إرباك حسابات التهدئة

د محمد السعيد إدريس

ليس جديداً أن تقوم إسرائيل بضرب أهداف عسكرية فى العمق السورى سواء كانت هذه الأهداف مواقع لإيران أو لحزب الله أو حتى للجيش السوري. فالسنوات القليلة الماضية شهدت العشرات من هذه الاعتداءات التى كانت تحدث بعلم وبضوء أخضر من الحليف الروسى لكل من سوريا وإيران. فروسيا دخلت منذ فترة قصيرة فى تطوير “علاقة شراكة” مع الكيان الصهيونى تحكمها “تفاهمات” (هكذا يصفونها) تعكس ما يمكن اعتباره “صفقة مصالح متبادلة” بين الطرفين الروسى والإسرائيلى، لم تتكشف كل مضامينها بعد، لكن أهم ما أضحى ظاهراً من بنود هذه الصفقة أن توافق روسيا على أن تقوم إسرائيل بضرب أهداف داخل سوريا، سواء كانت ثابتة أو متحركة وسواء كانت تعود إلى إيران أو إلى حزب الله شركاء سوريا وروسيا فى القتال ضد “الإرهاب” والدفاع عن سوريا، تحت غطاء “الدفاع عن أمن إسرائيل”، وأن تنسق تل أبيب مع موسكو بخصوص هذه الضربات ضمن ما يسمى بـ “تحديد صارم لقواعد الاشتباك” حتى لا يحدث أى ضرر يلحق بروسيا أو مقاتلاتها التى تحلق فى الأجواء السورية، مقابل أن تضمن إسرائيل نجاح المشروع الروسى فى سوريا الذى يتحدد بحماية نظام الرئيس السورى بشار الأسد على رأس السلطة فى سوريا، ودعم الوجود والنفوذ الروسى فى سوريا، ما يعنى أن تل أبيب ستؤمن الموافقة الأمريكية على ذلك، بما فيها خروج القوات الأمريكية والقوات الدولية الأخرى الموجودة فى سوريا مقابل تأمين روسيا خروج القوات الإيرانية من سوريا، باعتبار أن الوجود العسكرى والنفوذ السياسى الإيرانى فى سوريا يعتبر “تهديداً وجودياً للكيان الصهيونى”، أى تهديد وجود إسرائيل وليس أمنها فقط.
كل هذا ليس جديداً، وحديث الصفقة “الإسرائيلية- الروسية” هو الآخر ليس جديداً، والصعود غير المسبوق فى العلاقات الشخصية بين بنيامين نتنياهو رئيس الحكومة الإسرائيلية والرئيس الروسى فلاديمير بوتين يعد من أهم معالم هذا التطور المثير فى العلاقات الروسية- الإسرائيلية، الذى وصل إلى درجة تنافس بوتين مع الرئيس الأمريكى دونالد ترامب على دعم المعركة الانتخابية الإسرائيلية الأخيرة (9 إبريل الماضى) لضمان فوز نتنياهو فى هذه الانتخابات كى يتمكن من أن يبقى رئيساً للحكومة الإسرائيلية، لكن الجديد هو أن تقوم إسرائيل الآن بالتحديد بتعمد ضرب مواقع داخل سوريا بعد انقضاء أيام معدودة على انتهاء أعمال الاجتماع الاستثنائى، والأول من نوعه، بين مستشارى الأمن القومى فى إسرائيل والولايات المتحدة وروسيا الذى تعمد الإسرائيليون انعقاده فى القدس المحتلة (الثلاثاء 25/6/2019).
فقد شنت طائرات إسرائيلية ليل الأحد (30/6/2019) غارات صاروخية على أهداف عسكرية ومدنية فى ريفى دمشق وحمص مما أدى إلى استشهاد 15 شخصاً من بينهم أطفال ومدنيين، وهذا ما يدفعنا إلى التساؤل: هل هذا العدوان يعد “إعتراضاً إسرائيلياً صارخاً” على فشل ذلك الاجتماع الأمنى فى تحقيق ما كانت تهدف إليه إسرائيل من تأسيس لتحالف أو “لشراكة ثلاثية: إسرائيلية- أمريكية- روسية” ضد إيران، وتمرير الصفقة التى تريدها مع روسيا عبر مشاركة ومصادقة أمريكية تفتح فرصاً جديدة لعلاقات أمريكية- روسية أفضل عبر “البوابة الإسرائيلية”. أم أن لهذا العدوان أهداف أوسع تتعلق بالتطورات “السلبية” من المنظور الإسرائيلى التى أخذت تفرض نفسها على أجواء الأزمة الأمريكية- الإيرانية فى الخليج، تطورات تعمل فى الاتجاه المعاكس الذى تريده إسرائيل لهذه الأزمة؟
قراءة مضامين كل تلك الأحداث والتطورات تؤكد الإجابة بـ “نعم” للسؤالين. فالعدوان هو “انفعال إسرائيلى صاخب” يحمل تحدياً واستفزازاً لروسيا على تعمدها إفشال ما روجت له إسرائيل بخصوص ما اعتبرته “قمة أمنية تاريخية” بين مستشارى الأمن القومى فى روسيا والولايات المتحدة وإسرائيل، وهو أيضاً محاولة إسرائيلية مستميتة لإرباك حسابات التهدئة التى باتت تفرض نفسها على أجواء الأزمة الأمريكية- الإيرانية بعد خفوت صخب الانفعال الأمريكى على نجاح إيران فى إسقاط واحدة من أهم وأرقى طائرات التجسس الأمريكية المسيرة (جلوبال هوك) التى كانت تطير على ارتفاع يفوق 20كم بصاروخ إيرانى محلى الصنع، فى محاولة مستميتة لإعادة الأجواء الساخنة، وتجديد فرض الحرب، وليس التفاوض، كخيار لإنهاء هذه الأزمة، من خلال توريط إيران بالرد على تلك الاعتداءات الإسرائيلية التى وقعت على الأراضى السورية بضربات إيرانية داخل العمق الإسرائيلى تكون ذريعة لشن حرب موسعة ضد إيران فى سوريا ولبنان على أمل أن تمتد إلى حرب أمريكية ضد إيران فى الخليج وعلى الأراضى الإيرانية، ووضع نهاية باتت ضرورية من منظور الأهداف والمصالح الإسرائيلية للأزمة الراهنة بين واشنطن وطهران.
الرئيس الروسى فلاديمير بوتين أحبط مبكراً طموحات إسرائيل فى الاجتماع الأمنى الثلاثى. فقبل خمسة أيام من انعقاد ذلك الاجتماع وبالتحديد يوم الخميس 20/6/2019، وهو بالمناسبة يوم نجاح إيران فى إسقاط طائرة التجسس الأمريكية، وضع الرئيس الروسى خطوطاً حمراء تتعلق بالعلاقة بين روسيا وإيران ممنوع تجاوزها وفى القلب منها موضوع تلك “الصفقة” التى روج لها الإسرائيليون وأملوا فى تدشينها، من خلال ذلك الاجتماع الأمنى بين كل من إسرائيل والولايات المتحدة مع روسيا. فقد أكد بوتين أن “روسيا لا تتاجر بمبادئها وحلفائها” ورداً على سؤال حول حقيقة تلك الصفقة قال: “ماذا يعنى صفقة؟!!.. الحديث لا يدور عن قضية تجارية.. لا.. إننا لا نتاجر بحلفائنا ومصالحنا ومبادئنا”. وفى المؤتمر الصحفى لمستشارى الأمن القومى الثلاث بحضور بنيامين نتنياهو أكد نيكولاى بتروشيف مستشار الأمن القومى الروسى على اتهامات نتنياهو واتهامات مستشاره للأمن القومى واتهامات جون بولتون مستشار الأمن القومى الأمريكى لإيران بأنها “مصدر للتهديد ودعم الإرهاب” على أن إيران “حليف وشريك راسخ لموسكو وأن تشويه صورتها ووصفها كخطر كبير فى المنطقة غير مقبول بالنسبة لروسيا، لأنها تشارك بفعالية فى محاربة الإرهاب واستتباب الأمن فى سوريا” لذلك جاء رد الفعل الروسى سريعاً وقوياً ورافضاً للعدوان الإسرائيلى الأخير على سوريا.
فهمت موسكو رسالة هذا العدوان ولم تشأ أن تدعه يمر دون رد، فقد اعتبرت ماريا زاخاروفا المتحدثة باسم الخارجية الروسية أن الاعتداءات الإسرائيلية على سوريا “تصعيد يثير قلق موسكو” وأن “عمليات استخدام القوة التى تنتهك بشكل سافر سيادة سوريا لا تسهم فى تطبيع الوضع فى هذا البلد، بل تحمل تهديداً بزعزعة الاستقرار الإقليمى”.
حاول الإسرائيليون إرباك الحسابات الروسية مع إيران فكان عدوانهم الأخير على سوريا ضد مواقع يعتقد أنها إيرانية، لكنهم حاولوا أيضاً، وهذا هو الأهم، إرباك الحسابات الأمريكية والأوروبية مع إيران بعد الذعر الذى أصابهم من التردد الأمريكى، الذى أضحى “تراجعاً” فى اللجوء إلى خيار الحرب ضد إيران، والتركيز على إستراتيجية “ممارسة أقصى عقاب” ضد إيران بتصعيد وتشديد العقوبات بدلاً من الحرب، وفى ظل أجواء التهدئة والتفاهمات الجديدة فى علاقات الولايات المتحدة مع كل من الصين وروسيا كما كشفتها أجواء قمة مجموعة العشرين التى استضافتها اليابان فى أوساكا (28/6/2019) وإعلان أوروبا تفعيل “آلية التجارة الخاصة” (انستيكس) مع إيران لتعويضها عن العقوبات الأمريكية ولتشجيع إيران إلى الالتزام بالاتفاق النووى وعدم الانسحاب منه، وظهور مؤشرات لاستعداد طهران على التفاهم مع أوروبا وتطوير آليات التعاون.
فى ظل هذه التطورات لم تستطع إسرائيل الاستمرار فى سياسة “النأى بالنفس” ظاهرياً عن الأزمة الأمريكية – الإيرانية، والبقاء أطول من ذلك “خلف العاصفة” إما لتفادى تحمل مسئولية أى خسائر لأى حرب تقع بين واشنطن وطهران أمام الرأى العام الأمريكى، وإما لتحاشى أن تكون مضطرة لدفع بعض الأثمان الباهظة لمثل هذه الحرب بالانجرار إلى حرب لا تريدها مع إيران وشركاءها، فتحت الضغوط السابقة قررت أن تفصح عن موقفها الحقيقى باعتبارها “الطرف الأصيل” فى المواجهة مع إيران أكثر من الولايات المتحدة، فى محاولة مستميتة لإعادة فرض “الخطر الإيرانى” على رأس مصادر التهديد للأمن وللاستقرار الإقليمى.
وزير الخارجية إسرائيل كاتس أكد فى اليوم التالى لقصف الطائرات الإسرائيلية لسوريا (2/7/2019) أن بلاده “تراقب عن كثب سلوك إيران بشأن القضية النووية”. وأمام مؤتمر عقد فى مدينة هرتسيليا قال كاتس أن “التهديد الذى يمثله البرنامج النووى الإيرانى واضح وخطير، ويجب بذل كل ما بوسعنا لمنع إيران من امتلاك أسلحة نووية”. فى ذات الوقت جاء بنيامين نتنياهو ليؤكد أن بلاده “ستكشف قريباً عن مزيد من الأدلة التى تثبت أن إيران خدعت الأسرة الدولية”، فى إشارة للاتفاق النووى، كما أكد أن “إسرائيل لن تسمح لطهران بحيازة أسلحة نووية مهما كانت الظروف”.
تهديدات تكشف مدى الذعر الإسرائيلى من أجواء التهدئة التى أخذت تفرض نفسها فى الأيام الأخيرة للأزمة الأمريكية- الإيرانية، وتؤكد الإصرار الإسرائيلى على إرباك حسابات تلك التهدئة وأطرافها وجعل الحرب هى الخيار الوحيد، لكن الأهم أنها تؤكد إدراك الإسرائيليين لهشاشة كيانهم وعجزه عن البقاء دون تفرد بامتلاك السلاح النووى وهو ما كشفه الجنرال احتياط عاموس جلعاد رئيس معهد هرتسيليا وأحد أبرز العقول الأمنية والإستراتيجية فى إسرائيل أمام المؤتمر الذى تحدث فيه إسرائيل كاتس بمقولته شديدة الخطورة التى تغيب عن أذهان الكثيرين والتى وصف فيها الكيان الصهيونى بأنه “منزل محمى بجدران قوية بينما يأكله النمل الأبيض من الداخل”.

اقرأ أيضاً: مصير الأزمة رهن تحمّل إيران آلام العقوبات

السابق
7 علامات تدل على إصابتك بسرطان المعدة!
التالي
الأسد يصطدم بجدار في حرب سوريا مع صمود المعارضة على خطوط الجبهة