محمد رعد الأمين العام لـ«حزب الله» اللبناني

لعله النائب الوحيد في حزب الله الصامد في مجلس النواب منذ العام 1992، متربعاً على رئاسة كتلة الوفاء للمقاومة، نائبا عن محافظة النبطية، والمتحدر من بلدة جباع في اعالي إقليم التفاح.
في سيرة الحاج محمد رعد (٦٢ عاما) الحزبية والسياسية، جملة تقلبات ومفاصل لم تذهب به إلى مطارح تتسم بالخروج من المظلة الحزبية التي بقي يتفيأ تحتها، على رغم شبهات طالته في محطات عدة في مسيرة ترسيخ زعامة السيد حسن نصرالله على رأس الحزب.
محطات كان منها خروج الأمين العام السابق في حزب الله الشيخ صبحي الطفيلي في منتصف التسعينيات، والتي شكلت تحدياً بارزاً في مسيرة الحزب في ذلك الحين، وادّت الى ما يُعرف بثورة الجياع عام ١٩٩٧ ثم اختتمت بحادثة عين بورضاي قرب بعلبك، والتي ذهب ضحيتها آنذاك النائب السابق الشيخ خضر طليس وسواه من ضحايا سقطوا برصاص الجيش، في مواجهة لم يكن حزب الله خارجها ولا الاتفاق الإيراني_السوري الذي قضى بإنهاء حالة الشيخ الطفيلي الذي لم يزل ملاحقا من القضاء منذ أكثر من عشرين عاما (1998).

اقرأ أيضاً: قلق في بيروت: خوف من «حزب الله» أم من لائحة عقوبات جديدة؟

لعل هذه الواقعة هي التي شكلت خاتمة في مسيرة التمايز التي كان النائب رعد يتمتع بها بين أقرانه الملتزمين والمنضبطين في مؤسسة الحزب ومرجعية ولاية الفقيه، وعلى رغم ميل دعوتي (حزب الدعوة) منذ نشأته الأولى وبداياته في اتحاد الطلبة المسلمين قبل تأسيس حزب الله في العام ١٩٨٢، وعلى رغم تأثر وميل فكري وثقافي وديني لديه اتجاه السيد محمد حسين فضل الله، فان الحاج محمد رعد أدرك أن القطيعة لا مفر منها مع هذه المؤثرات غير الايرانية، اذا اراد ان يبقى في مؤسسة الحزب، لأن حزب الله لم يعد يحتمل هذه “الشبهات” التي تخل بالولاء الكامل والمطلق لولي الفقيه، ولتجلياته اللبنانية التي ترسّخت في شخص الأمين العام الشاب آنذاك السيد حسن نصرالله.

يعلم الجيل الأول في حزب الله أن النائب رعد هو من المؤسسين، لذا كان يحتل موقعا ثابتاً في مجلس الشورى في زمن ولاية الشيخ الطفيلي ثم في مرحلة السيد عباس الموسوي القصيرة التي انقطعت باغتياله عام ١٩٩٢، كان متقدما بصفته التنظيمية طيلة هذه المراحل على الأمين العام اللاحق السيد نصرالله، وهو كان من الفريق الذي اعترض على وصوله إلى سدة “الأمانة العامة” بعد انتهاء ولاية الشيخ الطفيلي، وكذا كان الحال بعد اغتيال الموسوي، لكن بحدّة أقل، فاغتيال الموسوي كان بداية صعود ما يسمى الجهاز الأمني والعسكري اللبناني_الإيراني الذي فرض نصرالله في الأمانة العامة، وكان عماد مغنية هو الذي يقف وراءه ويزيل العوائق من امامه، وهذا لا يعني أن السيد نصرالله لم يكن يتمتع بالجاذبية الخطابية والحزبية لدى المحازبين والمناصرين.
وصول نصرالله بما يمثل، كان يعني بالضرورة تراجعاً لدور الحاج محمد رعد في داخل البنية الحزبية، وكانت زعامة المرجع السيد علي خامنئي الملتبسة في ايران في ذلك الحين، تتطلب مزيدا من ترسيخ حضورها ونفوذها وصورتها الدينية خارج ايران في سياق عملية تسويقها داخل ايران، فبعد رحيل الخميني كان من الصعب على خامنئي أن يملأ فراغ غيابه، وهذا تطلب تشددا من ماكينة الحرس الثوري، في حصر الولاء وتركيزه في شخص خامنئي، ومنذ ذلك الحين بدأت معركة التخلص من آثار السيد فضل الله وحضوره لدى مناصري حزب الله، وكان محمد رعد من الذين تأثروا سلبا من عملية التبرع من كل ما هو خارج ولاية الفقيه، من دون أن يدفعه ذلك للخروج على توجهات القيادة الجديدة من طهران إلى بيروت.
وكان من نفوذ محمد رعد داخل حزب الله، أنه كان من أبرز الذين خاضوا مواجهة لإنهاء ظاهرة قام بها الجهاز الأمني، بوضع صورة نصرالله في بعض المكاتب الحزبية وبعض الطرقات في منتصف التسعينيات، وقد نجح الى حين في وقف هذه الظاهرة، باعتبارها تتنافى مع القواعد الحزبية، التي كانت تقصر موضوع الصور على الخميني وخامنئي والشهيد عباس الموسوي،

ودفع ثمن ذلك وسواه لاحقا بأن أخرج من قيادة الشورى واستبعد منها لمرات عدة، و”مجلس شورى القرار” الذي يمثل مركز قيادة حزب الله فيه سبعة أعضاء يتولون مسؤوليات قيادية في مؤسسات الحزب، يضم ايضا اثنين آخرين، لا يعلن عن هويتهما واحد ممثل للحرس الثوري الايراني، وآخر ذي صفة عسكرية أو جهادية من داخل حزب الله.
بعد العام ٢٠٠٠ تاريخ تحرير ما تبقى من احتلال إسرائيلي في الجنوب، تعزز لدى النائب محمد رعد أن فرص الارتقاء داخل حزب الله وصولا للأمانة العامة قد أفلت، لا سيما بعدما أنهى حزب الله فكرة تداول منصب الأمين العام، والتي كانت تمنع تولي اي شخص موقع الأمانة العامة لأكثر من ولايتين. والى جانب تعديل صيغة التداول، وربما إلغاء الانتخابات الحزبية الداخلية عمليا، بدا أن هناك مسارا جديدا داخل حزب الله يقوم على تركيز القرار في الأمانة العامة، فقد شهد العقدين الاخيرين، تراجعا لموقع الشورى والقيادة الجماعية، لصالح تعزيز موقع الأمانة العامة، بحيث نشأ مؤسسة ضخمة اسمها الأمانة العامة، تضم معاونين، ومؤسسات تنفيذية، جعل من مجلس الشورى أقرب إلى مجلس استشاري للأمين العام عملياً، على رغم أن صفته لاتزال أنه مركز القرار والقيادة العليا لحزب الله.
خبرة النائب محمد رعد نحت مع الأيام نحو مجلس النواب، إلى درجة أن البعض في داخل حزب الله وحتى خارجه كان يرشحه لأن يكون رئيس مجلس النواب بعد الرئيس بري، وهو الى حدّ بعيد تكرس عمله الحزبي في هذا الاتجاه،وما يتصل به من شؤون نيابية ووزارية، وصار بعيدا عن أن يكون شريكا في قرارات تتصل بشؤون قتالية أو كما يسميها الحزب جهادية، لذا هو يرأس مجلساً يضم النواب السابقين والحاليين في حزب الله تقتصر وظيفته على متابعة ملفات داخلية، تتصل بالقوانين وسياسة الحكومة، والتعيينات، بهذا المعنى يمكن أن نسمي محمد رعد أمين عام حزب الله اللبناني، لذا فإن ادراج اسمه على لائحة العقوبات الاميركية، بزعمي لم تكن هذه الفكرة غائبة عن وزارة الخزانة الأميركية. فلم تكن لائحة الاتهامات المزعومة من قبل الأميركيين ضد محمد رعد، تنطوي على اتهامات تتصل بممارسات غير قانونية، أو بسلوك ينم عن مخالفات لها علاقة بشبهات جرمية، كما هو حال الاتهامات ضد النائب أمين شري أو وفيق صفا.
اما الإشارة إلى موقعه في مجلس الشورى، فهذا لا يعني بالضرورة أنه او المجلس مقرر في شؤون ارهابية كما ورد في الاتهام، فالقرار في هذه الشؤون على ما يؤكد أكثر من مصدر خبير بحزب الله، بات في دائرة صغرى ليس مجلس شورى حزب الله من يصدر قراراتها ويحدد مسارها.
في احد معاني العقوبات الأميركية الأخيرة ولا سيما المتصلة بالنائب محمد رعد، هي أن القرار الأميركي أراد استهداف فيما يستهدفه، النموذج اللبناني الأبرز في قيادة حزب الله، والذي كان مؤهلا نتيجة خبرته النيابية، وسمته المدنية، لأن يكون بديلا مخضرما في اي انتقال لحزب الله الى الرئاسة الثانية.

آخر تحديث: 12 يوليو، 2019 2:22 م

مقالات تهمك >>