في ذكرى إحراق المسجد الأقصى: ما هي حقيقة الإسراء والعروج النبوي؟

في مثل هذه الأيام من العام 1969 أقدم أحد المستوطنين الصهاينة على إحراق المسجد الأقصى في القدس الشريف ، ولم يكن الرد العربي والإسلامي يومها بمستوى الحدث، خصوصاً بعد تبرئة المحكمة الإسرائيلية للجاني بحجة أنه يعاني من عدم التوازن العقلي ، فقد كانت ردود الفعل العربية والإسلامية يومها مخيِّبة للآمال!

واليوم وبعد مرور خمسين سنة على الحدث ما زالت المواقف العربية والإسلامية تجاه قضية بيت المقدس والمسجد الأقصى وكل فلسطين المحتلة ما زالت مخيِّبة للآمال من خلال الهرولة إلى التطبيع عبر اللقاء بالمسؤولين الإسرائيليين، وعبر بقاء اتفاقيات السلام في الوقت الذي تمارس إسرائيل كل عدوانها على الفلسطينيين في داخل الأرض المحتلة، ويبدو مشهد التطبيع واضحاً عبر التجارة البينية والسياحة والزيارات ذات البعد الثقافي وما شاكل! وكل ذلك في الوقت الذي ما تزال الحفريات الإسرائيلية مستمرة في أسفل المسجد الأقصى مما يهدد بانهياره في وقت قريب!

اقرأ أيضاً: هذه هي قصة حريق المسجد الاقصى في ذكراها الـ47

ومما يزيد في تخييب الآمال ما تقوم به بعض القنوات الفضائية الشيعية التي يُنعت متصدِّروها بأصحاب التشيع اللندني والأمريكي ويتزعمهم المحقق ي.ح، والمحقق ح.أ، وما يقوم به بعض المحققين الشيعة المقيمين في ضاحية بيروت الجنوبية وهو المحقق م.ح، وذلك من خلال حملة تشكيك ممنهجة في قضية مسرى وعروج النبي صلى الله عليه وآله إلى المسجد الأقصى ومنه إلى السماوات!

مع العلم بأن عقيدة علماء المسلمين بل عامة المسلمين هي بإسراء النبي صلى الله عليه وآله من المسجد الحرام في مكة المكرمة وعروجه من المسجد الأقصى في بيت المقدس في فلسطين، وهذه العقيدة تستند إلى التواتر الروائي والتاريخي بما لا يَسمح بالتشكيك في ذلك.

ولكن حجة المشككين في ذلك هي أن المسجد الأقصى الحالي في بيت المقدس ليس هو المسجد الأقصى الأبعد عن مكة المكرمة وعن المسجد الحرام من حيث المسافة الطولية، بل أقصى وأبعد المساجد عن بيت الله الحرام هو مسجد الكوفة في العراق فعليه فقط ينطبق وصف المسجد الأقصى،  فهو أبعد المساجد عن مكة المكرمة وعن بيت الله الحرام، يضاف إلى ذلك – بحسب المشككين – أن المسجد الأقصى الحالي لم يكن مبنياً يوم عروج النبي صلى الله عليه وآله وإنما بني في عصر الخلافة الراشدة وجدد بناؤه في العصر الأموي ، ويضاف إلى ذلك – أيضاً – أن المساجد لم تكن منتشرة في فلسطين يوم أُسري بالنبي وعُرِج به صلى الله عليه وآله ، فكيف عبَّر القرآن الكريم عن المسجد الأقصى بالمسجد ولم تكن هناك مساجد في فلسطين قبل مسرى وعروج النبي صلى الله عليه وآله، والذي كان قبل الإسراء والمعراج في فلسطين هو معابد للنصارى التي تُسمَّى بالبِيَع بحسب التعبير القرآني أي كنائس. وقد تجد تاريخياً في فلسطين في مرحلة ما بعد صلاة عمر بن الخطاب فيها قد تجد معابد لليهود التي تُسمَّى صوامع بحسب التعبير القرآني ، فعمر بن الخطاب هو أول من أذِن لليهود بالعودة للسكن والعبادة في فلسطين. والخلاصة هي أنه لم يكن هناك مساجد في فلسطين قبل المسرى والعروج النبوي، فكيف يُعبِّرُ القرآن الكريم عن مكان مسرى ومحل عروج النبي صلى الله عليه وآله بالمسجد الأقصى بعد كل هذه الإثارات التي يتحدث عنها المشككون؟

والحقيقة هي أن العروج النبوي عندما حصل لم يكن هناك من مسجد بعنوانه الفقهي الحالي لا في بيت المقدس ولا في الكوفة، فقبل الإسلام لم تكن هناك مساجد بل كانت هناك صوامع وبيع على حد التعبير القرآني، والصوامع جمع صومعة وهي التي يتعبد فيها اليهود والبِيَع هي جمع بيعة وهي الكنيسة التي يتعبد فيها النصارى، أما المساجد فبدأت مع بعثة النبي صلى الله عليه وآله، وإنما سمي المسجد الأقصى بذلك لأنه أقصى مكان سجد فيه النبي صلى الله عليه وآله يومها، ولم يكن يومها من مسجد بمعنى المسجدية الفقهية الحالية، فمسجد قبة الصخرة لم يكن مبنياً يومها، وإنما أطلق عليه المسجد لأن كل موضع سجد فيه رسول الله صلى الله عليه وآله يُسمى مسجداً. ولم يثبت بدليل معتبر أن رسول الله صلى الله عليه وآله كان قد صلَّى في مسجد الكوفة الحالي يومها ليكون مسجد الكوفة مسجداً أقصى له صلى الله عليه وآله، وإنما اتخذ المسلمون الكوفة مسجداً بحسب الظاهر في عهد أمير المؤمنين عليه السلام فحينها صار مسجداً فلا ربط بينه وبين العروج النبوي من هذه الجهة، لكل ذلك فإن حملة التشكيك في هذه الحقيقة القرآنية والتاريخية ليس لها أساس علمي يحسن الاستناد إليه والاعتماد عليه.

اقرأ أيضاً: القدس عبر التاريخ .. العربي الدائم واليهودي الطارىء

ويأتي محقق آخر، وهو يقيم بين ضاحية بيروت الجنوبية وبين جنوب لبنان، وهو المحقق ج.م، يأتي ليقول: إن الإفساد الذي تفعله إسرائيل في زماننا هو إفساد بني إسرائيل الأول من الإفساد في الأرض مرتين الذي تحدثت عنه سورة الإسراء، ولو قال هذا الكلام أحد علماء الشيعة المستقلين لكفَّره القوم ولرجموه بالعمالة وبأقذر النعوت، ولكن ما يُهوِّن الخطب هو أن قائل هذا الكلام هو من الحزبيين، ويظهر في كلامه الضعف والوهن حيث أن إفساد بني إسرائيل الأول كان في زمن الأنبياء السابقين في مرحلة ما قبل النبي سليمان عليه السلام الذي قطَّعهم في الأرض، وأن إفساد بني إسرائيل اليوم هو ثاني الإفسادين اللذين تحدث عنهما القرآن الكريم، وهذا هو مشهور علماء الإمامية وكلام جمهرة محققيهم عبر القرون المتطاولة والأزمنة المتباعدة، وتقع الاجتهادات التشكيكية المذكورة وغيرها موقعها من الحرب الثقافية الممنهجة والمبرمجة التي يُراد لها أن تسلخ المسلمين المعاصرين عن تاريخهم الديني الحقيقي لغايات سياسية لا تخفى، فاعتبروا يا أولي الألباب، والله الهادي إلى الصواب.

آخر تحديث: 23 أغسطس، 2019 7:11 م

مقالات تهمك >>