كم يكلف اللبنانيين هذا «الوفاء» يا سيّد

طلال ارسلان
في كل مرة يتعرض فيها الوطن لأزمة تشل مؤسساته الدستورية، والتي غالبا ما يتسبب بها أفرقاء مما يسمى قوى 8 آذار، تتوجه الأنظار إلى حزب الله وموقفه من الأزمة، باعتبار أن الحزب هو العمود الفقري لهذه القوى، وهو ضابط إيقاعها السياسي، فضلا عن دوره الإقليمي الذي غالباً ما يكون عاملاً مؤثراً في الوضع السياسي الداخلي.

اليوم، ومنذ حادثة البساتين في 30 حزيران، التي عطلت الحكومة والبلد، لم يختلف الأمر، وانتظر الأفرقاء موقف الحزب، ففضلاً عن الأسباب الآنفة الذكر، لم يصدق أحدٌ من الناس أن المير طلال أرسلان إنما “يقدح” من رأسه، ولأن تأثيره في الميزان السياسي والحكومي ليس ذو شأن يخوله تعطيل البلد ومصالح الناس، رغم مساندته من تكتل لبنان القوي الراعي الرسمي له سياسيا، الذي ركَّب له كتلة نيابية مكنته من إنتزاع مقعد في الحكومة، وهو ما نشهد نتائجه اليوم وربما المخطط لها سلفاً.

اقرأ أيضاً: بلال عبدالله: هدف ارسلان وحلفاؤه النيل منا

بالعودة إلى حزب الله، كان كلام الأمين العام للحزب السيد حسن نصرالله في إطلالته الأخيرة الأسبوع الماضي واضحاً وصريحاً في دعمه لموقف أرسلان، وهو موقف ليس مفاجئاً ولا جديداً بطبيعة الحال، بل على العكس هو يؤكد المؤكد، حتى في الأسباب الموجبة لهذا الدعم التي أعلنها السيد نصرالله وهي الوفاء للحلفاء من جهة، و”عدم التدخل” في شؤون وقرارات الحلفاء، ولا في طريقة مقاربتهم للأمور من ناحية أخرى، وهو ما يُظهر الحزب وكأنه جمعية خيرية توزع الدعم السياسي وغيره دون مقابل سوى “الوفاء” ورد الجميل والذي يبدو أنه أبدي ومفتوح، وهو الأمر الذي لا “يُصرف” ولا يقتنع به أي عاقل ومتابع للوضع السياسي اللبناني البعيد كل البعد عن الممارسات العادية حتى كي لا نقول المثالية مع كامل الاحترام لكلام السيد حسن نصرالله.

اقرأ أيضاً: الحملة مستمرة على جنبلاط: …« شهيب كان يستهدف باسيل كما استهدف عون في 1983»

مع ذلك سنسلم جدلاً بهذا المنطق ونقول، هل الوفاء يقتضي القفز على مصالح البلد والناس في هذه الظروف الصعبة والبلد على حافة الإفلاس والانهيار بشهادة أهل الحكم أنفسهم؟ وهل الوفاء يكون فقط للحلفاء، وماذا عن الوفاء لمصالح الناس والبلد ومحاولة حلّ مشاكلهم، والمساهمة في حلحلة المشاكل المستجدة بدل التواري خلف الوفاء وترك الأمور تأخذ منحىً تصاعدياً يضرّ بالجميع. وهل الوفاء يكون بمناصرة الحليف ظالماً كان أم مظلوماً، وعلى حساب القانون والدستور والمؤسسات كما حصل عندما عانى البلد من فراغ دستوري على رأس السلطة على مدى عامين ونصف بسبب “الوفاء” لشخص العماد ميشال عون، وهو ما نعاني نتائجه اليوم، ومع ذلك يستمر هذا النهج، نهج التعطيل والشلل وليّ الأذرع ومحاولة تحجيم وكسر البعض سياسيا في إعادة لممارسات أثبتت فشلها على مر التاريخ اللبناني. لا أحد ينكر قيمة الوفاء في الحياة البشرية وهي من أنبل القيّم الإنسانية، ولكنها كغيرها من القيّم تكتسب قيمتها وخاصة في العمل السياسي بما تقدمه من خير ورفعة وعزة للمجتمع والناس والوطن بكل أطيافه، لا لشخص واحد قد يخطئ وقد يصيب، لأنها في هذه الحال تصبح مكلفة جدا ويكون مردودها عكس المرجو منها.

وفي حالتنا، الأمس واليوم، لا يسعنا إلاّ القول.. كم هو مكلف هذا الوفاء يا سيّد نقولها بمحبة وبعيداً عن الخلافات، والاختلاف السياسي لأن الوضع لم يعد يحتمل مجاملات.. والوطن وأهله من وراء القصد.

السابق
الريس في أربعين نبيل حاوي: المختارة لا تحاصر ولا وليد جنبلاط
التالي
جنبلاط: جدران التمييز في كل مكان