أسلمة العلوم السياسية والاجتماعية

في المرحلة التي بلغت فيها الصحوة الإسلاميّة ذورتها على المستوى العقائدي والسياسي برزت ظاهرة واضحة في نشوء اتجاهات متعدّدة كلها تصبّ في أنّ الإسـلام ـ عقيدةً وشريعةً ـ يحتوي على جميع المعارف والعلوم، وبالإمكان أسلمة ما استجدّ من علوم إنسانيّة، كالعلوم السياسيّة والاجتماعيّة، وبلغ بعضهم حدّ التفكير بأسلمة حتى العلوم الطبيعيّة.

يجيب سماحة المفكِّر العلاّمة السيد محمد حسن الأمين: نحن نعتبر أنّ هذه الظاهرة هي تجلٍّ من تجليات الحماس الذي وسم رؤية هؤلاء الإسلاميّين، ونجد أنّ من الواجب إعادة النظر في هذه الظاهرة، بدءاً من التأكيد على أنّ الإسلام هو بالدرجة الأساسيّة دين يتّسم بالشمول ولكنه لا ينوب عن معتنقيه ـ أي عن المسلمين ـ في تقديم جميع الحقائق التي يتضمنها الكون والإنسان والحياة، بل أكثر من ذلك، وبوصفه دين هداية، فإنه أكثر ما يتضمن الحثّ على البحث عن حقائق الكون والحياة، فالإنسان بموجب الإسلام مطالب أكثر ما يطالب باستخدام العقل والتأمل في الوجود والكائنات لاكتشاف حقائقها، ومن هذه الحقائق العلوم الطبيعية والعلوم الإنسانيّة، وقد حقّق المسلمون فعلاً في مراحل ازدهار الحضارة الإسلاميّة شوطاً كبيراً في تأسيس العلوم وإغنائها، وذلك بجهد عقلي فاعل، دون أن يدّعي هؤلاء العلماء السابقون أنهم أسلموا هذه العلوم.

اقرأ أيضاً: العلمانيّة المؤمنة

لذلك نحن نرى أنّ ثمّة ما يدعو إلى اعتناق مبدأ أسلمة العلوم والمعرفة بصورة عامّة، وإن كنا نعتقد بوجوب العمل على خوض المسلمين في إنتاج المعرفة التي ما نزال نعتبر أنّها ـ أي المعرفة ـ هي من الحقائق الموضوعية المحايدة، والتي لا يمكن نسبتها إلى أيّ دين من الأديان، باستثناء المعارف الدينيّة وشيئاً من علوم الفلسفة والاجتماع، التي يمكن اشتقاق بعضها من النصوص الدينيّة المقدّسة، وإن تحقّقت عمليّة إنتاج المعرفة العلمية الطبيعية أو الإنسانية على يد المسلمين فيمكن إذ ذاك أن نطلق على هذا الإنتاج أو الإبداع المعرفي أنه أنتج من قبل المسلمين، وهذا يتطلّب بالتأكيد عودة موضوعيّة إلى تاريخ هذه العلوم وتطورها، ثم انخراطنا نحن المسلمين في ورشة إنتاجها، ولا مانع إذ ذاك من الاستفادة من النص القرآني حيث توجد الحاجة إلى ذلك، وحيث تتضمن هذه النصوص أبعاداً معرفيّة في مجال علم من العلوم، وخاصّة العلوم الإنسانيّة كعلم الاجتماع وعلم النفس وعلوم التربية والأخلاق، وليس عيباً في الإسلام أنّه لم يقدم أجوبةً كاملةً لأسئلة المعرفة العلميّة، فهو  ـ أي الإسلام ـ ترك للعقل الإنساني أن يكدح في سبيل إنتاج المعرفة، ولا ضير من القول أنّ العلوم ـ والعلوم الطبيعية منها بخاصّة ـ هي علوم محايدة ليست إسلاميّة وليست مسيحيّة ولا يهوديّة ولا تنتمي إلى عقيدة ما أو إلى دين ما.

(من كتاب “أمالي الأمين” للشيخ محمد علي الحاج)

آخر تحديث: 23 يوليو، 2019 12:16 ص

مقالات تهمك >>