في رحاب عاشوراء

في ظرفنا الرّاهن، ونحن على أبواب شهر محرم ومناسبة عاشوراء، هل من كلمة حيال هذه المناسبة؟

يقول العلاّمة المفكّر السيد محمد حسن الأمين: في استقبال مناسبة عاشوراء ـ كما هي العادة في كل عام ـ يعترينا شعور بأن تكرار إحياء هذه المناسبة يكاد يكون إضراراً بمحتواها وبالقيم والمفاهيم التي تتضمنها هذه المناسبة الاستثنائية في تاريخنا الإسلامي؛ كما يخالجنا شعور بأن التوقف عن إحيائها هو تفويت لفرصة يصعب على الأمّة أن تحرم نفسها من تجديد الإيمان بقيمها وعمقها الإنساني الذي يصعب القول بأنه قابل للنفاد،  ذلك أن حدثاً تاريخياً له هذه الدرجة من المساس في الوجدان الإنساني وفي التعلق بقيم العدل والخير والجمال لا يصح أن يتم إدراجه في صفحات التاريخ بوصفه حدثاً أدى دوره التاريخي والانساني وبات من الأحداث التي انتهت مفاعيلها وقدرتها على التأثير المتجدد في وجدان المعذبين والمظلومين على امتداد التاريخ.

اقرأ أيضاً: العمل السياسي للمرأة

ويتابع: أشعر في هذه المرحلة من تاريخ العالم عامّة، ومن تاريخ المسلمين خاصّة،  أن عالمنا هذا ما زال حاشداً ومليئاً بعوامل الاستبداد والكراهية وكل أشكال الاستئثار،  كل ذلك بالرغم من كل صور التقدم والتطور الذي أصابه عالمنا خلال هذه القرون الطويلة،  ولكنني في الوقت نفسه أجد نفسي في دائرة الدهشة بل الحيرة في أن يكون العالم استطاع أن يقدِّم هذه القفزات النوعية في مجال العلوم والأفكار وفي مجال الاقتصاد  وصور الرفاهية التي وإن كانت لا تشمل جميع الشعوب ولكنها في التأكيد وصل منها الشيء الكثير إلى أكثر شعوب العالم؛ أقول: أعجب وأدهش من أن مجال القيم المتعلّقة بحريّة الانسان وكرامته وعدالة الحياة تكاد تكون هي هي نفسها التي عانى منها ويعاني منها الكائن الانساني بما يجعل الحاجة إلى استعادة الصور النقية في تاريخ الانسان كل الانسان بما يدعم ويجدد عزيمة الكائن الانساني على تحقيق تقدم في مجال هذه القيم يوازي ما حققه على المستوى المادي.

قبل التطرق إلى ثورة الإمام الحسينt لا أريد أن أدعي أن تاريخ الانسان لا توجد فيه دوائر مضيئة في مستوى التقدم الأخلاقي والإنساني، ولا أريد أن أحكم على التاريخ  كله بأنه كان تاريخ قهر واستبداد، ولكن الذي لا شك فيه أن في هذا التاريخ حلقات مضيئة،  إلا أننا إذا استعرضناها فإننا قد لا نجد حلقة توازي تلك التي أبدعتها ثورة الامام الحسينt.

ويضيف الأمين: إنّ الملاحظ في الثورات العالمية ـ سواء منها الثورات العادلة أو الظالمة ـ أن حجم التضحيات في هذه الثورات كانت في كثير من الأحيان أكبر بكثير من حيث العدد ـ أي عدد الضحايا مما كان عليه الأمر في ثورة الإمام الحسينt ـ ولكننا في الآن نـفسه لا يداهمنا هذا الشعور العميق والإرتجاج العنيف في جميع خلايا وجداننا وقلوبنا وعقولنا الذي يعترينا أمام مشهد الثورة الحسينية،  ويخيل لي أحيانا أن ثورة الإمام الحسين تمكّنت من خلال عدد قليل أن تكتنز ما هو أوسع بكثير من الأعداد الغفيرة لثورات أخرى، بل أكاد أقول أن مأثرة الإمام الحسين تكمن في هذا الاعجاز الذي لخص بعدد قليل جميع القيم والبطولات وتطلعات الانسان أينما كان بحدث صغير واحد،  وهذا في نظري يدعوني لأن أذهب مذهباً قلما تم التطرق إليه في شعر الثورة الحسينية وأدبها بصورة عامّة، وهذا المذهب هو أن الامام الحسين كان أكثر من ثائر، بل كان ذاتاً إبداعية، ذات عبقرية غير مسبوقة في تمكنه من جمع كل العناصر الروحية والاجتماعية والفنية والحس التاريخي واستلهام مصادر الخلود لدوره بوصفه قائداً في تلك المرحلة التاريخية، ففي ثورته إبداع غير تقليدي، وأفق هندسي جعل من التاريخ مساحة يعرف كيف يملؤها برؤية لا تترك مجالاً لفراغ من العقل والحس الاستثنائي في الحدث الذي شاءها أن يكون عالمياً وتاريخياً وقدوة خالدة لمعنى التضحية والفداء في سبيل قيم الحق والخير والجمال.

إنّ عبقرية الثورة الحسينية في هذا التلخيص المكثّف للحدث الثوري حيث التصدي لدولة بأكملها لا يمكن لحدث مثله من حيث الحجم والقلة أن يحدثها،  بل كان من الممكن لولا قيادة الامام الحسين أن تمر كحدث عابر في هذا التاريخ المليء لأحداث تماثلها من حيث الشكل، ولكن أي حدث آخر لم يماثلها من حيث المضمون.

بعد هذه الخواطر ينقضي العجب من قدرة هذا الحدث على التجدد وليس ذلك فحسب بل ينقضي العجب من كونها حدثاً إسلامياً دينياً مجدّداً لرسالة الإسلام بقيَمها النّبويّة العظيمة. 

وندرك تواً أن المسألة تتضمن حماية الإسلام وتجديده، ولكنها تتجاوز ذلك إلى قضية الكائن الانساني على هذه الارض، مهما يكن دينه أو عقيدته أو نزعته الانسانية. 

وأكاد أقول إن الحماس الذي يظهره المؤمنون ومحبوا العدالة والحق والخير والجمال، إنما يتحمسون بدوافع تتجاوز رؤيتهم لهذه الحركة، بوصفها تجديداً لقِيَم الدين فحسب، وإنما بوصفها تخليداً لعناصر الطموح الذي يخفق في داخل القلب البشري نحو حياة سامية تليق بكرامة الانسان على هذه الأرض.

اقرأ أيضاً: مشروع التجدد الحضاري

أمام كل ما أوردناه يؤسفني أنني لا أستطيع أن أتجاوز ملاحظة مؤلمة تتعلق بكون هذا الحدث العظيم ما يزال أقل تأثيراً مما يجب أن نتوقعه إذا قيس الأمر بواقع الأمّة، وحتى بواقع الطائفة التي ترى نفسها أقرب إلى قضية الإمام الحسين من غيرها، وأكثر ما أخشاه هو أن الاحتفاء بهذا الحدث قد أصبح إلى حد كبير احتفاء شكلياً خاصّة عندما يقتصر على تقاليد وعادات وطقوس تشعر بعض أصحابها بأنهم حينما يمارسونها أنهم يؤدون واجب الالتزام تجاه هذا الحدث الذي يستلزم لعظمته ما يتجاوز هذه الطقوس، ويحملنا مسؤوليات عظاماً أكبر بكثير من أشكال الاحتفاء التي نمارسها بما فيها منهجية قراءة السيرة الحسينية والتوغل في أعماقها بالدرجة التي تشعرنا بأننا نتغير وبأننا نرتقي ونسمو،  وأن هذا التغيير والسمو ينعكس على اجتماعنا الفكري والثقافي والسياسي والاجتماعي إنعكاسا حقيقياً وواضحاً.

إنّ الحسين مسؤولية وليس طقساً.

(من كتاب “أمالي الأمين” للشيخ محمد علي الحاج)

آخر تحديث: 28 أغسطس، 2019 4:32 م

مقالات تهمك >>