كريم مروة.. «العلامة الفارقة» في الفكر الشيعي – الشيوعي

كريم مروة

تبرَّجت نخبويته التقديمة، تبرُّج الجاهلية الأولى، فنخبوية كريم مروة المفكر والسياسي والكاتب، هي نخبوية المثقف النقدي، الموسوعيّ، الذي كان وما زال، بالرغم من عِتِيِّ عمره “يساريّاً يحلم بالتغيير في اتجاه التقدم” (على حدّ قوله في إحدى كُتُبه). إذ إنه جعل كل مسيرته المعرفية، وقفاً على نضاليته التي اقترن فيها التنظير الفكري بالممارسة السلوكية، ذلك لأنها نضالية عقائدية (حزبية) عافت – حتى المقت الشديد، كل البروج العاجيّة.

فنضال كريم مروة المتّصف، إبداعياً، بمحاولاته الدؤوبة والحثيثة تقديم “رؤى جديدة للعالم ولبلاده…”.، هو – وعلى حدّ قوله أيضاً، في الكتاب المشار إليه – ذلك النوع من “النضال المفعم والمُثقل بهمِّ وبمهمة تغيير العالم، النضال من أجل التغيير، أي من أجل الحرية بكلّ مضامينها: الحرية للأفراد، وللجماعات وللشعوب على حدّ سواء”. وتشهد بكل ذلك، مؤلفاته كلها، وآراؤه ومواقفه، مجتمعة – خارج هذه المؤلفات –. نُقدِّم هنا، أساسيات السيرة الذاتية لكريم مروّة، في هذا الحوار الذي أجريناه معه حولها:

  • متى ولدت؟ وأين؟

ولدت في الثامن من شهر آذار من عام 1930، في بلدة حاريص، في أقاصي جنوب لبنان، بالقرب من الحدود مع فلسطين. في عائلة دينية عريقة تعود في أصولها إلى قبيلة همدان اليمنيّة.

والداي

  • من هما والداك؟ وماذا عن شخصيَّتيْهِما؟

والدي هو الشيخ أحمد مروّة، ووالدتي هي الحاجة خديجة مروّة. والدي الشيخ أحمد يتميز في قراءتي لشخصيّته، بأنه رجل دين مستقل، ورجل دنيا، في الآن ذاته، بمعنى أنه جمع بين عمامته، وعمله في الميدان التجاري، لتأمين الشروط الضرورية لعيش عائلته بكرامة، أما والدتي، فكانت مثلما هي عليه سيدات البيوت في الأُسر الدينية، لا أكثر ولا أقلّ، لكنها كانت في تربيتها لنا، نحن أولادها، مكمِّلة لما كان يقدمه لنا والدنا الشيخ، من قيم إنسانية في الإسلام، وهي القيم التي بقيت راسخة عندي في حياتي اللاحقة، حتى وأنا في عز انتمائي للفكر الاشتراكي، أي في كوني علمانياً بالمعنى المتعارف عليه للعلمانية. وإذ أُشير إلى هذه السِّمة، عند والدي كرجل دين، فلأنني أعتبر أن تكوينه لي، ولأشقائي وشقيقاتي، الـ11 (ست صبيان وخمس بنات) ترتيبي بينهم في الوسط)، قد جعلني عندما انتميت إلى الاشتراكية، محتفظاً بالقِيم الإنسانية التي رسخها في عقلي وفي وجداني. ولذلك عندما عرف بأنني أصبحتُ شيوعيّاً صار يراقبني، لكي يرى، إذا ما كنت قد تخليتُ عن القيم التي علّمني إياها، فوجدني مستمراً بإسم شيوعيّتي، أُمارس القِيم ذاتها. الأمر الذي جعله يشعر بالراحة، وهو يراني متخلياً عن الطقوس الدينية.

اقرأ أيضاً: المفكّر اليساري كريم مروة: لا أحد يستطيع تغيير مكونات الشخصية اللبنانية بتعددها ووحدتها

كُتّاب… ومدارس متنوعة

  • متى تلقيت تعليمك الأول؟ وأين؟ وكيف؟

في الثامنة من عمري أدخلني والدي إلى كُتّاب القرية، حيث ختمتُ القرآن. وفي التاسعة من عمري أدخلني في المدرسة التي كانت قد تأسست في ذلك العام، وهي المدرسة التابعة للجمعية الخيرية العاملية، وبقيت في تلك المدرسة عامين. وفي العام 1941، انتقلت العائلة إلى مدينة صور، فأدخلني والدي إلى المدرسة الجعفرية، التي كان قد أسسها المرجع الديني السيد عبد الحسين شرف الدين. وفي العام 1943، نجحت في شهادة “السرتفيكا” فأرسلني والدي إلى بيروت، لكي أتابع دراستي في مدرسة “حوض الولاية”، برعاية شقيقي محمد حسين، وشقيقتي فاطمة، لأن الجعفرية، لم تكن قد أنشأت الصفوف التكميلية، لكنني لم أبق سوى بضعة أشهر، عُدْتُ بعدها إلى صور.

فأدخلني والدي في مدرسة “اللاَّتين” الكاثوليكية؛ إلى أن فتحت الجعفرية الصفوف التكميلية، فعُدْتُ لأُتابع دراستي فيها. ومن طرائف وجودي في مدرسة “حوض الولاية”، أنني شكلت مع رفاقي جمعية ثقافية وكان من أوائل نشاطنا، أننا قررنا أن نُشارك في المظاهرات التي عمَّت بيروت، للمطالبة بالإفراج عن حكومة الاستقلال، التي كانت قد اعتقلتها سلطات الانتداب الفرنسي. وأذكر أننا، ما إن خرجنا في المظاهرة استقبلنا القنّاصة السنغاليون، فتقرَّقنا، وأضعتُ طريقي إلى منزلي، على مدى نهار كامل. واستمراراً لما قمت به في مدرسة “حوض الولاية”، شكّلت مع رفاقي في مدرسة الجعفرية، جمعية ثقافية، جمعنا فيها الكُتُبَ، بما في ذلك، كُتُبٌ طلبنا من مؤلِّفيها أن يوصلوها لنا. وكنا، في الآن ذاته نُتابع القراءة في المجلات المصرية “الهلال”، لصاحبها اللبناني – المصري جرجي زيدان؛ و”الرسالة” لصاحبها المصري أحمد حسن الزيات. وخلال الأعوام الأولى بين 1944 و1946، تحوّلتُ، من تلقاء ذاتي إلى قومي عربي، من دون أن أنتمي إلى أي تنظيم حزبي. وساعدني، في ذلك الانتماء أستاذي السوري، إنعام الجندي، الذي كان في علاقته مع طلابه حريصاً على جعلنا نشعر معه، وكأننا رفاق عُمر، وهو ما لا أنساه في حياتي. والطريف في تلك المرحلة، أنني كنت بإسم قوميّتي العربية، على علاقة صداقة مع شباب ينتمون، مثلي، إلى القومية العربية، ومع شباب ينتمون إلى الحزب القومي السوري، وآخرين ينتمون إلى الشيوعية. وأذكر ان أستاذي سليمان أبو زيد، الشيوعي، قال لي، ذات يوم في عام 1946: “إسمع يا عبد الكريم، ما أقوله لك: ستكون، في فترة لاحقة، قيادياً بارزاً في الحزب الشيوعي”، لم أُعِرْ لكلامه أي اهتمام؛ لكنه جاءني في عام 1970، وكنت مع الرفاق: نقولا شاوي، وجورج حاوي، وآخرين، على باب قصر الأونيسكو، نستقبل القادمين للمشاركة في الاحتفال بـ”مئوية لينين”، جاءني سليمان أبو زيد، قائلاً لي وهو يعانقني: “هل تذكر ما قلته لك، قبل ما يقرب من ثلاثين عاماً”؟، وضحكنا. وفي عام 1947، أرسلني والدي إلى بغداد، لمتابعة دراستي الثانوية في مدارسها، برعاية إبن عمه المفكر التراثي الكبير الشهيد حسين مروّة.

شؤون جنوبية172

مُراهق مختلف

  • هل كنت تحلم، في فترة مراهقتك، أو في مطلع شبابك، بأن تكون شخصاً آخر، غير الذي كنته، فحدث أمر ما، كان له التأثير الحاسم في مجرى حياتك، بدد تحقيق رغبة حياتية خاصة، كانت لديك، وأوصلك إلى ما صُرْته لاحقاً؟

الطريف في حياتي، أنني، في سن المراهقة، كنت مختلفاً، بعض الشيء، عما يكون عليه الشاب المراهق. إذا انغمست في القراءة الأدبية، ومع بعض الاهتمام بالسياسة، تأكيداً مني على وطنيّتي اللبنانية، من جهة، وتأكيداً، من جهة أخرى، على العلاقة التي خلقتها عندي، تقاليد منطقتنا، في العلاقة مع فلسطين، وكان أحد أشقائي، قد انتقل إليها للعمل في إحدى المؤسسات في مدينة حيفا. وصارت فلسطين، استناداً إلى تلك العلاقة، تحتل مكاناً مهماً في وجداني، منذ شبابي الأول. وبدأتُ منذ عام 1946، أمارس الكتابة، التي اختلط فيها الأدب بالسياسة، الأمر الذي يشير إلى أنني تجاوزت في وقت مبكر، ما هو معروف في مثل عمري بسن المراهقة.

سؤال لم يخطر ببالي

  • هل الفكر يقود إلى السياسة أم العكس؟

لم أطرح على نفسي مثل هذا السؤال، ذلك أنني وجدت نفسي، ربما من دون أن أدري، كما أشرت إلى ذلك، جامعاً في حياتي، وفي اهتماماتي، بين السياسة والثقافة. الأمر الذي جعل بعض أصدقائي يقفون عند هذه الظاهرة التي لم أُعطها اهتماماً من قِبلي.

مناضل أُممي

  • |أنت يساري عريق، انتسبت إلى الحركة الشيوعية (في أواسط 1948)، عندما كنت تتابع دراستك في العراق، في كنف ابن عم والدك الشيخ الشهيد حسين مروة، وبعد عودتك إلى لبنان، أصبحت مناضلاً ثم قيادياً في صفوف الحزب الشيوعي اللبناني. فما كان دافعك لأن تكون شيوعياً؟ وهل كان للشهيد حسين مروة، خصوصاً بعد أن أصبح شيوعياً تأثير معيّن في ذلك؟

في العراق تكوَّنت – خلال العامين اللذين أمضيتهما فيه – العناصر الأساسية من شخصيّتي. ومن طرائف تلك الفترة، في العراق، أنني، في عمري الذي لم يكن قد بلغ العشرين، نشأت لي علاقة صداقة مع كبار الأدباء العراقيين، كان في مقدمتهم الجواهري، ومعه كل من: بدر شاكر السياب، وبلند الحيدري، ونازك الملائكة، وعبد الملك نوري، وعبد القادر البرّاك، وعدد من الشخصيات السياسية، من الشيوعيين والقوميين العرب. ولذلك، عندما عدت إلى لبنان، في صيف 1949، عدت حاملاً معي، إلى جانب شيوعيتي، تلك العلاقات التي أعتزّ بها. وخلال الأعوام الثلاثة الأولى، التي أمضيتها في مدينة صور، للمرة الثانية، في الكلية الجعفرية وبلدة شمسطار البقاعية، التي كنت أمارس فيها التدريس، والعاصمة بيروت التي كنت أتردّد عليها، خلال تلك الأعوام الثلاثة نضجت عملية انتسابي الحقيقي إلى الشيوعية. وفي خريف 1952 دخلت إلى الجامعة اللبنانية وانتُخبت، على الفور، بصفتي الشيوعية، نائباً لرئيس الرابطة الطلابية، ثم صُرت في العام ذاته، مسؤولاً عن المنظمة الطلابية في الحزب الشيوعي اللبناني.

في صيف عام 1953 أرسلني الحزب الشيوعي على رأس وفد إلى مدينة بوخارست عاصمة رومانيا الاشتراكية، لحضور المهرجان العالمي للشباب والطلاب. ومن بوخارست إلى بودابست، لكي أمارس دوري في قيادة اتحاد الشباب الديموقراطي العالمي بإسم الشبيبة العربية. وكانت تلك البداية الجديدة المختلفة عن السابق في حياتي، إذ أصبحتُ، إلى جانب وطنيّتي وقوميّتي، مناضلاً أممياً. ومن طرائف تلك الفترة الممتدة من عام 1948 في العراق، إلى عام 1953 في بودابست أنني سبقت معلِّمي حسين مروة في الانتماء إلى الشيوعية.

اخترت الحرية…

  • إن تجربتك الحزبية – كمسيرة حياتية شخصية – وهي التي جعلتك مواطناً عالمياً (أُممياً) – مشهود لها بعمقها وغناها المعرفيّين، نضالياً وثقافياً، إذ هي وعلى الصعيدين: النظري والعملاني، تمتاز بعدة وجوه كلها بارزة على مستوياتها كافة. فماذا عن هذه المسيرة، مجتمعة، ولو باختصار؟

في سؤالك هذا، تختصر عمري الذي قارب التسعين. واسمح لي بأن أُعلن باختصار مكثَّف، أن تلك المرحلة الطويلة من عمري، كانت فائقة الغنى بالتنوع في المعرفة الفكرية والسياسية والثقافية بعامة. إذ إنني حرصت على امتداد عمري، ألا أجعل السياسة، التي كنت أمثِّل بإسمها، في مواقعي القيادية، في الحركة الأممية، حرصت ألا أجعل السياسة تطغى على اهتمامي الفكري خصوصاً والثقافي بوجه عام. وإذ أشير إلى الجانب الفكري، فلأنني تعلمت من وجودي في منظمتين أمميتين، ومن العلاقات التي فرضتها علي مواقعي القيادية، تعلّمت كيف أمارس قراءتي النقدية للفكر، إلى الحدّ الذي وجدتُ نفسي في أواسط الستينات من القرن الماضي، على خلاف مع رفاقي في قيادة الحزب من الحرس القديم. ذلك أنني كنت أُمارس القراءة في كُتُب الماركسية، لا سيما كتابات ماركس وإنجلز بالذات. وقادتني تلك القراءات إلى أن أختلف مع ما كان سائداً في الحركة الشيوعية، من تبعية اعتباطية، من قبل الأحزاب الشيوعية، للحزب الشيوعي السوفياتي. وهي كانت تبعية، قلَّد فيها الشيوعيون أسوأ ما كانت تُعبّر عنه سياسات الحزب الشيوعي السوفياتي، في الانتماء الخاطئ إلى فكر ماركس وإنجلز. كان مما تعلّمته من ماركس، من خلال قراءتي لكُتُبه وكتاباته، أن الأساسي في فكره، هو أولاً، وقبل كل شيء، الاهتمام بالإنسان كقيمة أساسية في الوجود. كما تعلّمت منه أن الفكر ليس ثابتاً وأنه تاريخي، بمعنى أنه يختلف من حقبة إلى حقبة، باختلاف العوامل الجديدة، وهو ما عبّر عنه ماركس بقوله للشيوعيين: “لا تحوّلوا الأفكار الاشتراكية إلى عقيدة جامدة، أي إلى دين”. وكانت سياسات الحزب الشيوعي السوفياتي بعيدة، كل البعد عما أشرتُ إليه من فكر أساسي عند ماركس.

اقرأ أيضاً: كريم مروه: الوصاية أخطر ما واجهته أحزابنا (3\2)

في أواسط الستينات أطلقت مع عدد من رفاقي، من الجيل الجديد في الحزب ثورة، جددنا فيها فكرنا وسياساتنا، في ضوء مستجدات العصر، ووضعنا صيغة محددة للعلاقة مع الحزب السوفياتي مستقلين في سياساتنا عنه، مع استمرارنا في العلاقة في إطار الحركة الأُمميّة. إلا أنني بدأت منذ المرحلة الأولى في الحرب الأهلية اللبنانية، وصولاً إلى المرحلة التي انتهت فيها الحرب، وانهارت فيها التجربة الاشتراكية برمتها بدءاً بالاتحاد السوفياتي، بدأت، على امتداد تلك الفترة، أُمارس قراءتي النقدية لفكرنا الاشتراكي. ولم ألبث أن طلَّقتُ العمل في الحزب الشيوعي، واخترت الحرية في القراءة والكتابة والتفكير، وفي إصدار الكتب التي بلغ عددها، حتى الآن أربعين كتاباً، تمتلئ بما كان يرتقي، على الدوام، في فكري، باحثاً بجدية، على طريقتي، وبإسمي الشخصي، عن المستقبل الذي تتحرر فيه بلداننا مما هي فيه، ويتحرّر معها العالم مما يسود فيه، في ظل العولمة الرأسمالية. وهي محاولات سأظلّ أُتابع جهدي فيها، في تقديم أفكار جديدة مقرونة بعمل يكون للأجيال الجديدة، فيه دور أساسي، لتحقيق ما عبّرت عنه فكرة ماركس الأساسية دفاعاً عن الإنسان كقيمة أساسية في الوجود، لتغيير العالم بإسم الاشتراكية.

وهذه الفكرة، هي جوهر مشروع ماركس لتغيير العالم، وهو مشروع يتمثّل بإرتقاء وعي البشرية، لتأسيس حضارة إنسانية، يتلازم فيها التقدّم في ميادينه كافة، مقروناً بالحرية وبالتنوع وبالعدالة الاجتماعية. لكنها (أي الاشتراكية المأمول تحقيقها) ستكون حتماً اشتراكية مختلفة، بالكامل، عما صاغها ماركس، قبل مائتي عام.

(هذه المادة نشرت في مجلة “شؤون جنوبية” العدد 172 صيف 2019)

السابق
بومبيو لباسيل: فككوا مصنع الصواريخ رقم 2 أو ستهاجمكم
التالي
«جنوبية» تنشر بورصة التعيينات القضائية.. والمحاصصة ترحلها إلى بعبدا