عن التعددية والثنائيات القاتلة

... في خطابه الأخير بمناسبة ذكرى " إنتصار تموز " 2006، قال الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله أن الحزب لم يتعامل مع أفرقاء الداخل من اللبنانيين من منطلق المنتصر، ودعا إلى أن يكون هناك تعددية سياسية داخل كل طائفة من الطوائف اللبنانية.

الواقع أن هذه الدعوة كانت لتكون موضع ترحيب ومؤازرة لو لم تكن مصحوبة ببعض المغالطات والإتهامات والتصنيفات التي أفرغتها من مضمونها وجعلت منها كوجبة سم في الدسم.
فالدعوة إلى التعددية لا تستوي مع القالب الجاهز الذي وضع لها وهو قالب الثنائية، والتي إتخذ من الثنائي الشيعي مثالاً ناجعاً لها. فعلى مدى التاريخ اللبناني المعاصر منه على الأقل، كانت الثنائيات السياسية مقتلا للديمقراطية والبلد والناس بدءا من الثنائية المارونية – السنية مع الإستقلال، وإنتهاءً بالثنائية الشيعية – المارونية التي تمثلت بإتفاق مار مخايل عام 2006 والتي كانت وراء كل المآسي التي حلت بالبلد منذ ذلك الحين، والتي فرضت التسوية القائمة اليوم بحكم الأمر الواقع والتي تدحض فكرة أن حزب الله لم يتعامل مع الداخل بمنطق المنتصر. هذا في العام أما في الخاص فيكفي أن نشير إلى تجربة الثنائي الشيعي اليوم التي يتباهى بها مؤيدوها ويريدون تعميمها على بقية الطوائف لأسباب سياسية ليست خافية على أحد، وليس لأسباب ديمقراطية تحررية كما يعتقد البعض.

اقرأ أيضاً: استنساخ تجربة «الثنائية الشيعية»: نموذج في فنِّ التطويع والاستتباع. من «الثنائيات» الى «الأحادية»!

فهذا الثنائي رغم بعض “إيجابياته” المتمثلة في منع الإقتتال الداخلي في الظروف الغير طبيعية التي يعيشها البلد، والتي يتحمل الكثير من وزرها هذا الثنائي بالذات جراء سياساته وإرتباطات أحد جناحيه الخارجية، إلا أن وجوده بات وسيلة محاصصة سياسية وخدماتية عبر مصادرة كل مواقع الطائفة في السلطة وتوزيع المغانم على المحظيين من الطرفين ما شجع أيضا على الفساد وبروز سياسة “مرقلي تمرقلك” بحجة الحفاظ على وحدة الطائفة وما قضية المشاعات في الجنوب إلا أحد وجوهها، وهذا ما نجت منه الطائفة المارونية عندما أرادت إستنساخ هذا النموذج عند عقد إتفاق معراب بين التيار الوطني الحر والقوات اللبنانية والذي كان يهدف من ضمن ما يهدف إلى إختزال الطائفة المارونية بثنائي آخر قاتل على مستوى الطائفة والبلد، والذي لم يكتب له النجاح لحسن الحظ.
والدعوة إلى التعددية ثانيا لا تستوي مع إلغاء الرأي الآخر والمستقل في الطائفة عبر التنمر عليه وملاحقته بشتى صنوف الإرهاب السياسي والفكري، والإتهام بالعمالة وقبض الأموال من السفارات ونعته تارةً بشيعة السفارة وأخرى بشيعة الفايسبوك، ونسوا أو تناسوا أن اللجوء إلى التعبير عن الرأي عبر وسائل التواصل الإجتماعي الذي يعيبونه علينا إنما هو لأنهم لم يتركوا لنا فسحة حرية ولأنهم سرقوا منا الوطن فبات الفايسبوك هو متنفسنا ووطننا الإفتراضي.
إن التعددية بمعناها الحقيقي هي النقيض الكامل للأحادية وللثنائية الفكرية والإيديولوجية والسياسية وحتى الدينية، التعددية هي ممارسة كل أنسان حقه بإبداء الرأي وممارسة حياته الفكرية والسياسية بكل حرية بعيدا عن الإرهاب الإيديولوجي سياسيا كان أم دينيا، وليست دعوة موسمية نطلقها عندما نكون بحاجة لإختراق الطوائف الأخرى تنفيذا لأجندة سياسية يدفع ثمنها الوطن والناس البسطاء الذين يصدقون كل ما يقال لهم عن الطائفة وحمايتها، عندها فقط يكون الحكم للناس وإللي بيربح “صحتين ع قلبو”، كما قلت يا سيد حسن قبل إنتخابات 2009، هل تذكر؟

آخر تحديث: 19 أغسطس، 2019 2:47 م

مقالات تهمك >>