عن انتصارات إيران العلنية وتنازلاتها السرّية

ما ان اسقطت ايران طائرة التجسس الاميركية بلا طيار الاسبوع الماضي فوق مياه الخليج العربي – الفارسي، حتى بدأت الاحتفالات بالنصر الايراني الالهي الجديد تعم كافة محافل الممانعة، من طهران الى دمشق وضاحية بيروت الى بغداد وشمال اليمن.

عقب اسقاط طائرة التجسس الاميركية من قبل الحرس الثوري الايراني احتفت الفضائيات وعلى رأسها “الجزيرة” ومواقع الانترنت الاخبارية بالحدث الاستثنائي وبالانتصار الايراني عن طريق اطلاق ردود فعل حماسية تبرز الشجاعة الايرانية، وجبانة ترامب الذي امتنع عن الردّ، والذي أكّد مجددا انه لا يريد الحرب مع ايران ولا تغيير نظامها، بل يريد التفاوض معها.

ولكن اذا استطعنا تحويل انظارنا من سماء الخليج حيث جرى الحدث الاخير الملتهب، نحو الأرض المتنازع على النفوذ فيها بمنطقتنا العربية، فسوف يطالعنا مشهد مناقض تدفع فيه ايران فواتير وتنازلات بالجملة استجابة لشروط ترامب التي فرضها على الجمهورية الاسلامية مقابل رفع العقوبات والحصار الاقتصادي عنها.

اقرأ أيضاً: لماذا إيران ضرورة أميركية وحاجة إسرائيلية؟

في سوريا مثلا، أوعزت ايران الى حزب الله بسحب عناصره من قرى ومدن الساحل السوري ومن حمص، وتفكيك مليشيا الدفاع الشعبي الموالية للنظام التي كان سلحها ودربها الحزب، وذلك وفقا لاتفاق رعته روسيا كطلب اميركا التي تصر على سحب القوات الاجنبية من سوريا كمقدمة للحل السياسي السلمي المرتقب والبدء بالاعمار. ويقتصر وجود حزب الله حاليا على دمشق وجوارها وبعض الجبهات التي ما زالت ملتهبة في الشمال السوري.

اما في لبنان فان حزب الله تنازل ايضا كطلب ايران ولم يمنع دخول الشركات الأميركية الاستثمار بالنفط اللبناني، وإنشاء شركة أميركية قابضة تبتاع الإنتاج النفطي من لبنان ومن إسرائيل، وتعمل هي على التصرف به وتسويقه، مقابل توزيع المردود على الطرفين، لتبدأ الزيارات المكوكية للمبعوث الاميركي دايفيد ساترفيلد الى لبنان لدفعه نحو المفاوضات مع إسرائيل من أجل ترسيم الحدود البرية والبحرية بين الدولتين، وبموافقة حزب الله على إدارة واشنطن لهذه العملية، بعدما كان الموقف اللبناني، والحزب تحديدا، رافضا لفكرة التفاوض مع العدو بالمطلق، لكن ما يجري اليوم هو حركة أميركية دبلوماسية بين لبنان وإسرائيل بمباركة ايرانية وتنازل منها ومن حزب الله عن “فيتو ترسيم الحدود مع اسرائيل” وذلك تنفيذا لشرط تحجيم نفوذ ايران في لبنان، وليس الغاءه.

ولم يختلف الامر في العراق حيث النفوذ الايراني الاكبر، مع وجود عشرات الفصائل من الاحزاب والمليشيات الشيعية الموالية لها داخل الحكومة وخارجها، فما جرى اول امس الاحد في بغداد هو ابلغ دليل على التنازل الكبير الذي قدمته ايران لعدوتها اللدود اميركا، ربما مكافأة لترامب على رد فعله الايجابي وتسامحه بعد اسقاط طائرة التجسس، فبعد ثمانية شهور من المراوحة والجمود، تم منح الثقة البرلمانية وتعيين اللواء نجاح الشمري وزيرا للدفاع، وهو المحسوب على رئيس ائتلاف الوطنية أياد علاوي المقرب من اميركا والمناهض تاريخيا بشكل صريح لنفوذ إيران، وذلك في عودة من طهران للاتفاق العرفي المعمول به منذ سنوات بان يكون وزير الدفاع العراقي من الطائفة السنية ومقبول اميركيا، وان يكون وزير الداخلية شيعيا مقربا من ايران وهو ما تم بالفعل مع تعيين اللواء ياسر الياسري مرشح “الفتح” المقرب من ايران ومنحه الثقة بنفس الجلسة.

ولا يخفي المراقبون في العراق دهشتهم من اعادة الهيكلة التي جرت الشهر الفائت وقلصت من عدد وعديد الحشد الشعبي، مع اقصاء العسكري ابو مهدي المهندس المطلوب اميركيا عن رئاسة الحشد واستبداله بالمدني فالح الفياض، في اشارة واضحة الى التوجه الايراني الجديد الذي يستجيب للشرط الاميركي في تقليص دور الحشد ومنع سيطرته على مرافق الدولة كما كانت تقضي بذلك الخطة الايرانية، فتمكنت بدعم من الفتح والاكراد ومقتدى الصدرر من ازاحة رئيس الوزراء السابق حيدر العبادي من منصبه لأنه ذو نزعة استقلالية ما يهدد طموحاتها وسيطرة حلفائها، وجاءت بشخصية ضعيفة وهو عادل عبد المهدي من اجل تسهيل تغلغل عناصر الحشد داخل الجيش وادارات الدولة، ولكن التصدي الاميركي المباشر لايران عبر الحصار والشروط 12 التي من ضمنها استهداف الحشد الشعبي بالعقوبات، اوجب ذلك من ايران ان تخضع وتتنازل رغما عنها، فتساهم في تعيين وزير دفاع معتدل يتعاون مع القوات الاميركية في العراق، وتكبح جماح الحشد الشعبي وتقلّص دوره امنيا وعسكريا استجابة لشروط ترامب.

ايران تنتصر في الجوّ بعيون انصارها، وتخسر وتتنازل على الارض باتفاقيات سرية ومعلنة، ويعلم العارفون بالشأن السياسي الخليجي ان في مسقط وبغداد مركزين للوساطة ولتبادل الرسائل بين واشنطن وطهران بسرية تامة في اغلب الاحيان، وبعلنية عند الحاجة كما حدث عند الاسقاط الاستعراضي للطائرة الاميركية دون طيار من قبل دفاعات الحرس الثوري، وذلك من أجل تأكيد بروباغندا الانتصارات مقابل تقديم التنازلات.

آخر تحديث: 27 يونيو، 2019 4:38 م

مقالات تهمك >>