نصر الله يدعو أن لا يُلغى أحدٌ.. فماذا عن الذين ألغاهم حزبه في الدائرة الشيعية؟

دعا أمين عام حزب الله السيد حسن نصر الله في خطابه الأخير في بنت جبيل في الذكرى السنوية الثالثة عشر لحرب تموز 2006 إلى أن لا يعمد أحدٌ من الأفرقاء اللبنانيين لإلغاء أحد!

 وجاء خطابه هذا في الوقت الذي عمد حزبه منذ انطلاقته الأولى وليومنا الحاضر عمد لإلغاء كل الآخرين في الدائرة الشيعية، باستثناء حركة أمل القوية التي منعت قوتها وحضورها الجماهيري وحنكة قيادتها ورئيسها ودعمها من سورية الأسد منع كل ذلك من هذا الإلغاء، ولا ننسى حرب محاولة إلغائها أثناء النزاع المسلح الدموي الذي وقع بين الحزب وبينها في مرحلة تاريخية! ونحن إنما نُذَكِّرُ الحزب دائماً بذلك لأن الحزب يُصرُّ دائماً على تذكير مخالفيه في الرأي بأخطائهم التاريخية، فلا يوجد في قاموس عمله السياسي مساحة للعفو في الدائرة الشيعية في حين عفا عن كثيرين في الدائرة غير الشيعية، فهو يمارس المحاسبة لمن أخطأ من الشيعة في حقه حتى بعد الموت! وكم من شخصية شيعية – من علماء ومثقفين وغيرهم – حاسبها الحزب بعدم نعيها بعد الموت أو عدم المشاركة في جنازتها بأنواع الثواب والأجر! فهو يحقد بصمت على خصومه السياسيين في الدائرة الشيعية حتى بعد موتهم بهذه الطريقة وغيرها دون أن يشعر أحد! ولا ينسى أخطاء هؤلاء بزعمه في حقه حتى بعد موتهم! ويعتبر ما يُبديه من تصرفات في هذا المجال نوعاً من القصاص حتى يتأدب غير هؤلاء فلا يجرُأ أحد على أن يفعل ما فعلوا!

اقرأ أيضاً: هل كلمة نصرالله أكدت على ترسيخ حلف الاقليات في لبنان والمنطقة؟

ولو كانت حركة أمل ضعيفة لاستمرت محاولات إلغائها في الدائرة الشيعية من قبل الحزب ليومك هذا ، يضاف إلى ذلك الحاجة الفعلية للغطاء الرسمي الذي تساعد حركة أمل على توافره للحزب في ظل المقاطعة الداخلية والخارجية الدولية للحزب ولرموزه ، فقوة حركة أمل وحضورها الرسمي الفاعل كمنافس لحزب الله

 في الدائرة الشيعية هو الذي منع من إلغائها، وإن كانت محاولات قضم نفوذها بطريق غير مباشر مستمرة بهدوء ومن وراء الستار في مختلف المناطق الشيعية في لبنان وصولاً لمرحلة القطب الواحد في الساحة الشيعية بعد عمر طويل أو قصير لا ندري.

 فحزب السيد نصر الله منذ قيامه عمد لإلغاء أكثر خصومه السياسيين في الدائرة الشيعية!

وأثناء الحرب الأهلية التي كانت تمارس فيها التصفيات الجسدية، مارس الحزب كذلك التصفية الاجتماعية والسياسية والاقتصادية في حالات أخرى!

ويعمد الحزب إلى إلغاء الكثير من الطاقات الشيعية ببث الدعايات والإشاعات المضادة ويُرهب ما أمكنه كل من تسول له نفسه أن يقيم تجمعاً تنظيمياً  شيعياً – ولو بصيغة جمعية خيرية أو إنسانية – خارج إطار الثنائي الشيعي الذي تُنظم عدم التدخل في تحركاته في هذا المجال اتفاقات ثنائية بين طرفيه.

 ولولا هذه الاتفاقات الثنائية لتدخل حزب الله بالسر والعلن في كل شاردة وواردة في عمل حركة أمل السياسي والاجتماعي. أما غير حركة أمل في الوسط الشيعي فلا يسمح الحزب بكل قوة أن يكون لأحد مستقل كيان تنظيمي أو إداري، ويوظف كماً كبيراً من الأمنيين ليمنع ذلك!

والخلاصة هي أن حزب السيد نصر الله قام بإلغاء المستقلين من الشيعة بهذه الممارسات وقد عجز الثنائي الشيعي عن كسب تأييدهم في الانتخابات الأخيرة التي بدا واضحاً فيها – وبالأرقام – حجم المقاطعة من هؤلاء للانتخابات والمشاركة فيها.

فعندما يتكلم الأمين العام المفدى عن الأحجام الانتخابية في خطابه المذكور لا يُشير إلى هذه الحقيقة، وهو يحاول أن لا يلتفت أحد لكون حزبه عمد لعزل المستقلين عن العمل السياسي والاجتماعي بالإرهاب الفكري وغير الفكري ، فالقوى الشيعية المستقلة واقعة بين نارين، نار العدو الإسرائيلي والتكفيري من جهة ونار إرهاب حزب الله لها لكي لا تتدخل في الشأن العام ، لذلك نجدها تعتزل العمل السياسي والاجتماعي مما يفسح المجال للأمين العام المفدى أن يتحدث بحرية وثقة عالية عن الأحجام الانتخابية والتمثيلية لفريقه في الواقع وفي البرلمان اللبناني .

 والكل يعلم علماً يقيناً أن القوى الشيعية المستقلة داخل لبنان وخارجه تفوق في عددها حزب الله وحركة أمل عشرة أضعاف، وهذا اتضح بجلاء في حجم المشاركة في الانتخابات الأخيرة في الداخل والخارج عملاً بالقانون الانتخابي الجديد. فهذه القوى الشيعية المستقلة الكبرى تم إلغاؤها عملياً من الساحة السياسية والاجتماعية بمختلف الممارسات، ويأتي السيد نصر الله بكل صراحة ليتكلم عن مثاليات عدم إلغاء أحد لأحد،وهو قطعاً ليس ناظراً في كلامه للشيعة المستقلين، فقد غدا مطمئناً لعدم جعلهم في حساب خطاباته السياسية بسبب ممارسات حزبه مع السواد الأعظم منهم، ثم يقول: تعالوا وبينوا لنا حجمكم في التمثيل على الأرض وفي الانتخابات!

فهل يتجرأ المستقلون من الشيعة أن يطرحوا أنفسهم للتمثيل البرلماني دون موافقة قوى الأمر الواقع؟ ألم تسمعوا بالتهديدات التي أدت إلى انسحاب الكثيرين من الانتخابات والعمل السياسي والاجتماعي في الوسط الشيعي بل أدت إلى هجرة البلاد؟

وهل هناك من إلغاء أكثر وأكبر من هذا الإلغاء ثم يأتي السيد نصر الله لينفي إلغاء حزبه لأحد؟ وكم من عالم دين شيعي أقعدته ممارسات حزب الله في بيته ليترك مسجده ومجال عمله أو دفعته هذه الممارسات إلى هجرة البلاد أو أدت إلى تفرق الناس عنه وتشتت جماعته من حوله بملاحقات ومتابعات ممنهجة من الحزب وأجهزته أو سقط اجتماعياً في محيطه بسبب دعايات وإشاعات جهاز الحرب الدعائية للحزب وكذا حصل مع آلآف المثقفين والتجار والكسبة الضعفاء من الشيعة منذ أربعين سنة؟ 

أليس كل هذا إلغاءً للآخرين في البيئة الشيعية؟ ثم يأتي السيد في خطابه بالأمس ليقول: نحن لا نريد أن نلغي أحداً!

فلماذا لم يتحدث السيد في خطابه بالأمس عن كل هؤلاء الذين تم إلغاؤهم وقهرهم وقتلهم معنوياً في البيئة الشيعية في الأربعين سنة الماضية؟ أم أنه لا يُريد الحديث في خطابه عن هؤلاء حتى لا يُنغِّص على جماهيره نشوة الانتصارات التي ولَّى بها زمن الهزائم؟

وحتى مرشد الحزب الروحي المرجع الراحل السيد محمد حسين فضل الله لم يخلُ من كل هذه الممارسات لما جاء أمر ولاية الفقيه بضرورة تحجيمه على أثر طرحه لمرجعيته، فبدأ أنصار الحزب من منتسبين ورجال دين واعلاميين بحصاره واطلاق الاشاعات والتهم ضده ، وانه انحرف عقائديا وأصبح هواه سنيّاً.

اقرأ أيضاً: هكذا يمكن احتواء حلفاء «حزب الله» في لبنان

   فمتى تكون المصارحة والمصالحة بين السيد نصر الله وخصوم الحزب السياسيين من الشيعة المستقلين؟ ومتى سينفتح الحزب بتواضع على كل الساحة الشيعية في عمله السياسي والاجتماعي؟ ومتى سيتوقف الحزب عن محاسبة خصومه في الدائرة الشيعية على أخطاء الماضي في الوقت الذي يتناسى أخطائه مع هؤلاء؟

وهل ستكون لدى الحزب الجرأة لاسترضاء كل المقهورين من الشيعة من ممارساته في الماضي التي اعتبرها في مرحلة ما من ضرورات المقاومة اشتباهاً منه ؟ وبعد تفاهمات الحزب السياسية اليوم مع أعدائه بالأمس في الدائرة غير الشيعية وبعضهم من عملاء إسرائيل سابقاً بل بعضهم عملاء لأمريكا الشيطان الأكبر.

 وبعد ذلك هل ستحصل تفاهمات سياسية مماثلة بين الحزب وبين من يُصنِّفهم من أعدائه في الدائرة الشيعية؟

ولكن على من تقرع مزاميرك يا داود؟

آخر تحديث: 19 أغسطس، 2019 5:40 م

مقالات تهمك >>