حرب من خارج السياق

ضربت إسرائيل ورد حزب الله وانتهى المشهد. ضربة بضربة وأعلن كل طرف اكتفاءه بالرد وتحقيق أغراضه.  لكن شتان بين الضربة الإسرئيلية في انتهاكها شبه اليومي للداخل السوري واختراقها العمق الأمني لحزب الله في الضاحية من جهة، وبين ضربة الحزب التي هي بالمقاييس العسكرية عادية ومتوقعة وربما حتى ممسرحة من الجانب الإسرائيلي من جهة أخرى. 

إسرائيل تستتبع آداءها العسكري لأدائها السياسي ومنظورها الاستراتيجي. فتراها نجحت إلى حد بعيد في ضبط الوجود الإيراني والتحكم بمواقع انتشاره وإرباك حضوره، ووجهت ضربات موجعة لهذا التواجد، سواء أكان بعدد الضحايا أو التدمير المباشر لمنشآته وعتاده، من دون أن نرى رداً إيرانياً ولو بدرجة حفظ ماء الوجه.  كما إن إسرائيل قتلت العديد من عناصر حزب الله في سوريا، واعترفت بقتل عماد مغنية، ومع ذلك عجز الحزب عن الرد المناسب رغم وعوده الكثيرة بذلك.    

إسرائيل اخترقت العمق الأمني لحزب الله. وبرهنت أنها قادرة على الوصول إلى أخص مواقعه وأكثرها سرية وكتماناً وحراسة. وهو اختراق اعترف السيد حسن نصر الله بدقته وتعقيده التقني. جاعلاً حزب الله في مرمى الاستهداف الدقيق لإسرائيل، بإصابة شقة في مبنى أو غرفة خاصة في شقة إصابة دقيقة.  أي بات مكشوفاً أمنياً. 

اقرأ أيضاً: سؤال الحرب

في حين كانت ضربة حزب الله تقليدية وعادية وبحدود ضيقة، لا تتناسب مع حدة التهديد والوعيد المسبقين من نصر الله لإسرائيل، ولا تتوافق مع القراءات المتضخمة والاستثمارات المعنوية اللاحقة لها، والتي جاءت لتخدم أغراضاً تعبوية خاصة بجمهور الحزب لتضخيم شعوره بالتفوق. فالضربة حصلت بانضباط شديد من حزب الله وتقيد حازم بخفض السقف. ما يعني أن غرضه هو رد الإعتبار المعنوي أمام جمهوره، مع قطع النظر عن نتائج هذه الضربة وأثرها المعنوي والعسكري على إسرائيل، أي مع قطع النظر عن جدوى الضربة وخدمتها لاستراتيجية مواجهة متقنة معها. 

في المحصلة، ضربات إسرائيل نوعية، تخدم استراتيجية هذا الكيان في التحكم بمصائر وترتيبات الداخل السوري، سياسياً وعسكريا، وفي إحداث اختراقات نوعية في الداخل اللبناني مع فرض سقوف منخفضة في حجم ونوعية ردود حزب الله انصاع لها الحزب بطواعية.  ما يعني أن إسرائيل هي التي خرقت قواعد اللعبة، وهي التي تتحكم بأداء خصمها، بأن تفرض عليه شروطاً صارمة في ردات فعله.

هذا في المعطى، ماذا في الدلالة؟

إسرائيل تعمل كدولة راعية لأمن شعبها راهناً ومستقبلاً، أما حزب الله فيعمل كقوة منعزلة عن اي سياق محلي وإقليمي، غرضه إثبات ذاته وجدارته في مناخ خطاب تعبوي وتبجيلي للذات يصل إلى حد الاعتقاد بعصمتها. ما يجعل حسابات الربح والخسارة عند إسرائيل هي حسابات الكيان كله، أما حزب الله فحسابات الربح والخسارة عنده تقتصر على عناصره وعتاده وسمعة قائده.  

إسرائيل تراعي في فعلها العسكري مقتضيات وضعها الإقتصادي والظرف السياسي والدولي إضافة إلى تأمين الشروط الكاملة لسلامة مواطنيها، الأمر الذي مكنها من تأمين غطاء دولي يتفهم أو يوافق على كل أعمالها العدوانية، ويجعل مردود العمل العسكري يصب في قوة الدولة والمجتمع الإسرائيلي معاً.  في حين يقيم حزب الله فصلا تاماً بين المواجهة والقضايا الجوهرية التي تمس المجتمع اللبناني، ما يجعل حزب الله يجني لوحده مردود أي إنجاز عسكري، ويدفع المجتمع اللبناني بأسره ثمن تخبط الفصل والعزل وفقدان التناغم بين إيقاع الأمن الخارجي وإدارة ملفاته الداخلية. إضافة إلى الأذى الذي تلحقه إسرائيل بلبنان عبر تدمير بناه التحتية وتنصل الحزب بالكامل من تبعات ومسؤولية هذا التدمير.  

نجاحات إسرائيل العسكرية تجعل دولتها أقوى ومجتمعها أكثر تماسكاً، أما نجاحات حزب الله العسكرية فتزيد من هشاشة الدولة اللبنانية ووهنها وعدم ثقة المجتمع الدولي بقدرتها على صون سيادتها وإدارة ملفاتها الأمنية بكفاءة، وتزيد من الإنقسام العمودي بين مكونات المجتمع اللبناني، وترفع أسهم وصاية الحزب عليها، وتعزز حكم الغلبة، الذي أخذت معالمه تترسخ يوما بعد يوم.

إسرائيل تدير معاركها مع الحزب من منطلق الصورة الكبرى التي ترسمها لواقع المنطقة بأسرها، والحزب يواجه إسرائيل من منطلق عقائدي-تعبوي خاص لا يقبل التعميم وتصب عوائده بالكامل في طهران. ما يحول دون تحول مواجهة كهذه إلى أن تكون قضية لكل الوطن أو قضية عربية تخدم القضايا العربية الكبرى. وهو ما جعل حروب الحزب مع إسرائيل خارج السياق التاريخي والاجتماعي والسياسي للصراع العربي الإسرائيلي.  فلا نجاحات الحزب عززت من شروط التفاوض مع العدو، ولا حسنت حظوظ تحرير مزارع شبعا، ولا منعت إسرائيل من التمادي في تهميش القضية الفلسطينية إلى حد التفكير الجدي بضم الضفة الغربية رسمياً بعد ضم كامل القدس لها.

    الغريب هو إعلان السيد حسن توسيع حدود المواجهة مع إسرائيل، بحيث لا تقتصر على حيز مزارع شبعا، أي إعلان ضمني بإلغاء القرار 1701، وهو قرار يصب في مصلحة لبنان أكثر من إسرائيل، لأنه يوفر ضمانة دولية رسمية للجنوبيين بتأمين حدود آمنة وحياة مستقرة، ويوفر عليهم مذلة البحث عن ملاذ آمن عند اشتعال الجبهة على طول الحدود مع إسرائيل، بخلاف المستوطنات الإسرائيلية التي تتوفر فيها كامل البنى التحتية للحروب. 

القرار 1701 مكسب لبناني، وإلغاؤه هو تنازل مجاني من رصيدنا لصالح إسرائيل، لا يبعد أن تعمد إسرائيل إلى استدراجنا للتنازل عنه.  كما أن توسيع حدود المواجهة مع إسرائيل يُميِّع قضية مزارع شبعا المحتلة، التي يبدو أن حزب الله قد محاها من بياناته وخطبه وبرنامج مقاومته، بعدما فشل في انتزاع اعتراف سوري بلبنانيتها، وبعد تشتت سلاحه في ساحات جهاد غير ذات صلة بأصل مقصد المقاومة والتحرير.  يريدنا حزب الله أن ننسى مزارع شبعا بعدما نسيها هو، ويعمد إلى التقليل من أهميتها بتوسيع مدى المواجهة مع إسرائيل وخلق جبهات افتراضية غير حقيقية معها. 

لنتذكر أن مفهوم الدولة بدأ يظهر تاريخيا مع مبدأ السيادة، الذي كشف عنه المفكر الفرنسي جون بودان، في زمن كانت تتعدد المرجعيات وتزاحم السلطة العامة داخل المجتمع على سلطة القرار والأمر.  لم يكن غرض مبدأ السيادة الحد من اعتداء الدول الأجنبية على بلد ما، بل ليحسم مرجعية الدولة الحصرية في إدارة المجتمع، لتكون المسؤول الأول والأخير في توفير الأمن الداخلي والخارجي. ما يجعل أي انتزاع لمهام الدولة وهتك أو مزاحمة لمرجعيتها النهائية في سلطة الأمر والقرار العام اعتداءً على سيادة الدولة نفسها.

هو مبدأ، أي السيادة، عبّر عنه ماكس فيبر في مطلع القرن العشرين بلغة حاسمة، بأنه عبارة عن احتكار الدولة للإكراه المشروع، أي احتكار الدولة لكل استعمال مشروع للسلاح.  هو تعريف يشترط في مشروعية أي سلاح أن يتخذ صفة العموم، بأن تتوزع منافعه على الجميع، لا ليكون مدعاة افتخار حزبي أو مذهبي خاص أو حتى عنصر استقواء على مكونات المجتمع الأخرى. وهو شرط لا يستقيم إلا بأن يكون السلاح، إدارة وتنظيماً وقراراً من مختصات الدولة، وإلا بات سلاحاً مقوضاً للدولة بحكم أنه ينتزع منها أهم خصائصها ويزعزع المسوغ الاساس لوجودها والولاء لها، وهو الحماية والأمن. ما يدفع المواطن إلى البحث عن ملاذات أمن بديلة، فيتقلص ولاؤه من ولاء للدولة إلى ولاء خاص وضيق يجده في العشيرة والدين والطائفة والحزب والمنطقة. ما يزيد الوطن تفتتاً والدولة ذبولاً ويدفع بها إلى الإنهيار. وهو ما بتنا نشهده داخل الطائفة الشيعية نفسها للأسف، بعد سيادة ثقافة ولايتية وخطاب يدعو ضمناً إلى حصر الولاء بالحزب والتندر على مرجعية الدولة ومقدراتها، أي تعزيز ثقافة ومسلك اللادولة.

 حجم القوة العسكرية لحزب الله لا يعدو أكثر من أمر واقع يفرض نفسه على الدولة ليزيدها ارتباكاً وعجزاً، وعلى المجتمع اللبناني ليزيد مكوناته المتعددة هلعاً وخوفاً وقلقاً. لكن تضخم حجم هذه القوة وجدارة استعمالها، لن يلغي أصل الإشكال القديم في علاقة هذا السلاح بالدولة وضرورة خضوعه لسقفها والتقيد بمرجعيتها، بل يتناغم مع مقولة سلطة المتغلب، التي تعطي للقوة بذاتها أساساً حصريا لمشروعية أي فعل سياسي، ومؤداها البعيد المدى حرب الكل ضد الكل وفق ما حذر منه الفيلسوف توماس هوبس.

فائض القوة وترسيخه أمراً واقعاً، لن يعطي الحزب الشرعية في أن يحصر قرار الحرب والسلم بيده، ولا الحق في أن يختزل وطناً ومصير شعب بأسره، بتعدديته الغنية ونزعة الحرية المتأصلة فيه، بقرار وتقدير شخص واحد.

آخر تحديث: 9 سبتمبر، 2019 12:46 م

مقالات تهمك >>