عن بوراك.. و ظاهرة التعويض بـ« الحب الأعمى»!

ظاهرة الهستيريا التي رافقت استقبال النجم التركي بوراك في لبنان تطرح عدة اشكاليات حول الفشل العام الحاصل على أرض الواقع، والتعويض المعنوي الخيالي الذي يحاول ان يعيشه اللبنانيون.

في الوقت الذي كان البلد يغلي الأسبوع الماضي على المستويين الأمني والسياسي عقب أحداث الجبل التي تسببت بها زيارة رئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل وتصريحاته الإستفزازية والتي أرخت بظلها بطبيعة الحال على الوضع السياسي المهزوز أصلا عبر محاولة تعطيل إنعقاد الحكومة ومن ثم الإتفاق على تأجيل عقد الجلسة في محاولة لحفظ ماء وجه الحكومة ورئيسها.

 في هذا الوقت حل ضيفا على أحد المتاجر اللبنانية الممثل التركي بوراك  في زيارة ترويجية للمتجر وبضاعته . وكما أثارت زيارة رئيس التيار الوطني الحر الترويجية له ول ” بضاعته ”  في ألجبل الجدل ، كذلك  أثارت زيارة الممثل التركي للبنان والإستقبال الغريب الذي حظي به من المعجبين والمعجبات والذي كان مبالغا به في مكان ما ، ما إستثار بعض الناس والمتابعين الناشطين على وسائل التواصل الإجتماعي المختلفة متهمين المستقبلين بإتهامات ونعوت مبالغ فيها أيضا حسب رأيي بذريعة أن هؤلاء الناس لا يتجمعون لأي هدف سياسي أو إجتماعي أو مطلبي في الوقت الذي يرزح البلد تحت أعباء ومشاكل عديدة .

صحيح أن الإستقبال لم يكن طبيعيا ، وكان يعبر عن ” الحب الأعمى ” الذي يكنه بعض الناس لنجومهم المفضلين والمشاهير سواء في الفن أو الرياضة، ولكن ردة الفعل أيضاً لم تكن طبيعية وظالمة بعض الشيء، فهذه  ” الظاهرة ” موجودة في كل أنحاء العالم إذا صح تسميتها بالظاهرة أصلا، فهؤلاء مجموعة من الناس لهم إهتماماتهم الخاصة التي يرون فيها أنفسهم بغض النظر عن الصح والخطأ هنا، فهذه حرية وخيارات شخصية نابعة من مدى تكيف الشخص مع مجتمعه ومدى رضاه وإقتناعه بمسيرة هذا المجتمع وقوانينه ، وهي تعبر في مكان ما عن حاجة الشخص إلى مثال أعلى أو رمز أو بطل لا يجده على أرض الواقع، هذا بشكل عام فكيف إذا كان هذا الواقع هو في لبنان ؟

يحضرني في هذا المجال إحتفال الحزب الشيوعي اللبناني في العام 1984 في بيروت، في الذكرى ال 60 لتأسيسه، يومها وفي عز الحرب والصراعات حضر الإحتفال على ما أذكر عشرات الآلاف من المواطنين من كل الفئات العمرية، أزعم أن ذلك كان لأن الناس كان لديها قضية وكان يحدوها الأمل بالتغيير وكان لديها الإيمان بالغد الجميل القادم بغض النظر عن مدى صحة وواقعية هذا الأمل ومساره ومآلاته.

 وهذا ما يدفعنا للسؤال اليوم بمناسبة ما سمي ظاهرة بوراك، ماذا قدمت الدولة والطبقة السياسية بكل أطيافها والأحزاب  للناس والشباب خاصة غير الخراب والدمار وقتل الأمل بالنفوس الشابة ، وأي مثال ورمز نعطي للناس في بلد من يصول ويجول فيه ويقدم نفسه للناس على أنه

” المُخَلِّص المنتظر ” عبر التغيير والإصلاح تارة وعبر إدعاء القوة لبلد ينهار يوما بعد يوم ، ومن يسعى ليكون ويبقى مالئ الدنيا وشاغل الناس هو رئيس التيار الوطني الحر الذي تزامنت زيارة النجم التركي مع تداعيات زيارته للجبل التي أسفرت عن تصادم أهلي بين أبناء الطائفة والمنطقة وربما الضيعة الواحدة بسبب من كلام غير مسؤول هنا وكلام إستفزازي هناك ، طمعا بزعامة وشعبية يريدها عبر مخاطبة غرائز الناس ونكأ جراحها ، بدل مخاطبة القلوب والعقول والمساهمة في نشر السلم والأمان عبر دعم المصالحة التي كلفت الكثير من الجهود المخلصة حتى تحقيقها .

والحديث عن جبران باسيل لا يعفي الآخرين من مسؤولياتهم ، فالإعتراض هنا على خطابه الإستفزازي وطريقته في طرح الأمور فحسب وليس على جولاته ونشاطاته التي تحسب له والتي هي بطبيعة الحال جزء لا يتجزأ من عمله وطموحه السياسي ، وهو ما يؤخذ على الآخرين من كل الأطراف هذا الكسل والتراخي في التعامل مع الناس ، ومحاولة مواجهته بخطاب مضاد قائم على تفنيد كل مزاعمه سواء بالنسبة للداخل أو بالنسبة لما يحاول أن يتركه في الناس من آراء ومعلومات قد تكون غير دقيقة عن أحوال اللاجئين والنازحين سواء منهم السوريين أو الفلسطينيين .

إن هذا ” الحب الأعمى ” أو ما أطلق عليه ظاهرة بوراك في لبنان ، إنما هو سلوك أناس قد يكونون يعيشون الفراغ في حياتهم وعدم التكيف مع الواقع ورفضه بحثا عن واقع أفضل يجدونه في ” وهم ” المسلسلات التلفزيونية وأبطالها ، وهم بنظري يبقون أقل خطورة من نظرائهم الآخرين في لبنان الذين يعيشون هذا الوهم و ” الحب الأعمى ” عبر تأليههم لزعمائهم السياسيين ، ويرضون بالواقع على مرارته وقساوته ، فقط كرمال هذا الزعيم ، أو فداءً ل ” صرماية ” آخر . ويبقى الطريق الثالث هو الحل ، طريق الإعتدال والإلتزام والعمل بالمبادئ الإنسانية السامية رغم وعورة الطريق والمسالك .

آخر تحديث: 10 يوليو، 2019 1:43 م

مقالات تهمك >>