مساحة العقل في الأديان

ما هي مساحة العقل في الأديان، وهل هناك من تعارض بينهما؟

يجيب سماحة العلاّمة المفكر السيد محمد حسن الأمين: مسألة العقل والدين، هي من المسائل ذات الجذور العميقة في التاريخ  عموماً، وفي تاريخنا الإسلامي بصورة خاصّة، وفي مرحلة نشوء المذاهب الإسلاميّة بصور أخص.

وأنا لا أريد أن أستعرض وقائع الجدل والحوار بين الأشاعرة والمعتزلة حول هذه المسألة، ولكنني كمفكّر معاصر، وأتيحَ لي أن أتعرّف على أقوال الأقدمين في هذا الشأن وغيره، وعلى ما استجدّ من علوم وفلسفات حديثة، أجد نفسي مطالباً أن أتقدّم برؤية غير مفصولة عن التراث بما يخصّ هذه المسألة وغيرها، وفي الوقت نفسه غير مستنسخة عن التراث الكلامي والفلسفي حول الدين والعقل.

اقرأ أيضاً: الدين والفلسفة

فأنا أرى أن التناقض المفترض بينهما هو أقرب إلى سوء التفاهم منه إلى الخلاف الفكري وبالذات فإنّني أسجل أنّ ثمة ميدانَين في العقل الإنساني، أو في الوجود الإنساني، يتحرّك فيهما، أحدهما ميدان العقل والآخر هو ميدان الدين، لذلك وقبل أيّ تفصيل آخر يمكنني القول أنّ المشكلة في هذا المجال متأتّية من المزج بين هذين الميدانَين، فأنا أعتقد أنّ الله سبحانه وتعالى خلق الإنسان وخلق أنبل ما في الإنسان وهو العقل، وذلك لكي يتمكّن الكائن الإنساني من أداء رسالته في هذا الوجود وعلى هذه الأرض، ولم يكشف الله تعالى للإنسان أسرار الوجود وجوهر المادة التي يتعامل معها الإنسان، وإنما جعل ذلك من مهمّة العقل الإنساني، بدليل أنّ هذا العقل شهد منذ أقدم الأزمنة إلى الآن تطوّرات وقفزات وكشوفات بالاستقلال عن الوحي الذي هو من الله سبحانه وتعالى، بما يعني أنّ  عالم الشّهادة هو ميدان العقل، فبالرّغم من أنّ القرآن الكريم هو كتاب هداية وقصص وعبر، ولكن القرآن الكريم لم يقدّم لنا تفاصيل دقيقة حول الميادين المختصّة بعمل العقل بصورة عصرية، أضرب على ذلك مثلاً: أنّ القرآن الكريم تحدّث عن الأمم السابقة، وكمثال تحدّث عن أهل الكهف، ولم يبيّن لنا متى كان هذا الحدث، وأين وقع هذا الحدث، وفي أيّ أمّة، وغيرها من التساؤلات التفصيلية، ولكن هذا لم يمنع أن يجد العقل طريقه إلى اكتشاف هذه التفاصيل من خلال العلوم والأبحاث والحفريّات والتجارب، وغيرها من الأمور التي راكمها العقل الإنساني.

هو لم يبيّن لنا متى وكيف حصل هذا الفتق، وما هي المادة التي كانت تتكوّن منها كتلة السماوات والأرض التي فتقها، إنّ مثل هذا الأمر متروك للعقل الإنساني وكدحه وبحثه المستمر، والتي كشف فيها حتى الآن الكثير من أسرار الخلق، بما أستطيع أنّ ألخّصه في النهاية بالقول: إنّ للعقل ميداناً هو ميدان الشهادة، وأنّ للوحي أو الدين ميداناً هو ميدان الغيب. فإذا كان الأمر كذلك، أين يكون التناقض بين الدين والعقل، بين ميدانَين مختلفين؟! علماً أنّ العقل الإنساني لا ينكر عجزه عن معرفة الغيب، وأنّ الطريقة إلى هذه المعرفة هي الوحي والذي لا تتناقض معطياته مع مقتضيات العقل كالإيمان بالبعث مثلاً، فهل يقف العقل من هذه المقولة موقف المنكر وهو لا يملك معطيات نكران هذه المقولة؟

لذلك كان لا بدّ للكائن الإنساني أن يعود في مجال الغيب إلى الوحي الذي لا يتناقض مع أحكام العقل.

وهناك جانب آخر علاقة الإنسان بالدّين، فأنا من الذين يرون أنّ الإنسان يساهم في صنع عقيدته الدينيّة، وأنّ الصراعات والخلافات التي تقوم بين أتباع الأديان والمذاهب تلعب دوراً مهماً في صياغة أفكار وعقائد وقصصاً بتأثير من حياتها الاجتماعيّة، وأحياناً بتأثير من قصور العلم والمنهج لديهم، وتتحوّل أحياناً بعض الخرافات إلى موقع القداسة لدى كثير من أفكار العامّة وحتى غير العامّة من الناس.

اقرأ أيضاً: حق الاختلاف بين الأديان

كما أودّ الإشارة إلى أنّ الشريعة، والشريعة الإسلاميّة ليس مصدرها الوحي فحسب، ولا السنة النبويّة، وسنة الأئمة كما عند الشيعة. وإنما تساهم في صنعها عقول الفقهاء، بما يعني أنّ الشريعة في جانب أساسي منها هي إنتاج بشري، وقابل للتغيّر والتبدّل وفق الظروف التاريخيّة والاجتماعيّة والشخصيّة التي يعيشها الفقيه، وهذا يعني أنّ الفقه بذاته ليس مقدّساً، لأنّه كما قلنا هو نتاج بشري وليس وحياً، وإن كان يستند في بعض أحكامه إلى الآيات المحكمة؛ إلا أنّه في مجال التشريع الواسع حيث لا يوجد آيات محكمة فإنّ الفقيه يستخدم القواعد المستنبطة من العقل، والعقول تختلف وتتطور ـ كما أشرنا ـ عبر الأزمنة والأمكنة.

(من كتاب “أمالي الأمين” للشيخ محمد علي الحاج)

آخر تحديث: 1 يوليو، 2019 6:26 م

مقالات تهمك >>