وقائع من «صاروخ عقربا» الى «طائرتي الضاحية»: عضّ أصابع أم سيناريو 2006 مختلف؟

قال امين عام حزب الله السيد حسن نصرالله ان السكوت على الطائرات الإسرائيلية المسيرة فوق لبنان قد يجلب إلينا المثال العراقي، لذلك فان الرد على "الطائرتين" سيكون في أي مكان.

فيما تكثف إسرائيل في الآونة الأخيرة هجماتها على “أهداف إيرانية” في المنطقة بعد سلسلة طويلة من الهجمات الجوية في سوريا ضد أهداف ثابتة وعمليات نقل أسلحة لإيران و”حزب الله”، ويرجّح مراقبون قيامها الأسبوع الفائت بغارات جوية متكررة في العراق على مستودعات أسلحة تابعة لجماعات إيرانية اتَّهم قادتُها الكيانَ العبري بالوقوف ورائها وصدر شبه اعتراف بالمسؤولية عنها من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في مقابلة مع القناة التاسعة الإسرائيلية الناطقة بالروسية الخميس، في قوله خلال رده على سؤال عما إذا كانت بلاده ستضرب أهدافا إيرانية “إذا لزم الأمر” في العراق قائلاً: “ليس إذا لزم الأمر فقط، إننا نعمل في مناطق كثيرة ضد دولة تريد إبادتنا، وقد أصدرت توجيهاتي بفعل أي شيء لإحباط خطط إيران”.

وفيما أعلن الجيش الإسرائيلي أن طائراته “قصفت مساء السبت قوات إيرانية وميليشيات شيعية قرب دمشق” (نشرت وكالات إيرانية صوراً لها)، وأن القصف كان “لمنع فيلق القدس الإيراني من القيام بأيّ عمل عدائي ضد إسرائيل”، مع إعلان نتنياهو عبر حسابه في “تويتر”: “إذا تقدم أحد لقتلك اقتله أولاً، وإيران لن تتمتع بحصانة في أي مكان”، وأنه أعطى “توجيهات بالاستعداد لكل السيناريوهات”.

وفي كلامٍ لوزير الخارجية الإسرائيلي يسرائيل كاتس بأنه “على ضوء عملية واسعة النطاق تُعَدّ لضرب أهداف إسرائيلية من الجو، فإننا نضرب رأس الأفعى، وإيران هي رأس الأفعى”، وهي الغارة التي استهدفت قرية عقربا بريف دمشق وهزت العاصمة السورية، موقعة 17 سورياً و12 إيرانياً و4 لبنانيين عُلم منهم المقاتلان في حزب الله حسن يوسف زبيب وياسر احمد ضاهر,

وإثر تزايد قلق إسرائيل من تنامي نفوذ عدوها الإقليمي إيران في سوريا المجاورة وتقديم طهران الدعم العسكري النوعي للحزب، وتصريح نتنياهو بأن “الهجمات أحبطت هجوماً كانت إيران تعتزم شنه في إسرائيل”، طالعت وسائل الإعلام في لبنان صباح الأحد اللبنانيين بصور لطائرتين مسيرتين سقطتا على التوالي بفارق زمني يقدر بنصف ساعة في ضاحية بيروت الجنوبية أمام المركز الإعلامي لحزب الله، الذي على رغم تأكيد مسؤوله محمد عفيف من موقع الحدث الصيام عن الكلام المباح، وأن “الكلمة الحاسمة والرّد” سيكونان خلال خطاب سيلقيه الأمين العام للحزب حسن نصر الله مساء اليوم ذاته في بلدة العين البقاعية، وأن “لا كلام قبل ذلك”، صرح -مفسداً صومه- للوكالة الوطنية للأنباء بأن “الحزب لم يُسقط أي طائرة”، وأن “الطائرة الأولى سقطت من دون أن تحدث أضراراً، في حين تسببت الطائرة الثانية المفخخة بأضرار جسيمة في المركز”، وأن “الطائرة الأولى في عهدة الحزب الذي يعمل على تحليل خلفيات تسييرها والمهمات التي حاولت تنفيذها”، كما أوضح لجريدة “اللواء” أن “الطائرتين سقطتا على سطح المركز، وتقديرنا أن الطائرة الثانية المتفجرة كانت بصدد تفجير الاولى لمنعنا من الحصول على المعلومات التي التقطتها، لكني أؤكد أننا لسنا نحن من أسقطنا الطائرتين ولا ندري بعد كيف سقطتا”.

فيما أكد مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية القاضي بيتر جرمانوس رداً على سؤال عما اذا كانوا سيكشفون على الطائرة التي وضع حزب الله يده عليها قائلاً: “نحن الدولة ونحن من سيكشف على كل شيء”، فيما حضرت على الفور قوة من الجيش وطوقت المكان، كما تولت الشرطة العسكرية التحقيق بالحادث.


وبينما انتظر المراقبون إعلان الجيش الإسرائيلي حول الحادث، التزم هذا الجيش الصمت، وكان بيانه الوحيد بأنه “لا يعلق على تقارير صحافية” صدرت عن صحيفة “تايمز أوف إسرائيل” نقلاً عن محللين إسرائيليين أن الطائرتين صنعتا في إيران، وأن صور الطائرة التي نُشرت في لبنان تُظهر أنها نموذج إيراني، ناقلة عن رئيس قسم الاستخبارات العسكرية السابق عاموس يلدين قوله على “تويتر”، إن خطة إيران التي أفشلتها إسرائيل كانت تقضي بإطلاق الطائرتين من ضاحية بيروت إلى الشمال الإسرائيلي، فيما زعمت “يديعوت أحرونوت” أن الطائرة هي من طراز طائرات الحوثيين المسيَّرة في اليمن.


ومساء، وصف نصرالله ما حدث بالـ”خطير جداً جداً، وبأنه “يشكل خرقاً فاضحاً وكبيراً للمعادلات التي أرسيت بعد عدوان تموز، فالهجوم المسيَّر الانتحاري ليلاً هو أول عمل عدواني إسرائيلي منذ 14 آب 2006″، معتبراً أن “الرد اللبناني يجب أن يكون على مستوى الحدث، فالسكوت سيؤسس لمسار خطير ضد لبنان، وكل فترة ستكون هناك طائرات مسيرة مماثلة”، وشرح أن “الطائرة المسيرة الثانية عسكرية، أما الأولى فللاستطلاع، وقد حلقت على ارتفاع منخفض لإعطاء صورة دقيقة للهدف”، ونفى قيام الحزب بإسقاط الطائرة “لكن بعض الشبان رشقوها بالحجارة قبل أن تقع وتصبح في أيدينا”، ووصف الطائرة بأنها “ليست كالطائرات المسيرة الموجودة في الأسواق للتصوير بل طائرة عسكرية نظامية”.

وأكد نصر الله ما كان قادة الميليشيات الإيرانية في العراق قد سبقوه إلى تأكيده، أن “الطائرات المسيرة الإسرائيلية هي من قصفت مراكز للحشد الشعبي في العراق ونتنياهو يتباهي بذلك، ونحن في لبنان لن نسمح بمسار من هذا النوع وسنمنع حصوله”، وقال: “انتهى زمن استباحة إسرائيل لبنان وبقائها في أمان. وأقول لسكان شمال فلسطين المحتلة إن نتنياهو يشتغل انتخابات، وهو يلعب بدمائكم ويقودكم نحو الهاوية. لا تصدقوا أن حزب الله سيسمح بمسار كهذا، سمحنا منذ عام 2000 بالطائرات المسيرة الإسرائيلية لاعتبارات كثيرة ولكن لم يحرك أحد ساكناً”.

وفي تلميح إلى أن الرد على إسرائيل لن يكون محصوراً بالأراضي اللبنانية المختلَف على هويتها ويدعي حزب الله لبنانيتها: “اقول للإسرائيلي من الليلة قف على الحدود “بإجر ونص” وانتظرنا، وإذا قتل عنصر من حزب الله في سوريا سنرد في لبنان وليس بالضرورة في مزارع شبعا”. وفي رد مسبق على الأصوات التي ستنطلق اعتراضاً على كلامه قال نصر الله: “ليتواصلوا مع الأميركيين كي يتواصلوا بدورهم مع الإسرائيليين لـ(ينضبّوا)”.


وكان رئيس مجلس الوزراء سعد الحريري قد تلقى اتصالاً من وزير الخارجية الاميركية مايك بومبيو، الذي شدد خلاله على ضرورة تجنب اي تصعيد، والعمل مع الاطراف المعنية كافة لمنع التدهور، ما قابله الحريري بالتشديد على التزام لبنان موجبات القرار 1701، منبهاً الى وجوب وقف الخروقات الإسرائيلية لهذا القرار، وتأكيد بذل كل الجهود من الجانب اللبناني لضبط النفس والعمل على تخفيف حدة التوتر.


فهل تدل اندفاعة إسرائيل الهوجاء في ضرب الأذرع الإيرانية في المنطقة على أن الوقت قد حان لوضع حد للنفوذ الإيراني، وأن الضوء الأخضر قد صدر إلى إسرائيل كي تكون فاتحة التنفيذ، وخصوصاً بعد اتفاق الولايات المتحدة وفرنسا، أكبر الدول الأوربية وأكثرها تأثيراً في الاتحاد الأوروبي، خلال مباحثات الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ونظيره الأميركي دونالد ترامب في مدينة كون في ذكرى إنزال نورماندي، على ضرورة منع إيران من الحصول على السلاح النووي، واتفاق قادة مجموعة الدول الصناعية السبع (فرنسا، وألمانيا، وإيطاليا، واليابان، والمملكة المتحدة، والولايات المتحدة الأميركية وكندا) في اجتماع بياريتز جنوب غرب فرنسا على تكليف ماكرون بتوجيه رسالة إلى مندوب إيران الذي وصل المدينة وزير الخارجية محمد جواد ظريف، تنص على تجنّب التصعيد في المنطقة، و”تفادي حيازة إيران السلاح النووي”، وتهدئة التوتر في الخليج، في وقت فُهم نفي ترمب للإعلام مناقشته أمر الرسالة وقوله إنه “لا يمكن منع الناس من التكلم إذا أرادوا”، بأنه من باب ذر الرماد في العيون، وإعطاء الفرصة الأخيرة لإيران قبل خسارتها تأييد الاتحاد الأوربي، وخصوصاً بعد تصريح الحليف الأقوى لإيران، الرئيس الروسي فلايمير بوتين في مؤتمر صحافي مع نظيره النمساوي ألكسندر فان دير بيلين في سوتشي بأنه أبلغ الإيرانيين بعدم وجود فائدة من الانسحاب من الاتفاق النووي؟


إن الأيام المقبلة حبلى بالأحداث، فإما أن يتجه الوسط السياسي اللبناني إلى الاتفاق على حل يجنب بلادهم خطر وليدها، وهو احتمال لا يصاحبه كثير من التفاؤل، وإما أن يبقى سادراً في غيِّ انقساماته البغيضة –وهو الاحتمال الأرجح- بعد أن بدأ بالاتضاح أن ما يحدث ليس مجرد لعبة عض أصابع، بل يشبه سيناريو ما قبل 2006 ولكن بنتائج مختلفة هذه المرة، فلا يجد إلا ورياح المحن تعصف به من كل جانب، ونار الحرب والتقاتل الأهلي تلفحه لا قدر الله، وهي لن ترحم أحداً هذه المرة.

آخر تحديث: 26 أغسطس، 2019 9:54 ص

مقالات تهمك >>