هكذا انتصر الرأي العام الطرابلسي في وجه غطرسة باسيل

مستخدماً كل مؤسسات الدولة، وشاعراً بفائض القوة والسطوة والعناد، قام “جبران باسيل” بزيارته الأمنية “التاريخية” الى طرابلس، على الرغم من كل الاصوات الاعتراضية التي تتعالى في المدينة منذ عدة ايام، رفضاً لزيارة هذه الشخصية السياسية التي يعتبر اهل طرابلس انها تستخدم خطاباً استفزازياً وطائفياً وأقلوياً يشتغل على مخاوف المسيحيين من الآخر، شخصية تسعى بكل ما أوتيت من حصانات وحمايات ودعم وتسلط ونفوذ، الى مصادرة حقوق الآخرين، والى قضم المواقع والسطو على كل ما تصل يده اليه، وذلك في مقابل ضعف وهوان واستسلام مرجعيات طرابلس امام طمعه وتغوّله، وعجزهم عن إبداء أي مواجهة أو معارضة ولو بحدها الأدنى.

اقرأ أيضاً: إمضِ قيس..إمضِ جبران

في قراءه سريعة لدلالات هذه الزيارة، لمعرفة ما لها وما عليها، يمكننا ان نخرج بالاستنتاجات التالية:
على الرغم من حدوث الزيارة، إلا انه يمكننا التأكيد ان صاحبها قد أخفق في تحقيق اهدافه السياسية والفئوية والشخصية، فيما انتصر “الرأي العام الطرابلسي” الغاضب والرافض للزيارة، ونجح في تحقيق اهدافه:
اولاً، بارباك باسيل من خلال اجباره على تغيير موعدها من يوم الاحد الى السبت، وثانياً بتفشيلها دون تسجيل أي تصعيد او مواجهة أمنية. ولولا المعارضة الشعبية والمدنية التي اتخذت من مواقع التواصل الاجتماعي منبراً وحيداً لها، والتي نجحت في محاصرة باسيل في قاعة مغلقة تضم قلة قليلة من المناصرين، لكان يصول ويجول الآن في كل شارع من شوارع طرابلس، وفي كل حيّ من أحيائها، مكرساً نفسه بنفسه زعيماً عابراً للمناطق والطوائف؛ ولكان الآن يتناول الطعام على الموائد العامرة في كل بيت من بيوت المسؤولين في طرابلس، الذين كانوا يتنافسون على تكريمه والاحتفاء بزيارته واظهار حُسن الضيافة الطرابلسية؛ وعلى اطلاق الخطابات النارية التي تتفنن في الحديث عن اهمية العيش المشترك والوحدة الوطنية، وعن عظمة طرابلس وعراقتها وانفتاحها واعتدالها وبُعدها عن التعصب والتطرف، مع تجاهلٍ متعمد بأنها أفقر مدينة على حوض البحر الابيض المتوسط، وبأنها تموت كل يوم، قهراً وحرماناً وتهميشاً وظلماً من ذوي القربى. أن يُحرم أهل طرابلس من سماع خطابات التكاذب والنفاق والمجاملات الفارغة، فهذه اولى انجازات ومكاسب اهل طرابلس من الزيارة.

نعم .. لقد انتصر الرأي العام الطرابلسي، وذلك عندما رفع الصوت عالياً، في الوقت الذي تجابن فيه كل المسؤولين عن التصريح برفض الزيارة بشكل جلي وغير مغلفٍ بعبارات تحتمل اكثر من معنى وإيحاء ودلالة وتأويل؛ وعندما اجبرهم جميعاً على “الفرار” الى خارج طرابلس، لتفادي استقبال الزائر الذي كانوا قد تسابقوا برضاهم او غصباً عنهم – عندما أتتهم “كلمة السرّ” – الى الترحيب به في بياناتهم وتغريداتهم!

هلا رشيد امون
الدكتورة هلا رشيد أمون

نعم .. لقد انتصر الرأي العام الطرابلسي عندما تحولت طرابلس الى ثكنة عسكرية وكأنها ساحة معركة، او كأن عملاً ارهابياً على وشك الوقوع، وعندما اضطر الى الحضور وزير دفاع حالي ووزير دفاع سابق، خشية قطع الطرقات أو حدوث احتجاجات وتحركات شعبية قد تحرم باسيل من التمتع بقول: الأمر لي. وما كل تلك الإجراءات الأمنية الاستثنائية التي كلفت خزينة الدولة اموالاً طائلة، إلا لأن هناك مَن كان يحسب حساباً لغضب الناس، ومَن أخذ رفض الرأي العام واعتراضه على محمل الجد، على الرغم من ان الزائر قد فاخر بأنه “لا حاجة لأن نأخذ إذناً من أحد لندخل الى أي منطقة”. وهل يحتاج الى أخذ إذنٍ يا معالي الوزير، مَن هو قادر على وضع كل امكانات الدولة في خدمته: الجيش وقوى الأمن الداخلي وشعبة المعلومات وكل اجهزة الاستخبارات؟!

نعم .. لقد انتصر الرأي العام الطرابلسي عندما اتبث صحة وصوابية موقفه من الأداء السياسي الاستفزازي والتحريضي والشعبوي للزائر الذي نكأ في خطابه جراح الماضي، وسخّر واستغل كل مقدرات الوزارات التي يرأسها افراد من تياره السياسي، لفرض حصول زيارته وتأمين حماية أمنية لموكبه، ومع ذلك فقد قال بثقته المعهودة: “نحنا بدنا الدولة، وغيرنا بدو المزرعة. نحنا بدنا الجيش، وغيرنا بدو الأمن الذاتي”. وطبعاً الكل فهم كيف، ولماذا، وماذا يريد باسيل من هذه الدولة، ومن هذا الجيش!

اقرأ أيضاً: باسيل في زيارته الى طرابلس… والخطابات الشعبوية

أخيراً يمكن القول، أن جزءاً كبيراً من الغضب العارم الذي أبداه أهل طرابلس على الزيارة، كان موجهاً بالدرجة الاولى، الى مرجعيات المدينة ونوابها ووزرائها الذين لولا ضعفهم وجبنهم وتخاذلهم وسهولة استسلامهم لقوى الأمر الواقع ، لما تجرّأ باسيل او غيره، على ان يصبح بهذه القوة والتسلط والعنجهية التي سمحت له بأن يأتي الى طرابلس على رأس جيش جرار، وأن يحولها الى “غيتو أمني”. ولما تمكن من نقل الكليه البحرية المخصصة لعكار المحرومة، الى مسقط رأسه البترون. ولما تمكن من الحصول على موافقة اللجان النيابية بإنشاء منطقه اقتصاديه في البترون، فيما المنطقة الاقتصارية والمعرض والمرفأ وسكة الحديد والمنطقة الأثرية والاسواق القديمة وغيرها من المرافق الحيوية معطلة في طرابلس. ولما تمكن من فرض موظفين مسيحيين من البترون، على مواقع ادارية في طرابلس، بدلا من موظفين من ابناء المدينة. ولما تمكن من حشو الادارات الرسمية بأتباعه ومناصريه، فيما تخلو العاصمة الثانية من شخص واحد يشغل منصب “مدير عام” في كل وزارات وادارات الدولة.

الف تحية الى اصحاب الصوت الحر والشجاع في طرابلس، فأنتم مَن حمى ساسة طرابلس من أنفسهم الأمّارة بالسوء، عندما وضعتم حداً لتنازلاتهم المخزية، ولقنتموهم درساً عظيماً في الشجاعة والمروءة والمواجهة، واجبرتم كل أجهزة الدولة على الاستنفار احتراماً لموقفكم الواضح والثابت الذي أدى الى خلق حالةٍ من “توازن الرعب” في شوارع طرابلس. ما يعني ان رسالتكم قد وصلت الى كل الأطراف .. فاطمئنوا.

أما الزبد فيذهب جُفاءُ .. واما ما ينفع الناس فيمكث في الارض.

آخر تحديث: 8 يوليو، 2019 2:17 م

مقالات تهمك >>