مارغريت دوراس الدَّاعية إلى تدمير كل ما «يُدمِّر».. المعرفة

غلاف كتاب
الكتاب الصّادر، حديثاً، بطبعته العربية، تحت عنوان: "التدمير" (في طبعة أولى 2019)، هو أحد مؤلَّفات مارغريت دوراس، (التي هي واحدة من أهم الرّوائيّين والرّوائيّات في فرنسا). وهذا الكتاب الذي ترجمته رامية إسماعيل، هو من المنشورات الجديدة لـ"شركة المطبوعات للتوزيع والنشر" في بيروت (الجناح، شارع زاهية سلمان، مبنى مجموعة تحسين الخياط). و"التدمير" هو كتابان في كتاب واحد، إذ هو ينطوي على عملين روائيّين لدوراس، تتقدّمهما مقدِّمة النّاشر بقلم الدكتورة عزّة طويل.
اعلان

وهذان العملان – واللّذان “جرى جمعهما معاً بسبب الحجم الصغير للرواية الأولى”. في الكتاب – هما: “الرجل الجالس في الرواق” (الرواية الأولى)؛ و”التدمير” (الرواية الثانية، التي وُسِمَ الكتاب بها).
ومارغريت دوراس هي: روائية وشاعرة وكاتبة مسرحية وسينمائية ومخرجة فرنسية. ولدت في فييتنام في الرابع من نيسان/ إبريل العام 1947، واشتهرت في فرنسا والعالم الفرنكفوني بالتنوع الأدبي والمعاصرة، وبأسلوبها المتميز بالبساطة والعمق في آن. حازت جائزة غونكور الرفيعة، وتُعد من أهم الأدباء الفرنسيين في النصف الثاني من القرن العشرين. في جعبتها أكثر من 45 كتاباً وعملاً مسرحياً وسينمائياً.

اقرأ أيضاً: وسام شيّا يبوح شعراً في مجموعته الأولى «ماذا لو؟»

وكتابها هذا دفَّتاه، إذاً، تجمع حكايتيها (روايتيها المذكورتين)، اللتين تجمع بينهما تيمات دوراس وكثافة نصوصها المعتادة ولغتها الأخاذة التي تحمل جدلية الصمت والغياب. الرجل، والمرأة، والرغبة، والشغف، والعنف، والأنا… كلها مواضيع تتقن الروائية الفرنسية المتميزة معالجتها ببساطة أقل ما يُقال فيها إنها عارمة.
وفي “الرّجل الجالس في الرواق: امرأة، ورجلٌ وصمتٌ وعيون…
وفي “التدمير” امرأة ورجلان لا تربط بينهم أي معرفة مسبقة إنما يجمعهم فندق واحد، اليزابيت أليون، وماكس تور، وشتاين، يتبادلون نظرات صامتة، واهتماماً يزداد كل لحظة. ثم تنضم إليهم أليسا زوجة ماكس، وبرنارد زوج اليزابيت. في الفندق، تدور قصة صاعقة كالحب، صامتة كالموت، خطيرة كالجنون، وغريبة كالإنسان. في الفندق، تُدَمِّر دوراس أبطالها لتحررهم، تملؤهم رغبة وشغفاً بالحياة، تدفعهم باتجاه الغابة المرعبة، لتفتح أمامهم آفاقاً قلما سلكها أحد.
و”التدمير” رواية سيطرت على جميع حواس دوراس حتى بعد انتهائها منها، فحوّلتها إلى فيلم من إخراجها هي، ولم تتمكن من مباشرة الكتابة من بعدها.
“التدمير” كتاب لا يشبه سوى مارغريت دوراس…
ونُقدِّم هنا محتوى مقدِّمة الناشر: لا يمكن قراءة أي من أعمال مارغريت دوراس قراءة عابرة فالكاتبة الروائية والمخرجة الفرنسية التي خرجت عن المألوف في كتاباتها لا تهدف عبر نصوصها إلى إخبار قصة ما، كما أنها لا تُعنى كثيراً بالحدث، بمعنى أن الحدث ليس هو الغاية والقصد. قد تصف دوراس مشهداً واحداً عبر رواية قصيرة متكاملة، كما في “الرجل الجالس في الرواق”، فتدفع القارئ إلى عيش هذا المشهد معها ومع أبطالها، كما لو أنه جزء منه، وقد تبني رواية كاملة على ما يدور في خلد شخصياتها، وليس على ما يحدث معهم، مثلما فعلت في “التدمير”.
ومن هنا، لم تكن ترجمة هذا العمل خالية من الصعوبات. فقد عمل عليها فريق من المحررين، كما عملت عليها بنفسي في محاولة لتقديم أوفى ترجمة ممكنة. لكن يبقى أسلوب دوراس الأدبي أرقى من أي ترجمة أو قراءة. جملها بسيطة ذات تركيبة ناعمة ومباشرة، لكنها تحمل أعمق المعاني، ولترتيب كل كلمة فيها أهمية قصوى. ومن هنا إحدى الصعوبات التي تواجه من يحاول تعريب أعمال دوراس، لذا فمن لا يدأب على تحليل نصها، وقراءة تعليقاتها الشخصية على أعمالها، ومشاهدة الأفلام التي استندت إلى رواياتها (والتي حرصت على إخراجها بنفسها أحياناً)، لن يتمكن نهائياً من إيصال ثقافة دوراس وأدبها. ومن هنا، حرصت شركة المطبوعات للتوزيع والنشر أن تعرض العمل على كوكبة من المتخصّصين قبل بلوغ الترجمة صيغتها النهائية.
وفي هذا السياق، توقفنا كثيراً عند عنوان روايتها Détruire Dit-elle، وهو العنوان الذي اعتمدناه لهذا الكتاب، علماً أن الكتاب الذي بين أيديكم يتضمن عملين لدوراس: أحدهما قصير بعنوان “الرجل الجالس في الرواق”، والثاني رواية طويلة بعنوان “التدمير”. تُرجم عنوان عمل دوراس هذا إلى الإنكليزية بشكل حافظ على التركيبة الأصلية Destroy, She Said، بيد أن اللغة العربية لا تسمح بالتزام تركيب العنوانين الفرنسي والإنكليزي، وإذا جرت ترجمتها حرفياً فسوف يفقد العنوان الكثير من معناه وقوته وتأثيره في قارئه. العنوان الفرنسي Détruire Dit-elle جاء باقتراح من ألان روب جرييه الأديب والناقد الأدبي والمخرج السينمائي الفرنسي الصديق لدوراس، حيث إنها كانت قد عنونت روايتها La Chaise Longue، أو “الكرسي الطويل”، ثم غيرت العنوان بناء على نصيحة الصديق. تكمن أهمية هذا العنوان المقترح في أنه يعكس الرؤية التي أرادتها دوراس، ويعكس اتجاهها الماركسي في حينها، علماً أنها ضمنت الرواية بُعداً اجتماعياً عميقاً، بدعوتها إلى تدمير الذات.
وبالحديث عن التدمير، دعت دوراس عبر روايتها هذه، وهي الرواية الأكثر تأثيراً فيها بحسب ما تقول، إلى تدمير الذات أولاً، أو تدمير الوجود الفردي والشخصي. واعتمدت في ذلك تقنية التداخل بين الشخصيات: ماكس تور يريد أن يصبح كاتباً، وكذلك شتاين؛ ماكس تور يهودي وكذلك شتاين؛ شتاين يقول لأليسا: كم يحبك (عن ماكس تور)، كم يرغب فيك لكنه في الوقت نفسه يقول لها إنه، هو، يحبها وإنه، هو، يرغب فيها. التدمير الأساسي أو الكلي لدوراس يستهدف الأحكام الجاهزة والذاكرة، وكل ما يمكن أن يعرقل المعرفة. تذهب مارغريت حد الدعوة إلى إقفال المدارس والجامعات، لكنها تعترف أنها تدعو إلى مثالية غير متاحة، ومع ذلك تصر على الأمر.
وأنت تقرأ “التدمير” قد تقف عند حوارات تفقد معها قدرتك على تحديد المتكلم: هل هو ماكس تور، أم أنه شتاين، أم أليسا، أم إليزابيت؟ ليس ذلك ضعفاً في نص دوراس، بل هو أكثر عناصر الجذب في روايتها هذه، فدوراس تقصدت هذا التماهي بين شخصياتها، بما يتلاقى مع هدفها الأول وهو التدمير، وتمكنت من  نسج حوارات لا يعود يهم معها من القائل أو من الذي يرد، فالفرد هو بكل بساطة، الكل.
وضمن هذا السياق يبرز موضوع الرغبة ضمن المواضيع الأساسية التي تعالجها دوراس في روايتها “التدمير” و”الرجل الجالس في الرواق” وروايات أخرى من كتابتها. تدعو الكاتبة إلى التدمير أيضاً عبر تحميل شخصياتها رغبات تعكس بشكل غير مباشر إرادتهم تدمير كل ما جرى بناؤه.
ففي “التدمير”، تسكن الرغبة كلاً من شتاين وماكس تور وأليسا وإليزابيت وحتى برنارد زوج إليزابيت. يتشاركون في رغبة مدمرة، رغبة عاتية لا سبيل إلى إسكاتها:
“- أكان علينا أن نُواري هذا الشيء المتمثّل في إليزابيت أليون؟
لكان الأمر سيّان”.

اقرأ أيضاً: خالدة سعيد تعالج تحوّلات حداثويّة في ‌«أفق المعنى»

إذاً سواء أفصحوا عن رغبتهم العاتية تلك أم لم يفصحوا، فقد تملّكتهم الرغبة وسيكون الأمر سيّان. يدمّر أبطال دوراس بعضهم بعضاً، ولا سيما نفسياً، بهدف إزالة مخاوفهم والتصدّي لها، علماً أن مخاوفهم هذه تتمحور حول موضوع واحد: تدمير ما سبق لهم أن بنوه، ولا سيما في علاقاتهم. تعتريهم رغبة ساحقة، عاتية، عنيفة، تضعف معها كل الأعراف والمواثيق الاجتماعية، فلا يعود الزواج صامداً ولا كل الهالة التي تحيط به. لا يصمد لدى دوراس سوى الحب، إن توفرت القدرة على الحبّ: “كان بوسعها أن تحبك أنت أيضاً، لو أنها قادرة على الحب”.
لن أطيل بتحليل نص مارغريت دوراس فعملها هذا أخاذ وله قدرة السيطرة على القارئ مع كل قراءة جديدة له. “توجد الرواية عندما يسيطر موضوعها على الكاتب. لا وجود لرواية لا ينغمس كاتبها فيها”؛ هذا ما تعبّر عنه مارغريت دوراس، هي التي انغمست في “التدمير” وعانت عدم القدرة على الكتابة بعد أن أنهتها، لشدة ما أخذها الموضوع: موضوع الرغبة، والتدمير، وإعادة البناء من دون خوف، من دون فزع، وعلى وقع موسيقيّ يجتاز كل الحدود التي يرسمها البشر.
أحمد ياسين

السابق
من سرق الآخر: نوال الزغبي أم ميران؟!
التالي
بعد تداول خبر عن تجنّب جعجع مصافحة الرئيس عون… القوات توضح