عصابات فرض الخوات في الضاحية..

ورد في "المدن": "المصائب لا تأتي فرادى"؛ على هذا الواقع يعيش المواطن في بعض مناطق الضاحية الجنوبية لبيروت، الذي لا يكتوي بنيران الفقر والبطالة وحسب، بل بلهيب من يفرض الخوّات ليشارك الناس عنوة في مصدر رزقها ويقوم بإرغامها على دفع الأموال باستخدام التهديد والوعيد، في أساليبٍ تضرب بعرض الحائط هيبة الدولة، وتنكد حياة المواطن المهموم أصلاً بتكاليف المعيشة.

الأمور على حالها:

بعد عامين من اتخاذ القرار بإعادة هيبة الدولة إلى مناطق الضاحية الجنوبية، التي تفرض فيها عصابات، تقدّم انتماءها العشائري على الانتماء الحزبي أو السياسي، الخوّات على المواطنين. ليس خافياً على أحدٍ أن الأمور ما زالت على حالها. ومن يتجول في الضاحية الجنوبية يسمع الكثير من القصص المتصلة بالعصابات المنظمة التي غابت عن الإعلام لفترةٍ من الوقت.

تجدد يوم الأحد، اهتمام الإعلام اللبناني بمشهد عصابات الخوّات في الضاحية الجنوبية، عندما أقدم شابين من آل زعيتر على متن دراجة نارية على إطلاق النار على مطعم الآغا، الواقع على أوتوستراد هادي نصرالله وفي ساعة الذروة. والغاية كانت ترهيب صاحب المطعم لإسقاط الدعوى عن أخيهما الموجود في قبضة القوى الأمنية، بتهم تهديد وفرض خوّات. والواقع أن هذه الحال وصلت إلى هذه المرحلة من السخونة بعد أن تجرأ صاحب المطعم على رفع دعوى قضائية. وهو الأمر الذي يتجنبه معظم من يتعرض للابتزاز، خوفاً من أعمالٍ انتقامية تجعل اللجوء إلى القضاء أمراً محفوفاً بالمخاطر.

جهاراً نهاراً:

يؤكد كل من نسأله، أن أسماء من يفرض الخوّات في بعض المناطق، معروفة لدى الأجهزة الأمنية والأحزاب المعنية، لكن لا أحد يحرك ساكناً، لحسابات سياسية ومناطقية، تُسبب في أحيانٍ كثيرة، الحرج لـ”الثنائي الشيعي” (حركة أمل وحزب الله). وبينما جرى التصدي لهذه الظاهرة في بعض المناطق، مع تدخل حزب الله ميدانياً، بقيت مناطقٌ أخرى مسرحاً لهذه الأفعال بلا حسيبٍ أو رقيب.

يتحدث أحمد، وهو أحد القاطنين في منطقة الليلكي، لـ”المدن”، عن طريقة جديدة لفرض الخوّات، عبر سرقة الدولة والمواطن في آن معاً. إذ يقوم أحد أصحاب المولدات في هذه المنطقة بتأمين التيار الكهربائي للمنازل عبر تمديد كابلات من مناطق تتغذى بالتيار الكهربائي، للاستفادة منها في مناطق أخرى، من دون استخدام المولد، فارضاً رسوم الإشتراك الشهري الذي يدفعه كل مواطن في لبنان.

يبعث كل شيء، وفق أحمد، على الحسرة والألم، فهذه الظاهرة تسبب ضعف التيار الكهربائي الذي يضرب كل ما يُستعمل من أدوات كهربائية، لتصبح مشكلة بعيدة الحل. وهذا يطاول كل بيت في هذه المنطقة تقريباً. يشرح أحمد قائلاً “احترق التلفاز منذ فترة، واليوم جاء دور مكيف الهواء، وفوق هذا يجب أن ندفع فاتورة مولد لا يعمل، والحبل على الجرار! لقد سئمنا من ترديد بعض الأحزاب لازمة “نحنا مش الدولة”، فمع من نتكلم ولمن نشكي همومنا؟ لا يستطيع أي أحد الاعتراض وإلا سيتعرض للضرب والإهانة. بعض المناطق أصبحت فيها الخوّات أمراً واقعاً، والمؤسف أن الناس أصابها الإحباط، وباتوا يعتادون هذه الحال، ويرون بأن الحل يحتاج إلى أعجوبة”.

ظاهرة مستفحلة:

يضم أوتوستراد هادي نصرالله عدداً لا بأس به من المطاعم والمحال والمؤسسات التجارية، معظمها وقعت فريسةً لمطامع أصحاب الخوّات. وبهذا الخصوص، يقول لنا صاحب أحد المطاعم الشهيرة في المنطقة بأنه يدفع ما يناهز 600 دولار شهرياً للعصابات لكّف شرهم. ويضيف “كلٌ منا يدفع حسب إمكانياته، العصابات أصبحت تشاركنا في أرباحنا، وحتى في فرض بعض الموظفين علينا، وإذا قمنا بالاحتجاج، سيتكرر معنا ما حدث مع مطعم الآغا”. وتابع قائلاً: “نستغرب بشدة عدم تحرك الأحزاب المعنية والقوى الأمنية لوقف هذه الممارسات. ربما يتجنبون الدخول في مشاكلٍ كبيرة مع العشائر، لا يسعني القول إلا أن مصيبتنا كبيرة، وهذا غيض من فيض ما نعانيه”.

من جهته، روى علي، وهو أحد أصحاب المحال التجارية في منطقة الكفاءات، ما حصل معه لنا، قائلاً: “كنت جالساً في أحد الأيام في متجري، عندما دخل شخصٌ محسوب على إحدى العشائر الكبيرة في المنطقة، وبعد أن عرّف عن نفسه، طلب مني أن أدفع له 200 دولار شهرياً، بحجة “نحنا منحميك بالمنطقة”، وما أن رفضت عرضه حتى بدأ بالتهديد بالويل والثبور وعظائم الأمور. لديّ عائلة لأعيلها ولا أحد يحميني أو يقدم لي المساعدة، لذلك رضخت للأمر الواقع، ونجحت بعد عدة محاولات من تخفيض المبلغ إلى النصف، وكأن لا تكفيني همومي حتى يترتب عليّ دفعات جديدة”.

أسئلة واستهجان:

يستغرب المتضررون من هذه الممارسات عدم لجوء “الثنائي الشيعي” للتنسيق بشكل موسع وجذري مع العشائر المعنية، لوضع حد لظاهرة الخوّات، خصوصاً وأن ما يحدث “يتعارض مع القيم العشائرية”، ويتسبب بالإحراج لحزب الله وحركة أمل، مع تزايد الشكاوى وعلامات الاستفهام التي يطرحها الناس، عن الحاجة الملحة لقيام الأجهزة الأمنية بالضرب بيدٍ من حديد.

والحال، وكما كل شيء في لبنان، فإن تسييس المشاكل يحول دائماً دون إيجاد الحل المناسب. لذلك يقول علي: “سيخرج البعض الآن ليحور كلامنا ويربطنا بأجندات سياسية إقليمية وربما دولية. فعلاً هزلت. إذا كانوا لا يعرفون معنى الديموقراطية، فلماذا يضعونها في شعاراتهم. جلّ ما نطلبه من المعنيين المحافظة على أرزاقنا في هذه الظروف الاقتصادية الصعبة. وهذا ليس بالكثير، ونتمنى أن يلقى نداءنا هذا أذاناً صاغية”.

آخر تحديث: 23 يونيو، 2019 4:58 ص

مقالات تهمك >>