عن الشاعر حسن العبدالله والوقوع في فخ الغواية

حسن العبدالله

ضمن أمسية لتكريم الشاعر حسن العبدالله في لقاء الأربعاء الأدبي – بيروت، هذه كلمة كامل رضا: 

“كيفما اتّجَهتَ فلا بُدَّ مِنْ أَنْ تَقعَ تحتَ فَقْسَةِ “تِرِزْلان” مِنْ ذلك الفَخِّ … أو لا بُدَّ مِنْ أَنْ “تَعلقَ” على قُضْبانِ الدِّبْقِ التي يَنْشُرُها على كُلِّ شُجَيراتِ الأَدَبِ وأَشجارِهِ السّامِقَةِ، وجُذوعِهِ الضّارِبَةِ في عَميقِ الشِّعرِ واللغَةِ.

* إنَّهُ فَخُّ الغِوايةِ الذي أَقامَهُ فضيلةُ الشَّيخِ فضل مخَدِّر على كُلِّ مَفارقِ هذا الوطن:

* مِنْ عَكّار إلى كسروان إلى البقاع… وحتى سَهلِ الخيام ونَبْعِ الدردارة جنوبا…

إذْ لا بُدَّ لِلغاوين مِنْ شاعِر .

وحتى لا يَهيموا في غيرِ وادٍ… وما أَكثرَها اليوم! وليطمَئنَّ فَضيلتُه على إِقامةِ الغاوين في وادٍ ذي شِعر ، لا عَوسَجَ فيه ولا عِوَجَ ولا قَتاد… فها هو – وبَعدَ لَأْيٍ – يَجعلُنا نَلتقي بالشّاعرِ حسن العبدالله.

* ولا بُدَّ مِنْ أَنْ “أَشِكَّ” مِنْ عَلٍ على “المضرب” الذي يَختَبئُ فيه الفَخُّ…

اقرأ أيضاً: عندما أصبحت صيدا مركز اهتمام السلطنة العثمانية عام 1887: اكتشاف مقبرة صيدا الملكية

وكما يقولُ صَيّادو البحرِ: لِكُلِّ سَمَكَةٍ “طُعمٌ” من نوعٍ خاص… فها هو يَنْدِبُني لِأُقَدِّمَ بين يَدَّيْ الشّاعر حسن إِضْمامَةَ مَحبَّةٍ… لا مَدحَ ولا نَقدَ… ولقد عرَّفَ في كثيرِ مَحَبَّةٍ وبعيدِ تَعَلُّقٍ بهذا الشّاعر الذي أَسمحُ لِنفسي بأنْ تَهمُسَ في هذه الأُمسيةِ بأنّي لَطالما وَجَدتُ في قصائدِهِ صَبِيّاً يَقفزُ مِنْ”جُبِّ اللوبيا” المُستريحِ على ضفَّةِ نَبعِ “الدَّردارة” صائحاً بي:

أنا أنتَ… بل ها أنتَ هنا… وسِرنا معاً، حتّى آخرِ ورقةِ شعرٍ على شَتلَةِ الباذنجان… أَلتفتُ… فإذا بي أَعدو هارباً ومِلءُ يَديَّ قصائدُ القِثّاءِ “المقتى” تُطاردُني صَيْحاتُ “الخيام”.

…والآن لَنْ أَكتُمَكُم أَمراً، فأنا ما زِلتُ على عِنادي… إذ لَم أَعتَدْ – معَ قِدَمِ عَهدي – صَوتَ الهاتف… فكلَّما “نقرتُ” رسالةً أَشعرُ أَنَّ كوبَ ماءٍ شديدِ البُرودةِ يَصفَعُني…

…وها هو يُفاجئُني بِرنينِه الذي لم يتوقّفْ، وأنا على رأسِ السُّلَّمِ، أُنَقِّبُ في مَكتبةٍ لَم أَستَطِعْ أنْ أَتبيَّنَ كُلَّ ما حَوَتهُ مُنذُ ما يَزيدُ على الأربعين عاماً.

* بين يَديَّ كتابٌ:

في صفحتِه الأولى إهداءٌ إلى والدي بِخَطِّ الشّاعر أحمد الصّافي النّجَفي…

… يَرِنُّ الهاتفُ، فأكتفي منه بالأشارةِ:

الشّاعر حسن العبدالله شاعرُ الأمسيةِ القادمةِ…

فتقفزُ إلى رأسي:

“حَفروا… وجَدوا رجلاً يَحفُرُ…”.

أَقرأُ ما بين يَديَّ:

“قرأوا …وجدوا رجلاً يَقرأُ…

قرأوا … قرأوا … وَجَدوا …”.

تَختَلِطُ الأزمنةُ والكتبُ والرجالُ…

ولقد كنتُ أَرى اللقاءَ بعيداً

ولقد رَأَوْهُ قريباً.

* بَقيَ عليَّ أنْ أَجتازَ المسافةَ الفاصلةَ ما بينَ كتابين وزَمنين… وأنا أَثِقُ بمعرفتي التي تقولُ بأنَّ أمهَرَ الفرسانِ لا يستطيعُ أَنْ يَمتَطيَ فَرَساً واحدةً في زَمنَيْنِ مُختَلفَيْنِ، بل في مَرمَحَيْنِ وإِنْ مُتوازيَيْنِ… أَو مُتتابعَيْنِ.

أنزلُ درجَ السُّلَّمِ، أَجْمعُ الكُتُبَ، يَعتريني صُداعُ الانتِقالِ ما بينَ الأوراقِ… ثُمّ…

أَلتفتُ إلى ماضٍ – باتَ سحيقاً – إلى بِدايةِ السّبعينات… حينَ أَطلَّ علينا حسن العبدالله في عَصرِ نهارِ أربعاء بسيارتِهِ الخضراءَ؛ يَدعونا إلى نادي “الشّقيف” الثّقافي في النَّبطيّة… وكُنّا قد سَمِعنا له إلقاءً وحُضوراً، فيهما الكثيرُ مِنْ دَهْشةِ الصَّوتِ ونَشوةِ الأُذنِ… وللتّذكيرِ: كان الشّاعر الفيتوري مِن شُعراء تلك الأمسيةِ:

” وطني قاسٍ – يا أُختَ هوايَ – حزينٌ”…

…ومن بينِ أوراقِ تِلك المكتبةِ:

بِطاقةٌ قد لا أَذكرُ منها إلّا أَنّها لِحسن خليل…

لطالما غَبَطتَهُم، يومَ كانوا يَدخلون قصيدتَكَ وهُم يَتأبَّطون حسن خليل، فيَضعون ظِلالَهُ في مفاصِلِ قصيدتِكَ، وعِند تَنَهُّداتِها العميقةِ، أَرى فيهم – أَحياناً – ادِّعاءَ الألْفَةِ وحروفَ القُربى… وكنتُ وَحدي من بينِهم أَقرأُ قصائدَ الشّاعرِ حسن العبدالله… فتَعتَريني الحَيرَةُ، وأرى نَفسي أَوْلى منهم بما يَندلقُ عَليَّ مِنَ السِّرِّ الذي تُنبِتُهُ أظافرُ كلماتِكَ التي لَم تكنْ قد قَلّمتَها بعدُ…

– وليتكَ لَم تَفعلْ – …

* فلقد كُنتَ الفرَحَ/الحُزنَ في الفَخِّ ، وفي الدِّبْقِ… وفي “الدّردارة”… وفيَّ أنا. وأنا قُربَ نبعَِةِ “الجبَيْبات” وفي “الشّاوية” من قريتِنا…

كان حسن خليل بعيداً مِنّي… بل هو قِطعةٌ مُفرَزةٌ خاصَّة يعيشون وثيرَ علاقتِها في أمسياتِهِم وفي مَقاهيهم…

أما حسن العبدالله فكان قربي… وعلى الورقِ الحيِّ بارتعاشاتِه الأولى…

على ما ” أَذكرُ أنّي…”… “أَذكرُ أنّي…”… أَذكرُ أَنّي…

حتى أَنّي – وعلى مسافةٍ بعيدةٍ مِنْ طُفولةِ ولديّ… بل على مَرمى طفولتِهما التي صِرتُ أَحتاجُ إلى رَميَةِ مِقلاعٍ لتَذَكُّرِها…

– أذكرُ… أنَّهما، نَسِيا ٱسمي، ولَحِقا بقصائدِ “الدردارة”، فدارا مع الفخِّ الذي كنتُ أَدّخِرُهُ لطفولتِهما… فتاها في ريشِ الغروب، وظلَلْتُ أبحثُ عنهما في كتابِ “أنا الألف”… في “كتابِ الشِّعر”… في “كتابِ القَصَصِ… وقد وجَدتُهما في “الشّاوية” مُتَلَبِّسينَ “حسن خليل”، يحملان عصفوراً من نَوع “العضَّيض”، وتَحملُهما غيمةٌ بيضاءُ…

يا صديقي الشّاعر:

لقد طارَ العصفورُ… وذَرّّرَتْهُما الغيمةُ في صقيعِ هذا العالم…

ما زلتُ أَنظُرُ الى المكتبةِ وأَحارُ…

ما الذي فعلَه فخُّ حسن العبدالله بي؟

لا أَنفضُ الغبارَ عن الكتبِ

أَستَقِرُّ على رأسِ السُّلَّمِ

أَبحثُ عمّا يُطفئُ قَلَقي:

…وأَقرأُ مِنْ حِبرٍ قديمٍ…

شاعرٌ طفل قاومَ إِغراءاتِ أَنْ يَكبُرَ…

شِعرُهُ رَشقةُ ماءٍ باردٍ في وجهِ أعرافِ الشّعرِ…

ومِْن حِبرٍ قديمٍ أيضاً:

حسن العبدالله شاعرٌ لا يُدَلِّلُ اللفظةَ أو الكلمة، بل يسعى الى صوتِها في القصيدة…

ما زالت قناعتي راسخةً بأنَّ مَن يَستمعُ إليه، عليه أَنْ يَمحوَ الكثيرَ مِن ذاكرتِه الشّعرية، وأن يبتعدَ عن التّأنُّقِ، بل أنْ يُلامسِ الطُّرفةَ اللمّاحة، والبراءةَ/السوداء، ذاتَ المنسوبِ العالي من دِقَّةِ النَّقد… “ولكن يُصيب…”.

ذلك النقدُ القابِعُ ما بَينَ السُّخريةِ والدّمعِ، والذي تَميّزَت به سُلالةُ الشُّعراءِ مِن آلِ العبدالله في أخضرِ أقلامِهم، أو في ما أَيْنعَ بين أيديهم من حِبر… إذ الإبرةُ ذاتُها، التي “تُخيطُ الكفنَ، هي التي تُخيطُ ثوبَ العِرس..”.

مُلحَقٌ بديوانِ “أَذكرُ أنّني أحببتُ …”:

…يقول الشاعر حسن، إثرَ وفاةِ الشاعر جوزيف حرب:

“لا أَذكرُ كلمةً واحدةً مِمّا تَحدَّثنا به؛ ولا بدَّ أَن نكونَ قد اتَّفَقنا على أن نلتقيَ مُجدَّداً؛ إذ ليس من المُمكنِ أَن نكونَ قد افترقنا من دونِ الاتفاقِ على لقاءِ مُقبِل… ولا بدَّ أن نكونَ قد اتفقنا على اللقاءِ في بيتِه… وإلّا فما سِرُّ هذا الإحساسِ بالنَّدمِ الذي أشعرُ به الآن لأنّني أَجَّلتُ أكثرَ مِن مرّةٍ مشروعَ ذهابي إلى هناك؟…”.

نَقعُ في هذا الكلامِ على:

– التَّذَكُّرِ الصَّعبِ…

– النَّدَمِ…

-التأجيلِ الدائمِ…

ومن هذه الثُّلاثيةِ نستطيعُ الدُّخولَ إلى قصائدِ الشاعرِ حسن العبدالله… وهذا ما يُشيرُ إلى أنَّ شاعرَنا لرُبَّما قد أَضاعَ – ومنذُ زمنٍ – “حسن خليلِه…”…

إلّا أَنّنا نَتذكَّرُ، وكيف لنا أنْ نَنْسى:

“إرفعْ عينيكَ وأفكارَك”.

والتي غَدَت تعويذةً تُقرأُ عِندَ كلِّ حاجزٍ ميليشياويٍ مِن حواجزِ الزمنِ السّابق:

“إرفعْ يديكَ وأفكارَك!”…

– من يَنْسى:

“مِن أين أدخلُ في الوطن؟؟”

وقد قالها منذ زمن…

تُرى … ما الذي يُمْكنُ قولُه الآن وقد كثُرت الأقفالُ والأبوابُ والعتباتُ… وكلُّها مُقدَّسة!!!

– من ينسى:

“هذا الدّمارُ العظيم …”

“صامدون هنا… باتِّجاهِ الجدارِ الأخير…”

– سؤال لا يُطرحُ على الشاعر، بل ربما على الشعرِ نفسِه:

…هل من جدارٍ – غيرُ جدارِ الشّعرِ – يَقينا غائلةَ هذا العالم؟؟

…هل من جِدارٍ – غيرُ جِدارِ الشِّعرِ – يَرُدُّ إلينا بعضَ إنسانيتِنا في عالمٍ باتَ فيه الإنسانُ عالقاً مابينَ فَكَّيّْ هذا العصر… مُحاصَراً ما بين البورصةِ والصواريخِ البالستية؟

هو مَن لا يَتذكَّرُ أنَّه الشّاعر… وتِلك حالةٌ شعريةٌ خالصة”. 

الشّاعر حسن العبدالله:

مِن دواوينِه:

– أذكرُ أنَّني أحببت.

– راعي الضّباب.

– الدّردارة.

– أنا الألف.

– كتابُ الشِّعر.

– كتابُ الألوان.

– حسن خليل اسمُ الصّبي الذي كانه الشاعر

حسن . يُرَدَّدُ في كتاب الدّردارة.

* الجُمَلُ الشِّعريةُ التي ما بين مُزدوجَين مأخوذةٌ مِن دواوين الشاعر.

“الجبَيبات” و”الشّاوية” مَوضِعان في قريةِ البابلية.

* “الفخّ والترزلان”، و”المضرب” و”الدّبق” و”أشكّ”… مُفردات مِن لوازمِ إتقانِ الصيد بالفخِّ المُدَوَّرِ الصّغير. (…) والتي عرفها الجيلُ السّابق قبل أَن يَقضي “الكيماوي” والمبيدات الحشرية على أنواعِ العصافير الصَّغيرة التي جَمَّلت طفولةَ أبناءِ تِلك القرية، يومَ كانت قُرى.

السابق
وزارة الدفاع البريطانية: البحرية الملكية ستواكب السفن الرافعة للعلم البريطاني في مضيق هرمز
التالي
أسود: يتم نقل مهندسين من مجلس الجنوب وصندوق المهجرين بشكل مقصود بهدف ضرب التوازن