كيف ساهم الإعلام بتعميق أزمة المهاجرين حول العالم؟

نشرت صحيفة “الغارديان” البريطانية مقال رأي للكاتب “دانييل تريلينج”، سلطت من خلاله الضوء على الدور الذي لعبته وسائل الإعلام في تعميق أزمة المهاجرين بسبب النهج الذي اعتمدته في نقل الأخبار حول العالم.

وقال الكاتب، إن أزمة اللاجئين بلغت ذروتها في أوروبا سنة 2015، حيث كان النقاش يدور حول ما إذا كان ينبغي على الأشخاص الذين يعبرون البحر الأبيض المتوسط عبر طرق غير رسمية اعتبارهم أشخاصا يستحقون التعاطف وحماية الأوروبيين.

وذكر الكاتب أن مصطلح “مهاجر” لا يطلق على المهنيين الذين يسافرون من بلد آخر من أجل إيجاد فرص عمل ولا على رجال الأعمال الأثرياء الذي يحصلون على جوازات سفر جديدة وينقلون أموالهم حول العالم بكل سهولة، وإنما يطلق على الأشخاص الذين يخترقون حدود البلدان الغنية. ويعزى ذلك لأن المصطلحات التي تحيط بالهجرة ترتبط ارتباطا وثيقا بالنفوذ، فضلا عن الطريقة التي تختار بها المؤسسات الإعلامية استخدامها.

وأفاد الكاتب بأن اللاجئين يدركون هذه الحقيقة المؤسفة، حيث كان هناك لاجئ بلغاري يقدم لأطقم الأخبار التلفزيونية قصص المعاناة، بسعر يتوافق مع حجم المؤسسة الإعلامية التي تنشرها. وفي حين كان هناك شاب مالي يدعى سيزر التقى به في صقلية، صدم عندما اكتشف أن التلفزيون الإيطالي لا يعرض عادة صورا سوى أفريقيا عندما يتعلق الأمر بتقارير الحرب أو الفقر.

اقرأ أيضاً: جريمة فرانكفورت.. أي دور يلعبه البلد الأصلي للجاني؟

وأكّد الكاتب أن اللاجئ المالي نفسه أفاد بأنه متيقن أن بعض قصص اللاجئين عُولجت بشكل مستعجل مقارنة بغيرها بسبب البلد الذي ينتمون إليه. وفي هذا السياق، صرحت امرأة أفغانية لاجئة تعيش مع أسرتها في أثينا أن “الصحفيين يزورونهم باستمرار، ولا يمكنهم أن يفعلوا لهم شيئا”.

وتساءل الكاتب عما إذا كانت أوروبا تدرك الأسباب التي أجبر بسببها أشخاص مثلهم على القيام بهذه الرحلات، في حين أنها لعبت دورا كبيرا في تاريخ وصراعات بلدانهم؛ مشيرا إلى أن أزمة اللاجئين في أوروبا كانت بمثابة الكارثة نتيجة السياسات المعتمدة على الحدود الأوروبية.

وأشار الكاتب إلى أن مشاهد اليأس والمعاناة والإنقاذ التي يمكن جمعها عادة من قبل المراسلين الأجانب في مناطق يصعب الوصول إليها من العالم أضحت متاحة في الوقت الراهن بسهولة للصحفيين وفرق الأخبار والمخرجين بتكلفة منخفضة نسبيا. والجدير بالذكر أن لحرية التنقل التي كان يتمتع بها اللاجئون مزايا فيما يتعلق بنوع التغطية الإعلامية التي تم إنتاجها.

وأضاف الكاتب أنه خلال شهر نيسان/ أبريل، ركزت وسائل الإعلام على قوارب المهربين القادمة من ليبيا والتي تعبر البحر الأبيض المتوسط. وبعد شهر تقريبا، تحول تركيزها نحو كاليه، حيث أدت السياسات الفرنسية والبريطانية الخاصة بتثبيط المهاجرين غير الشرعيين عن محاولة عبور القناة إلى انتشار مشاهد الفقر.

وبحلول فصل الصيف، ارتفع عدد القوارب التي تنطلق من تركيا إلى اليونان بشكل كبير، وأصبحت الصور والقصص المتعلقة بالأشخاص الذين يتجهون إلى شواطئ بحر إيجه، أو أكوام من سترات النجاة البرتقالية تهيمن على المشهد الإعلامي بشكل كبير. بعد ذلك، ظهرت مشاهد المهاجرين الذين كانوا يتنقلون عبر البلقان.

وأردف الكاتب أن وسائل الإعلام كانت في أغلب الأحيان تضطلع بوظيفتها الأساسية في حالات الطوارئ التي تتمثل في نقل ما يحدث على أرض الواقع. في المقابل، عادة ما يكون يفعلونه أكثر من مجرد نقل لحقائق جافة وأرقام، نظرا لأن “القصص الإنسانية” تعد الأكثر رواجا بين صفوف الصحفيين.

وأوضح الكاتب أن وسائل الإعلام التي تحاول تغطية جميع الأزمات التي تحدث في العالم أسره تفشل في الكشف عن الثغرات الكامنة وراءها، وشرح سياسات الأنظمة الغامضة وإخفاقاتها طويلة الأمد التي تقف خلف حدوث مثل هذه الأزمات. وتجدر الإشارة إلى أنه كان هناك فشل مؤسسي واسع النطاق لضمان تلبية احتياجات تلك الشعوب المهاجرة الأساسية على غرار الحقوق القانونية والسياسية.

ونوه الكاتب بأن أوروبا اضطلعت بدور رئيسي على مرّ التاريخ في تشكيل عالم يوزع النفوذ والثروة على نحو غير متكافئ، وتواصل القوى الأوروبية اتباع سياسات التجارة العسكرية وسياسات الأسلحة التي تسببت في نشوب الكثير النزاعات وانتشار الاضطرابات. وتبعا لذلك، كانت أزمة 2015 انعكاسا مباشرا لطبيعة سياسات مراقبة الهجرة المعقدة والعنيفة التي تعتمدها البلدان من خارج الاتحاد الأوروبي.

وأشار الكاتب إلى أن الاتحاد الأوروبي وأعضاؤه أبرموا معاهدات مع دول خارج حدوده لتتحكم في تدفقات الهجرة بالنيابة عنه وتكثف من المراقبة العسكرية على حدوده الجغرافية، ناهيك عن فرض نظام داخلي لتنظيم حركة طالبي اللجوء يهدف إلى إجبارهم على البقاء في أول دولة يدخلونها في الاتحاد الأوروبي. وعموما، أدى ذلك إلى إجبار الناس اليائسين على اتباع طرق أكثر خطورة عن طريق البر والبحر، في حين ترتب عن مراقبة الحدود تفاقم أزمة اللاجئين. والجدير بالذكر أن المؤسسات الإعلامية لم توضح كل هذه العوامل المؤدية لتفاقم موجة المهاجرين للقراء والمشاهدين.

وفي الختام، أفاد الكاتب أن التغطية الإعلامية السلبية كانت تركز على أشخاص من بلدان معينة من أجل تحقيق أجندات سياسية. فعلى سبيل المثال، احتلت صورة إيلان كردي الصفحة الأولى في صحيفة “ذا صن”، وهي إحدى الصحف البريطانية الأكثر قراءة، خلال شهر أيلول/ سبتمبر 2015، وذلك بغية إخبار القراء أن أزمة اللاجئين أضحت مسألة حياة أو موت، وينبغي على بريطانيا التدخل عسكريا في سوريا.

آخر تحديث: 3 أغسطس، 2019 12:27 م

مقالات تهمك >>