموعات المعارضة له والتي تفادت المشاركة في الانتخابات، إما خوفا، أو بسبب مالي.
ثانيا، حزب الله لم يعد قادرا على تقبل نتيجة انتخابية تظهر نسبة اعتراض عليه ولو كانت ضئيلة، فمأزق حزب الله أنه لم يعد قادرا على تحمل فكرة وجود آخر معارض لسياساته ليس لدى الشيعة فحسب بل في كل لبنان.
ثالثا، حركة أمل التي كانت تعتبر مدينة صور قاعدتها الشعبية، كشفت انتخابات ٢٠١٨ أن حزب الله تفوق عليها بآلاف الأصوات، لذا تفادى حزب الله اختبار العلاقة مع امل، من خلال ما يمكن أن تقوم به لإظهار أن حزب الله ليس هو القوة الفعلية في هذا القضاء.
رابعا، يسعى حزب الله الى ترسيخ فكرة لدى المواطنين وبالقوة، وفي الجنوب تحديدا، أن بوجوده لا مكان لمرشحين من خارج حزبه، فحتى الخليل التي كانت تعلن صباح مساء التزامها خط حزب الله المقاوم، لم يحتمل حزب الله فكرة أن تترشح وتستمر في ترشحها.

إقرأ أيضاً: «حزب الله» و «حرب إلغاء» المعارضة الشيعية.. إنتخابات صور نموذجاً

هذه بعض الأسباب التي يمكن أن تفسر رفض حزب الله إجراء الانتخابات الفرعية في صور، لكن ما يمكن الإشارة اليه، في خلاصة هذا المشهد الانتخابي وما خلص اليه، أن حزب الله الذي يبدو لكثيرين قوياً شعبياً، هو في حالة ضعف بائنة، لأنه يدرك في اعماقه، أن قوته ناتجة عن سلاحه، وماله، وسلطته على مؤسسات الدولة، لذا هو لا يريد اختبار سلطته المطلقة في معركة انتخابية، كانت ستظهر بمعزل عن شخصيتي المرشحتين المنسحبتين، اشارات من الاعتراض على حزب الله، والأهم تظهير تنوع سياسي شيعي من خلال الأصوات، يلغي فكرة النظام الشمولي الذي لا يقبل بأقل من تسعين في المئة من المؤيدين، أزمة حزب الله هنا، أنه لا يستطيع تقبل أنه يمثل ستين بالمئة من الشيعة مثلا..

آخر تحديث: 9 سبتمبر، 2019 2:31 م

مقالات تهمك >>