مسؤولية نهضة الأمّة مناطة بالمفكّرين والفقهاء وليس بالسلطات

جرت عادة الكثير من الباحثين، بل كثير من النخب العربيّة والإسلاميّة عندما يُصار إلى بحث ظاهرة التخلف الحضاري أنْ يعزى بدرجة عالية إلى سبب أساسي هو الاستعمار الغربي لدول العالم الإسلامي وشعوبها.

يستطرد سماحة العلاّمة المفكر السيد محمد حسن الأمين: ونحن نشعر أنّ هذه المسألة مبالغ فيها، وكأنّ المراد من قبل هؤلاء الباحثين والنخب أن لا يعترفوا بالأسباب الأعمق لبروز ظاهرة التخلّف على جميع المستويات، لأنّ الاعتراف بأنّ للتخلّف أسباباً أعمق من ذلك إنّما يتطلب بحثاً أكثر عمقاً، وأكثر شجاعةً في رصد أسباب التراجع والتخلّف، وهذه الأسباب في نظرنا تبدأ منذ انهيار الحضارة الإسلاميّة، أي من قرون متعدّدة، وربما كان الغزو المغولي لبلاد المسلمين هو المفصل التاريخي الأكثر وضوحاً في دراسة انهيار الحضارة الإسلاميّة، وهذا يستوجب دراسة الفترة التي سبقت الغزو المغولي؛ لأنّ هذا الغزو كان غزواً سهلاً ولم تكن الأمّة تملك عناصر الممانعة ما جعل العالم الإسلامي بأغلبيّته يستسلم لهذا الغزو، ولا نريد هنا أن نفصل وقائع هذا الغزو المأساوية، والتي أدت إلى هدم الحضارة الإسلاميّة، بقدر ما نريد أن نسلّط الضوء على الأرضية الفكريّة والعلميّة والدينيّة والسياسيّة التي ساهمت في جعل هذا الغزو ممكناً ومدمراً.

اقرأ أيضاً: العلاقات الميدانية بين الأديان

وبتابع سماحته: قد يرى البعض أنّ نجاح هذا الغزو يمكن نسبته إلى موازين القوى بين جيوش المغول، وبين أدوات الدفاع لدى المسلمين، والحق أنّ هذا أمر يستدعي التأمّل والتساؤل: أنّه لماذا لم يكن ميزان القوّة لصالح المسلمين علماً أنّ نصف العالم المأهول كان من المسلمين؟ وأنّ بوسعهم أن يمتلكوا مصادر القوة التي تحول بين أطماع التتار والمغول، وقوى المسلمين، فمن المعروف أنّ هذا الغزو جاء في مرحلة تفكك الأمّة وانهيار الخلافة المركزية؟ وتحوّل البلاد الإسلاميّة إلى مقاطعات لا يربط بينها سوى شعار العقيدة من جهة، وربما الدّعاء في مجالسها للخليفة الذي لا يملك حولاً ولا طولاً.

ولعلّ أفجع مآسي هذا الغزو ـ وكلّه مآسٍ ـ دخول المغول إلى مركز الخلافة الإسلاميّة بغداد، والمشهد المفجع للقبض على الخليفة وقتله صبراً..

نحن لسنا ذوي اختصاص بالعلوم العسكريّة لنشرح بالتفصيل فشل المسلمين من الناحية العسكريّة، ولكن لدينا يقيناً أنّ عناصر الضعف في الأمّة لا تتأتّى من ضعف العامل العسكري، ولكن ضعف الأمّة يأتي غالباً من التفكك بين عناصرها ودولها، وهذا التفكك هو مظهر من مظاهر الانحراف من جهة، وفقدان عوامل الربط بين أجزاء الأمّة من جهة، وتراجع النخب العلميّة والفكريّة.

وباختصار أودّ أن أشير إلى أنّ أهم معلَم من معالِم الحضارة الإسلاميّة قبل غزو المغول ـ أي خلال فترة الثلث الأول من الخلافة العباسيّة ـ حيث استطاعت الحضارة الإسلاميّة أن تمنح السيادة المعرفيّة للعقل والاجتهاد، على النحو الذي أدى إلى كلّ الإنجازات الفكريّة والحضارية، ثم في فترة معيّنة بدأ التراجع لدى الأمّة عندما بدأت فترة الهجوم على العقل، بحجج كثيرة وجميعها حجج واهية، ولم تستطع بعض النخب الممتازة أن تسترجع دور العقل ليس في مواجهة الدين، لأنّ أغلب هؤلاء النخب والفلاسفة كانوا مؤمنين ويدافعون عن الإسلام، وكانوا يتبعون المنهج العقلي الذي أخذت عناصر الجمود الممثلة حتى ببعض الفقهاء وترى في هذا المنهج العقلي نوعاً من الزندقة، وشنّت حروباً كثيرة في داخل الأمّة على هذه النخب الممتازة، وانتهت إلى انتصار ما يسمونه المنهج النقلي، واستبعاد المنهج العقلي، وتمّ تغذية الهجمة عل العقل من قبل الخلفاء والسلطات الحاكمة آنذاك، الذين أراد كلّ واحد منهم أن يكون له علماؤه وفلاسفته، الذين يعملون لترسيخ موقعه، وهذا ما أطلق عليه مصطلح علماء السلاطين، وانكسرت شوكة الدعوة إلى الإسلام بوصفه دين العدالة والحريّة والخروج على الحاكم الظالم.

إنّ أمّة تتخلى عن عناصر القوة في حضارتها، مؤهّلة لأن تدخل نفق التخلّف والتراجع، وأن يأتي الاستعمار ليعزّز هذا الواقع المؤسف، فإذا تساءل أحد أنّ العوامل التي ذكرناها هي عوامل تاريخية، وأنّ السؤال الذي يطرح نفسه الآن: ما السبب في استمرار هذا التخلّف بالقياس إلى التقدّم والإنجازات الحضارية والعلمية والتقنيّة في الغرب؟

قد نجيب عن هذا السؤال بأجوبة كثيرة، وبأبحاث جديّة، ولكنني في هذه المداخلة أرى أنّ السبب الذي أدى إلى انهيار الحضارة الإسلاميّة ما زال قائماً، فها هي الأمّة ما زالت تنقسم إلى دويلات ولو سمّيت دولاً، وما زال الحاكم العربي والإسلامي يستتبع النخب التي تملك طاقة بناء حضاري جديد بما يبقي الواقع السياسي تحت سيطرة هؤلاء الحكام الذين ما زالوا أيضاً خاضعين للمصالح الاستعمارية.

اقرأ أيضاً: أسلمة العلوم السياسية والاجتماعية

ولذلك فإنّنا في أكثر من بحث أو مقال طرحنا مصطلح ما سمّيناه بالتجدد الحضاري، وهذا ما لا يمكن أن تقوم به السلطات الحاكمة، وإنما هو واجب المفكّرين والفلاسفة والفقهاء، وهذا يتطلب انفصال هؤلاء عن السلطات الحاكمة والدخول في ورشة واحدة برغم تعدد مذاهب المفكّرين، لأنّ هذا التعدد لا يمنع من الاتفاق على مشروع التجدد الحضاري، الذي لا يستلزم وجود فكر واحد أو نظرية واحدة، ولكنه بالتأكيد لا يختلف عن طبيعة الغايات المنشودة، وهي تجدد حضارة هذه الأمّة استناداً إلى الشعلة الحيّة من حضارة المسلمين في القرون الأربعة الأولى، واستناداً إلى ما استجدّ على مستوى العالم، والعالم المتقدّم، من علوم وقيَم ومفاهيم، وهذه دعوتنا للخروج من النفق المظلم إلى فضاء العالم الجديد، والاستفادة من كلّ عناصر القوّة التي تملكها الأمّة على الصعيد الروحي والمادي.

(من كتاب “أمالي الأمين” للشيخ محمد علي الحاج)

آخر تحديث: 5 أغسطس، 2019 7:33 م

مقالات تهمك >>