الدين والفلسفة

ثمّة سؤال بالغ الأهميّة يطرحه الكثيرون حول مقولة الفلسفة الإسلاميّة، يرى بعضهم أنّه لا يوجد فلسفة إسلاميّة، وأنّ المادة الفلسفية التي يتضمّنها علم الكلام هي في واقعها فلسفة يونانيّة استخدمها المسلمون بعد ترجمتها، وجعلوا منها وسيلة لإثبات العقائد الدينيّة، وأنّ الفلاسفة المسلمين في أقصى الحالات كانوا قرّاءً للفلسفة اليونانية، وفي الحالات الأقصى كانوا يضيفون أو يناقشون هذه الفلسفات ويفسّرون هذه الظاهرة ـ أي عدم وجود فلسفة إسلاميّة محضاً ـ يبدأ من أنّ هناك عقيدة إسلاميّة قدّمت تفسيرها النهائي للوجود وللكون وللحياة، أعني أنّها قدّمت إجابتها النهائية والحاسمة حول هذه المفاهيم، فيما الفلسفة في الواقع هي النشاط الفكري والعقلاني لبحث قضايا الوجود والإنسان، والعقيدة عند المسلمين لا تسمح بتقديم رؤىً ومفاهيم قد تختلف وقد تتفق مع العقيدة الإسلاميّة.

يجيب سماحة العلاّمة المفكّر السيد محمد حسن الأمين: من وجهة نظرنا فإنّنا لا نرى هذا الرأي على الأقل لناحية وجود فلسفات أنتجها المسلمون وكانت تتبع مناهج الفلاسفة بالتفكير حتى أنّ بعض الفقهاء طعنوا بآراء هؤلاء الفلاسفة، ومنهم الإمام الغزاليّ الذي اتخذ موقفه الشهير من الفلسفة في كتابه المشهور والمعنون بـ: تهاتف الفلاسفة.

أقول: إنّ هذا يدلّ على أنّ هناك فلاسفة مسلمون لم يكتفوا في مواقفهم الفكريّة الفلسفيّة عند حدّ الدفاع عن العقيدة، بل تجاوزوا ذلك ودخلوا في أبحاث تتنافى ـ برأي بعض الفقهاء ـ مع العقيدة الإسلاميّة، وهناك أمثلة كثيرة على ذلك أحدها موقف الفقهاء من مقولة وحدة الوجود التي قال بها بعض الفلاسفة المسلمين، أو موقف الكثير من الفقهاء من الفيلسوف والطبيب المشهور ابن سينا الذي قال بِقدم العالم، وأنّ قِدم الله تعالى متقدّم رتبةً لا زماناً عن وجود العالم..

اقرأ أيضاً: حق الاختلاف بين الأديان

ويتابع السيد الأمين: وبوصفي مؤمناً بالعقيدة الإسلاميّة، فإنّي لا أرى مانعاً من الخوض في شؤون الفلسفة، وأضرب مثالاً على ذلك مسألة فلسفيّة محوريّة، والتي هي نظرية المعرفة، والتي يمكن أن أبحثها وأن أناقش كلّ الاتجاهات المختلفة في نظرية المعرفة، ولا أرى أنّها تمسّ بعقيدتي الإسلاميّة، أكثر من ذلك فإنّني لا أرى مانعاً أن أتبنّى وجهة النظر التي تقول بأولوية الشك تجاه كل الأفكار المطروحة على الإنسان، بما فيها قضيّة الدين مهما تكن النتيجة التي ينتهي إليها هذا البحث، بل يمكن القول أنّ اعتناق الدين نفسه ينبغي أن يكون ثمرةً للشك ثم للبحث، ذلك أنّ النصوص الدينيّة نفسها تحرّض الإنسان على التفكير ولا تسدّ باباً من الأبواب تجاه التفكير الحرّ، والتفكير الحرّ هو ألصق ما يكون بموضوع الفلسفة، وهو ينتمي إلى المنهج العقلي في نظريّة المعرفة.

وأعتقد أنّ الخوض في التفكير الفلسفي سوف يُنتج اختلافاتٍ كثيرة بين المضطلعين بهذا التفكير، والمسلمون بحاجة إلى هذه الحيوية الفكريّة التي يمكنها أن تطوّر العقل الإسلامي، وتدفعه في إنتاج مفهوم مشترك للتجدد ولبناء الحضارة، وللاقتراب أكثر من مناهج العلوم، سواء منه العلوم الإنسانيّة أو العلوم الطبيعية، وليست إمكانية إنتاج ملحدين بأكثر ضرراً في المجتمع الإسلامي من بقاء العقل الإسلامي معطلاً، أو عقلاً تقليدياً ينتج قناعاته تارّةً من مقولات التراث، ويقتصر عليه، وطوراً بتقليد فلاسفة الغرب دون مشاركة هؤلاء الفلاسفة بإنتاج أفكارهم.

اقرأ أيضاً: قراءة تاريخية لتطور الأديان والإلحاد

وفي الجزء الثاني من هذا القول فإنّني أضرب مثالاً على ذلك الفلسفة الماركسيّة، والتي هي إنتاج غربي صرف، فإنّي وجدت أغلب معتنقي هذه الفلسفة يعتنقونها بوسيلة التقليد والانبهار دون أي محاولة فلسفية كبرى لمناقشة هذه الفلسفة المادية الماركسية.

وبالخلاصة إنّه لا خوف على الدين من الفلسفة، وإن كان يوجد خوف من الدين المسطح على الفلسفة.

(من كتاب “أمالي الأمين” للشيخ محمد علي الحاج)

آخر تحديث: 24 يونيو، 2019 7:18 م

مقالات تهمك >>