حركَةٌ لإعادة التوازن بتحسين إدارة التسوية

لم يكن ينقص التعاملُ مع الوقائع اللبنانية الراهنة على أنها أقصر الطرق إلى ما يوصف بـ«الدولة الفاشلة» إلا القرائن وبـ«الجرم المشهود» التي ضجّتْ بها الشاشةُ بالصوتِ والصورةِ على مدى ثلاثةِ أيامٍ من العراضاتِ الكلامية على الهواء مباشرةً خلال مناقشة البرلمان لموازنةٍ مشكوكٍ بأرقامها ويجْري العملُ على إقرارِها بتأخُّرِ سبعة أشهر في بلادٍ يجعلها الانهيارُ المالي الصامتُ تحت وصايةٍ دولية.
كما انه رغم مرورِ ما يقارب 3 أسابيع على الحادثة الدامية التي وقعتْ في منطقة عاليه (بلدة البساتين في 30 يونيو) إبان الاحتجاجاتِ على جولةِ رئيس «التيار الوطني الحر» وزير الخارجية جبران باسيل، فإنّ البلادَ ما زالت أسيرةَ هذا الملف الذي عطّل الحكومةَ نتيجة الانقسامِ حول مقاربتيْن للحل: واحدةٌ يَتَصَدَّرُها النائب طلال أرسلان ومن خلْفه «التيار الحرّ» و«حزب الله»، وتطالب بإحالة الحادثة على «المجلس العدلي» (لاعتبارهم أن في الأمر محاولة لاغتيال الوزير صالح الغريب)، وثانيةٌ يَتَبنّاها زعيم الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط مدعوماً من رئيس الحكومة سعد الحريري وتقوم على ترْك التحقيقات تحدّد الوجهةَ القضائيةَ بالتوازي مع العمل على إجراء مصالحة سياسية.
وبدا هذا الملف في معطياتِه الأخيرة كأنه على موعدٍ مع اختراقٍ اقترحه الرئيس ميشال عون ويحظى بتأييدٍ من رئيس البرلمان نبيه بري والحريري وجنبلاط ويقوم على ضرورة تسليم الطرفيْن (جنبلاط وإرسلان) المطلوبين إلى التحقيق وإحالة القضية على المحكمة العسكرية وليس على المجلس العدلي، وهو الأمر الذي يُعانِدُهُ إرسلان الذي عاود تأكيد تَمَسُّكه بـ«العدلي».
ورغم ترجيح إمكان الخروج من الأزمة في الأيام المقبلة، فإن ما حَدَثَ بدا «عيّنةً» لِما بَلَغَتْهُ الاختلالاتُ التي يخْتلط فيها السياسي بالدستوري والأمني بالمالي. وربما شكّل بلوغُ هذا المستوى من التَخَبُّطِ حافزاً لتَحَرُّكٍ رؤساء الحكومة السابقين في اتجاه الداخل والخارج على السواء، في خطوةٍ يُرادُ منها رفْعَ الصوت لإعلاء الدستور في إدارة شؤون البلاد.
هذا العنوانُ كان الحاضرَ الرئيسي وبلا مُنازِعٍ على الطاولة في «جلسةِ دَرْدَشَةٍ» لمُراسلي صحفٍ لبنانية وعربية مع رئيسِ الحكومةِ السابق فؤاد السنيورة، العائد مع نظيريْه تمام سلام ونجيب ميقاتي من زيارةٍ للسعودية التقوا خلالها الملك سلمان بن عبدالعزيز ووزير الخارجية إبراهيم العساف، في مستهلّ تَحَرُّكٍ يُرتقب أن يشمل الكويت والإمارات ومصر ودولاً أخرى. 
فالسنيورة قدّم إحاطةً شاملة للزيارة وأسبابها ونتائجها المُحْتَمَلة، ولِما هو عليه الواقعُ اللبناني الذي لم يعد يملك تَرَف الانتظار أو تَرَف الاختيار، فالبلادُ أمام وَصْفَةٍ واحدةٍ لا مَناص منها هي الالتزام بالدستور والاحتكام إليه ووقْف محاولات تعديل اتفاق الطائف بالممارسة والكفّ عن اجتياح هذه السلطة وتلك وعن ترْك منطق الدويلات يُجْهِز على الدولة ومؤسساتها، وتالياً لا بدّ من العمل على تحسين إدارة التسوية التي تحْكم البلاد (منذ 2016).
وكعادته لا يخْلو الكلامُ البالغ الدراية للسنيورة من استعاراتٍ قاربتْ حكايا عن الأرنب والأسد والسلاح النووي وعنتر بن شداد و«تلات دقات»، لكنه بدا شديد التوجُّس مما آلتْ إليه الأوضاعُ التي صارتْ تحتاج إلى تَحَرُّكٍ «ما فوق عادي» وعلى طريقة إنقاذ ما يمكن إنقاذُه بعدما صرْنا بين… السيئ والأسوأ.
السنيورة، الذي لا يُحَبِّذُ «إلهاب التوقّعات» في شأن نتائج الزيارة، أوْحى بأن المسؤولين السعوديين سيبادرون إلى الدعم، وهو قلّلَ من شأن التشكيك بأهميةِ الزيارة رَبْطاً بأنها لم تشْهد لقاءً مع الأمير محمد بن سلمان، عندما أشار إلى أنه لم يكن من موعدٍ مع وليّ العهد واللقاءُ مع الملك سلمان وطبيعة الُمشارِكين فيه والاهتمام الإعلامي بالنتائج، كلُّه عَكَسَ أهميةَ الزيارة وما انطوتْ عليه.
وفُهِمَ أن ما يُشْبِهُ المُكاشَفَةَ خَيَّمَتْ على اللقاء مع خادم الحرمين الشريفين الذي تحدّث وبـ«نوستالجيا» عن ذكرياته اللبنانية، ومع العساف، صديق السنيورة وزميله يوم كان وزيراً للمال، وكان الكلام على مَسامِعهما عن أن لبنان يُحْكَم بقوة التوازن لا بموازين القوى وهو ما يَسْتَدْعي حمايةَ اتفاق الطائف وصوْنه ومعاودة المملكة الدعْم الاقتصادي والمالي.
وبدا واضحاً أن رؤساء الحكومة السابقين في بيانهم عن نتائج الزيارة اختاروا وبدقّة كلماتٍ استَخْدَمَها العاهلُ السعودي في مُخاطَبَتِهِم، وهم لاحظوا اهتماماً سعودياً مُتزايِداً بالأوضاع في لبنان كان عَكَسَها مجيء وفدٍ رفيع من مجلس الشورى إلى بيروت وزيارة قائد الجيش العماد جوزف عون للرياض والتحضير لتوقيع 22 اتفاقية بين البلدين.
ولم يكن صعباً الاستنتاجُ من خلال مُقارَبَةِ السنيورة أن المملكةَ تُدْرِكُ حجْمَ التحديات التي تواجه لبنان كواحدةٍ من الساحات العربية التي تؤثّر وتتأثّر، وربما هذا سرّ هذه العروبة الصحيحة الحضارية والثقافية والقائمة على المَصالح المشتركة… (هكذا كان التفاعُل مع أغنية «تلات دقات» التي حرّكتْ نبض الشارع العربي في غير مكان).
وثمة حرْصٌ على القول إن حركة رؤساء الحكومة السابقين، التي تكاد أن تتحوّل مؤسسةً، يُراد منها وضْع خبرةِ هؤلاء في خدمة الحريري في لحظةِ طغيان الدويلات على الدولة، وان تَحَرُّكهم يتم بالتنسيق معه وبمعرفته وغايته استعادة الدولة ودستور الطائف.
ومَن يَسْتَمِعْ لـ«دردشة» السنيورة، يُدْرِك أن المعالجاتِ الجزئيةَ أو المسكّناتِ لِتَدارُك ما هو أسوأ في لبنان لم تَعُدْ تنْفع، لا المعالجات النقدية أو الهنْدسات المالية أو تدوير الزوايا السياسية… لا بدّ من تصويبِ البوصلة عند أهل الدولة، لقد أصبحْنا مضْحكةً أمام العالم، وها نحن نترك العنان للفتن الجوّالة أو المُدَمَّرة.
وفي مقاربته لدور رئيس الجمهورية، يأخذ السنيورة على الذين يسيئون فهْم دورِه «الجامِع للجميع»، فالرئيسُ الذي أعطاه الدستور مهمّةَ الدفاع عنه، يكون إذا ارتقى في أدائه كَمَن يملك سلاحاً نووياً ولا يمكن تالياً حتى لعنتر بن شداد أن يتحدّاه، وتالياً ليست «العَضَلات» مَن يعطي قوّة الدور بل الدستور.

آخر تحديث: 19 يوليو، 2019 12:38 ص

مقالات تهمك >>