إبليس الموازنة ومسرح الدمى

بعد أن تحولت جلسات مناقشة الموازنة الى حفلة أنكار لاي صلة بها وتبرئ من ابوتها، يخيل الي ان شيطانا قد اعدها ودسها في درج وزارة المال، وان ابليس الخناس قد وسوس لرئيس الوزراء فقبلها، فيما قامت الساحرة الشمطاء وهي تركب مكنستها بسحر باقي الوزراء واستلاب عقولهم على مدى تسع عشرة جلسة، فصوتوا على اعتمادها وهم تحت تأثير السحر الاسود للسيدة كرابوس.

وفيما تولى رئيس لجنة المال والموازنة استقبال المارد الخارج من فانوس علاء الدين لينتهك طول الأرقام وعرضها، مبضعاً بسكين جراحته موادها، طالعاً بها عجزاً، ونازلاً بها انفاقاً، في استعراض بهلونيات مكرّرة جوفاء حول مخالفات لا ريب بارتكابها، وخطايا سئم الناس ترداد اخبارها، بعد أن خبروا ان سيول الخطيئة لا تومئ لخاطئ واحد، وان طبول مقارعة الفساد ضجيج لا يشير الى فاسد واحد.

ما يشغل بالي فعلاً هو اي مخلوقات عجائبية سكنت كل ذوات النواب، أو أيّ نباتات شربوا عصارتها، ليطلقوا سباقاً لا حدود له وموجة من النفاق العام والرياء السمج، وتلبس اثواب العفة والنزاهة، مصحوبةً بوقاحة حملقة الكاذب في عين الشمس.

اقرأ أيضاً: لبنان في مرمى «العقوبات» فهل اخترق حزب الله الدولة؟

ما ينقصُنا لكي تستكمل هذه المهزلة فصولها لتصبح تراجيديا مأساوية كارثية ومحزنة، ان تتولى جموع من الجان مهمة افساد عقول كلّ شعب لبنان، ليخرج مهللا باعلان افلاس لبنان الثقافي والاخلاقي وطبعاً المالي والاقتصادي.
في هذه المعمعة الكارثية، ثمة حاجة لأن يحتفظ المرء بقدرته على تميّيز ما هو افتراضي وما هو حقيقي؛ فقد تحولت الحياة السياسية في لبنان لمسرح دمى تتكرر مشاهده دون ان يكوّن حدثا!

فالمجلس النيابي يتألف واقعاً من خمسة نواب حقيقيين فقط، هم نبيه بري، سعد الحريري، وبولا يعقوبيان وسامي الجميل ونجيب ميقاتي، ما تبقى، أي 123 نائباً مفترضاً، مع كل احترامي ومحبتي، ليسوا الا كائنات افتراضية لزعماء لم يتكرموا على شعب لبنان بممارسة حضورهم ونعمة انتخابهم، فآثروا ان يتحفونا بمناديب لهم يُرجعون صدى مواقفهم ومصالحهم والهاماتهم المشروعة وغير المشروعة.

أمّا مجلس الوزراء ففيه مسؤولان فقط، هما الرئيس ميشال عون الذي لا صوت له، فيحل مكانه نسيبه الباسيل، والرئيس سعد الحريري، أما ما تبقى من مجلس الوزراء فهم اصداء زعماء قابعين على اريكات صالوناتهم وجنب هواتفهم، يُسألوا من مناديبهم ويُستشارون، فيدلوا بما يرون، فيكون للحكومة قرار من خارجها كلّما اتفقوا وتعطيل لحياتها كلما اختلفوا.

لا تعمل مؤسسات النظام أيّ عمل، بل تُسيّر الدولة من خارج هيكلياتها، وتؤخذ القرارات خلافا للدستور وانتهاكا للقوانين كل القوانين، من قانون السير … الى قانون البناء… والملكية وصولا الى قانون المحاسبة العمومية….وتسير القرارات والالتزامات والمناقصات لمصلحة مجموعة من رجال الاعمال والمال من ” الهبيشة” وهم شركاء وغطاء، لنادٍ مقفلٍ للسلطة الحقيقية، لا يتعدّى سبعة اشخاص فقط، هم مندوبين حصريين لقوى اقليمية متعددة، قوة كل واحد منهم من قوة حامله الاقليمي وضعفه من ضعف راعيه، وقرارهم جميعا من قرارات اسيادهم.

الموازنة تناقش في هذا النادي وتقرُ. مسرح الدمى هذا ليس إلاّ لتسلية الجمهور وترجيع الصدى لقراراته. ليس ما نراه حدثاً بل مشهداً افتراضياً. الحدث في مكان آخر، بعد أن تمّ تجويف الداخل اللبناني، ليصبح خاوياً انتاجاً وإعلاماً وثقافة ومالاً.

آخر تحديث: 18 يوليو، 2019 11:47 م

مقالات تهمك >>